بدأت دولٌ عديدة حول العالم في تخفيف القيود المتعلقة بإنهاء البشر حيواتهم. لكنَّ الأطباء في هولندا بدأوا يشعرون بالقلق تجاه عواقب ذلك الأمر. وفي تقرير مطول نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، تلقي الصحيفة الضوء على الجدال حول القتل الرحيم من الناحية الأخلاقية.

تشير الصحيفة إلى قصة الطبيب الهولندي بيرت كيزر، الذي طُلب منه في العام الماضي الذهاب لمنزل رجل يعاني من سرطان الرئة لينهي حياته. وحين وصل، وجد كيزر 35 شخصًا من عائلة الرجل ملتفين حوله، كانوا يشربون الكحول ويبكون، ولم يدرِ كيزر ما يجب عليه فعله. وبعد بعض الوقت، وقف ونادى عليهم، ولم يُكمل كلامه لكنَّهم فهموا أنَّ الوقت قد حان، وأخرجوا الأطفال الصغار من الغرفة، ثم أعطى كيزر المريض الحقنة التي ستنهي حياته.

«الجارديان»: علاج ثوري.. عيادة بريطانية تعالج الأرق بهذه الطريقة

كيزر هو طبيب في مستشفى تتولى توصيل المرضى الذين يرغبون في إنهاء حياتهم بأطباء مستعدين لفعل ذلك، وخدمت حتى الآن 750 شخصًا في عام 2017. ويرى كيزر أنَّنا نحن البشر طورنا مساحةً نتحرك فيها للموت بينما نتواجد مع أحبائنا، وأنَّ هذا مختلف عن قتل نفسك بعيدًا عن الآخرين، لأنَّهم يتألمون حين يكتشفون انتحارك، لكنَّ القتل الرحيم «شيء مميز» لأنَّه يقطع الصلة بألم أقل.

هذا «الشيء المميز» أصبح عاديًا حسبما توضح الصحيفة، فكل شخص تقريبًا في هولندا يعرف شخصًا مات بتلك الطريقة. والفكرة التي تقول إنَّنا نحن البشر نملك طرقًا متنوعة للموت لنختار بينها هي قطعًا مألوفة في هولندا عن أي مكانٍ آخر.

لكنَّ العواقب طويلة المدى لهذه الفكرة بدأت تزداد وضوحًا بمرور الوقت. فالقتل الرحيم صار قانونيًا في هولندا منذ فترة كافية تسمح بإظهار نتائجه. وربما يكون كيزر، بصفته متخصصًا في إنهاء الحياة بالقتل الرحيم داخل دولة تحمل لواء الإصلاحات التحررية لعقود، شاهدًا على المستقبل الذي ينتظرنا.

عام 2002، شرَّع البرلمان في مدينة لاهاي الهولندية القتل الرحيم للمرضى الذين يعانون «معاناةً لا تحتمل» ولا أمل في تحسنهم. ومنذ ذلك الحين، تتبنى دولٌ مثل بلجيكا وكندا القتل الرحيم والموت بالطلب الذي يساعد فيه شخصٌ ما الآخر في الانتحار. ويتأرجح الرأي العام في دولٍ أخرى مثل بريطانيا وأمريكا ونيوزلندا.

زحف القتل الرحيم لا يتوقف، فوفقًا للصحيفة، قُنن القتل الرحيم في كولومبيا عام 2015، ثم ولاية فكتوريا الأسترالية عام 2017، وربما تكون إسبانيا هي الدولة التالية التي تشرع الموت بمساعدة الطبيب، بينما يعيش مواطنٌ واحد من بين كل ستة مواطنين أمريكيين في ولاياتٍ تُشرِّع القتل الرحيم. وكذلك يمكن للمواطنين الأجانب الحصول على القتل الرحيم في دولةٍ مثل سويسرا، صاحبة أقدم التشريعات في تلك المسألة.

ترى الصحيفة أنَّه لو تابع المجتمع الغربي تقليد نماذجَ مثل هولندا وبلجيكا وكندا، ستكون هناك فرصة كبيرة أن يصبح القتل الرحيم خلال عقود واحدًا من بين خياراتٍ عديدة للموت، بما في ذلك عقاقير إنهاء الحياة التي ستتاح لكل شخص يرى حياته لا تطاق.

