(1) ستغير الانتخابات الإقليمية في كتالونيا التي ستقام في سبتمبر، والانتخابات العامة قبل نهاية العام، المشهد السياسي في إسبانيا.

(2) على الصعيد الوطني، فإن الحكومة الإسبانية المقبلة ستكون تحت ضغط لزيادة الإنفاق وخفض الضرائب وحالة التشرذم السياسي سوف تنشئ حكومة ائتلافية ستكافح من أجل الاتفاق على السياسات. وكلا الأمرين يمكن أن يضر التعافي الاقتصادي الوليد.

(3) في كتالونيا، سيكون أداء الأحزاب المؤيدة للاستقلال جيد، ولكن الاستقلال سيبقى بعيد المنال. وستواصل مدريد إعاقة الاستقلال من خلال الوسائل القانونية، إلا أن تطور العلاقة بين الحكومة المركزية والمنطقة المتمردة سوف تعتمد على من هو المسؤول في كل حكومة.التحليل:من أبرز سمات الأزمة الأوروبية هو أن العمليات الاقتصادية والسياسية غالبًا ما تتحرك بسرعات مختلفة في مناطق مختلفة. فالعديد من الاقتصادات في المحيط الأوروبي تنمو مرة أخرى، ولكن العواقب السياسية للأزمة لا زالت في بداياتها.إسبانيا هي أوضح مثال على هذا الاتجاه. بعد الظروف الاقتصادية الصعبة من المتوقع أن تنمو الدولة المطلة على البحر المتوسط بأكثر من 3% هذا العام. ولكن ذلك لن يكون كافيًا لوقف الانقسام السياسي في البلاد بسبب انخفاض دعم الحزبين الرئيسيين (الحزب الشعبي المحافظ والحزب الاشتراكي)، وظهور أحزاب جديدة.
ونتيجة لذلك تطور نظام الحزبين التقليدي إلى نظام التعددية الحزبية التي تحتاج إلى التحالفات السياسية لتشكيل الحكومات.
تمر منطقة الحكم الذاتي المستقلة بكتالونيا بحالة سياسية معقدة. ففي بداية الأزمة، جدد الركود الاقتصادي المطالبات بانفصال المنطقة، لكن في الآونة الأخيرة أدى الانقسام السياسي إلى صعود قوى جديدة تنتقد الوضع الراهن لكن في نفس الوقت تعارض مطالب الاستقلال. ونتيجة لذلك، فإن القوى المؤيدة للاستقلال ستقدم أداءً قويًّا في الانتخابات القادمة في المنطقة، لكنها قد لا تتلقى دعمًا كبيرًا كما كانت تأمل عندما دعت إلى انتخابات مبكرة.

 

المعضلة الكتالونية

إن اليوم الرئيسي الأول لتحديد مستقبل إسبانيا هو 27 سبتمبر، حيث تقيم كتالونيا الانتخابات الإقليمية. فقد توصل حزب الاتحاد الديمقراطي الكتالوني الحاكم إلى اتفاق مع اليسار الجمهوري والقوى السياسية الأخرى لربط التصويت بوعد الاستقلال من إسبانيا. كما وعد التحالف أنه إذا فاز بالانتخابات فسوف تصبح كتالونيا دولة مستقلة خلال 18 شهرًا مع أو من دون التوصل إلى اتفاق مع الحكومة المركزية في مدريد، ومن أوائل المشكلات بهذا الوعد أن المشهد السياسي في كتالونيا أصبح منقسمًا شأنه شأن المشهد بباقي إسبانيا، كما أن القوى المؤيدة للاستقلال ربما لا تحقق الفوز الساحق كما تأمل.تظهر استطلاعات الرأي أن الأحزاب الانفصالية سوف تحصل على نفس عدد المقاعد في البرلمان الكتالوني كما فعلت في الانتخابات الإقليمية الأخيرة التي أجريت في عام 2012، وبعض استطلاعات الرأي تشير إلى أنها ستحصل على مقاعد أقل.

 

اتجاهات الأحزاب السياسية الإسبانية

بالإضافة إلى ذلك، يشعر بعض الناخبين أن حكومة كتالونيا أضاعت الكثير من الوقت في الاشتباك مع مدريد ولم تعر انتباهها لحل مشاكل المنطقة. فقد فاز مؤخرًا في الانتخابات البلدية في برشلونة تحالف القوى اليسارية الذي ينتقد تدابير التقشف، ولكن يعتري الغموض سياساته المعنية بمطالب الاستقلال. كما أن حزب المواطنين الوسطي الذي يرفض الاستقلال أصبح من أكثر الأحزاب شعبية في المنطقة. ولكن من المؤكد أن الأحزاب الوطنية الإسبانية سيكون أداؤها ضعيفًا ومن المتوقع أن يتلقى الحزب الشعبي أقل من 10% من الأصوات.
المشكلة الثانية هي اعتقاد القوى المؤيدة للاستقلال أن الفوز في الانتخابات الإقليمية سوف يعطيهم الشرعية الديمقراطية لبدء عملية الانفصال، ولكن الدستور الإسباني لا يسمح بالانفصال. فلا توجد قواعد لتحديد ما هي نسبة التأييد الشعبي في الانتخابات أو عدد المقاعد في البرلمان الإقليمي الكافية لبدء عملية الانفصال.
وقد صرح القادة الانفصاليون أن أغلبية بسيطة من المقاعد في البرلمان الكتالوني (68 من أصل 135، مقاعد متاحة) ستكون كافية لبدء عملية الانفصال. ولكن إن تأكدت نتائج استطلاعات الرأي فمن غير المرجح أن حكومة يدعمها نصف الناخبين من شأنها أن تشعر بالثقة الكافية لاتخاذ أي قرارات جذرية. فإن فازت الأحزاب المؤيدة للاستقلال بفارق بسيط فقط، فمن المرجح أن ينتظر قادة كتالونيا نتيجة الانتخابات العامة لمحاولة التفاوض مع الحكومة المركزية الجديدة.

التصويت المؤيد للاستقلال

المشكلة الثالثة والأكثر أهمية هي الدستور الإسباني. فإن المحكمة الدستورية الإسبانية ستعوق أي إجراءات تنتهك القانون الإسباني الأساسي. في نوفمبر قررت الحكومة الكاتولينية تعليق الاستفتاء على الاستقلال واستبدالها بمشاورات غير ملزمة بعد أن أعلنت المحكمة الدستورية أنه غير قانوني. وسوف يكون أول رد فعل لمدريد على أي تحركات انفصالية من كتالونيا اللجوء إلى المحكمة الدستورية.
وهذا من شأنه وضع الحكومة الكاتولينية في مأزق. فيمكنها أن تقرر تجاهل المحكمة الدستورية الإسبانية، إلا أن هذا القرار له عواقب قانونية خطيرة. أولًا، يمكن اعتقال المسؤولين في كتالونيا. ثانيًا، يمكن للحكومة المركزية تعليق الحكم الذاتي في كتالونيا والسيطرة على الحكومة الإقليمية مؤقتًا. ومن المرجح أن يكون ذلك هو المسلك الأخير لمدريد لأنه من شأنه أن يولد أزمة سياسية غير مسبوقة منذ نهاية الديكتاتورية في إسبانيا في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
إمكانية تعليق الحكم الذاتي في كتالونيا لا تزال بعيدة، ولكن مدريد تسلح نفسها بالأدوات القانونية. ففي سبتمبر سوف يقوم البرلمان الإسباني بتمرير قانون يعطي صلاحيات للحكومة المركزية للسيطرة على الموارد البشرية والمادية الإقليمية خلال ما أسماه بـ “ظروف استثنائية”. فعلى سبيل المثال، يسمح القانون للحكومة المركزية بالسيطرة على قوات الشرطة الإقليمية أثناء حالات الطوارئ. وفي حين تصر مدريد على أن القانون يهدف إلى تبسيط عملية صنع القرار خلال الهجمات الإرهابية أو الكوارث الطبيعية، يقول الانفصاليون في كتالونيا إنه يمكن استخدام القانون لتعليق الحكم الذاتي في المنطقة.
هذه العقبات المعقدة تعني أن من المرجح ألا تستقل كتالونيا في وقت قريب، ولكن العلاقة مع مدريد ستبقى مضطربة، خاصة إن تم إعادة انتخاب القوى المحافظة بالانتخابات العامة في إسبانيا.