طريقة الموت «المتحضرة» هذه بالنسبة للمكافحين القدامى الذين جاهدوا لتقنين الإجهاض وتحديد النسل حقٌ يجب على الدولة تقديمه وتنظيمه. وفي الوقت الذي يدخل فيه هذا الجيل سنواته الأخيرة، أصبحت فكرة أنَّ الحياة ثمينةٌ بغض النظر عن الحالة الطبية للفرد موضع شك بشكلٍ لم يسبق له مثيل.

عواقب لم تكن في الحسبان

اكتشفت هولندا، بصفتها رائدةً في تقنين القتل الرحيم، أنَّه بينما يحل التقنين معضلةً أخلاقيةً، فإنَّه يفتح الباب أمام معضلاتٍ أخرى، أهمها بحسب الصحيفة هي حدود ممارسته.

ففي السنوات الأخيرة، أثارت مجموعة من الأكاديميين والحقوقيين الانتباه إلى ما أسموه «المنحدر الزلق»، ويعنون بهذا أنَّ الفكرة (أي القتل الرحيم)، التي قُدمت في البداية لتخفيف الآلام عن مرضى السرطان المتأخرة حالتهم، توسعت لتشمل آخرين ممن يعانون من الهزال العضلي، وكبار السن المصابين بالعته، وحتى أصحاب المرض العقلي.

Embed from Getty Images

أبرز هؤلاء المتشككين هو ثيو بوير، أستاذ الأخلاقيات الطبية في جامعة كامبين. كان ثيو بين عامي 2005 و2014 عضوًا في المجالس الإقليمية الخمسة (يتكون كل مجلس من محام، وطبيب، ومتخصص في الأخلاقيات) التي وُضعت لمراجعة كل عملية موت رحيم وإحالة المخالفات للمدعين العموميين.

ووفقًا للصحيفة، أشارت إحصائيات حكومية حديثة إلى أنَّ هذه الشكوك حول القتل الرحيم في هولندا تؤثر في استعداد الأطباء لأداء القتل الرحيم. ففي نوفمبر (تشرين الثاني)، كشفت وزارة الصحة أنَّ عدد الحالات في الشهور التسعة الأولى من عام 2018 انخفض إلى 9% مقارنةً بنفس الفترة في عام 2017، وهو أول انهيار في النسبة منذ عام 2006. وبعدها أعلن القضاء محاكمة أول طبيبٍ بسبب سوء تصرفه في إجراء إحدى عمليات القتل الرحيم، ما يدلل أكثر على البيئة القانونية العدائية التي يعيشها الأطباء هناك في ما يتعلق بتلك المسألة.

توضح الصحيفة أنَّه ما زال من المبكر اعتقاد أنَّ القتل الرحيم في هولندا وصل إلى مرحلةٍ خطيرة، أو أنَّ الدول الأخرى التي تسهله حاليًا سوف تتردد في التقنين إذا وجدت أنَّ الممارسة واسعة وبلا حدود. لكنَّها ترى كذلك أنَّه رغم الدفاع اللبق الذي يقدمه كيزر المرحب بالتوسع الجاري في القتل الرحيم، تطلب البرلمانات والأخلاقيون الذين ينظرون في تلك التغييرات القانونية في بلادهم آراء بوير النقدية.

ويفسر بوير للصحيفة قائلًا: «حين أعرض الإحصائيات على أشخاصٍ في البرتغال أو آيسلندا أو أي مكان، أقول لهم: انظروا عن كثب إلى هولندا، لأنَّ هذا هو المكان الذي قد تصبح فيه بلادكم بعد مرور عشرين عامًا».

ويتابع بوير: «عملية تقنين القتل الرحيم بدأت برغبةٍ في التعامل مع الحالات المفجعة، والأشكال المرعبة حقًا من الموت. لكن هناك تغييرات هامة في الطريقة التي يُطبق بها القانون، لقد بدأنا شيئًا اكتشفنا الآن أنَّ له عواقب أكثر مما تصورنا».

المرة الأولى

أجرى بيرت كيزر عملية القتل الرحيم الأولى في حياته