 

المعضلة القومية

سوف تقوم إسبانيا بإجراء انتخابات عامة قبل نهاية العام. و في هذا الوقت سيصبح التأثير السياسي للأزمة الأوروبية واضحًا تمامًا، وذلك لأن الانتخابات ستؤدي إلى تشكيل حكومة ائتلافية من شأنها أن تشمل واحد من الحزبين اللذين يتمتعان بشعبية كبيرة، وواحد على الأقل من المتنافسين الرئيسيين المناهضين للمؤسسة.
في مايو، عرضت الانتخابات الإقليمية وانتخابات البلدية ما يمكن أن يحدث في الانتخابات العامة. ساعد حزب البوديموس اليساري الحزب الاشتراكي لتشكيل الحكومات في العديد من المناطق والبلديات وانحاز حزب المواطنين الوسطي مع الحزب الشعبي المحافظ في بعض الأحياء ومع الاشتراكيين في أحياء أخرى. ولذلك فإن النتيجة الأكثر ترجيحًا للانتخابات العامة إما تحالف يمين الوسط بين الحزب الشعبي وحزب المواطنين وإما تحالف يسار الوسط بين الحزب الاشتراكي وحزب البوديموس.
بغض النظر عن ما يتم في تشكيل الحكومة، سوف تضطر الإدارة الجديدة في مدريد لخفض الضرائب وزيادة الإنفاق. فبعد انتخابات شهر مايو، حكم يسار الوسط معظم مناطق الحكم الذاتي الإسبانية حيث يخططون للدعوة لأهداف أكثر ليونة لسد العجز المالي. وعلى الصعيد الوطني، أعلنت الحكومة المحافظة الحالية تخفيض ضريبة الدخل، ووعدت بالمزيد من التخفيضات الضريبية إذا أعيد انتخابها، وزادت من التمويل لمناطق الحكم الذاتي. ومن شأن حكومة تقدمية أن تقترح المزيد من الإجراءات لأن كلًّا من الحزب الاشتراكي وحزب بوديموس انتقدا تدابير التقشف التي أدخلتها حكومة رئيس الوزراء ماريانو راخوي.
سيعطي معدل النمو الاقتصادي الأولي الإسباني الحكومة المركزية مجالًا لإرخاء وتيرة خفض الإنفاق، ولكن بالنظر إلى أن الانتعاش الإسباني لا يزال هشًّا، يمكن أن تتفاعل الأسواق سلبًا إذا رأت مدريد تتخلى عن مسار الإصلاح. فمع مستويات عالية من الدين العام وارتفاع مقدار الديون الخاصة لمستويات خطيرة، تصبح إسبانيا غير متأهبة للخروج من منطقة الخطر بالكامل.
يمكن أن تكون التحالفات السياسية المقبلة هشة أيضًا. فمنذ نهاية الديكتاتورية، سيطر الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي على السياسة الإسبانية. وقد اعتاد الطرفان على تشكيل حكومة بمفردهما أو مع دعم من الأحزاب الصغيرة. لم تعهد إسبانيا تحالفات بين أحزاب متشابهة من حيث الحجم نسبيًّا، وبالتالي فإن تحالفات ما بعد الانتخابات يمكن أن تكون من الصعب الحفاظ عليها، الأمر الذي سوف يكون بشأنه الإضرار بتعافي البلاد إن كافحت الحكومة المقبلة للعثور على توافق في الآراء بشأن القرارات السياسية والاقتصادية.
وأخيرًا، فإن تركيبة الحكومة الإسبانية المقبلة سوف تؤثر أيضًا على العلاقة بين مدريد وكتالونيا. أكبر أربعة أحزاب على المستوى الوطني يعارضون الاستقلال بشكل ما. ولكن من المرجح أن تنتهج حكومة محافظة نهجًا أكثر تشددًا من حكومة تقدمية على المنطقة المتمردة.

 

مرحلة جديدة بالسياسة الإسبانية

 

قلصت الأزمة الأوروبية من الدعم الشعبي للأحزاب التي تتمتع بشعبية كبيرة، ومعظم الأحزاب الجديدة لا تزال غير قوية بما فيه الكفاية لتشكيل الحكومات وحدها، ولكن وصلت السياسة في أوروبا لمرحلة أجبرت هذه الأطراف للاستعداد لدخول الحكومات كجزء من تحالفات.
في حالة إسبانيا، التحالف المحتمل بين أحد الأحزاب التي تتمتع بشعبية وواحد من المتنافسين الجدد يعني أن البلاد لن تحدث تغييرًا جذريًّا في المستقبل القريب. ومع ذلك، فإن المواطنين بإسبانيا سيطالبون الإدارة المقبلة في مدريد بأن تبطئ أو حتى تعكس الإصلاحات التي أدخلتها منذ بداية الأزمة. سيكون التحدي الرئيسي في إسبانيا تشكيل حكومة متماسكة بما يكفي لمعالجة القضايا الداخلية المتعددة في البلاد، بينما تطمئن المسؤولين في الاتحاد الأوروبي والأسواق المالية أن الإصلاحات سوف تستمر.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد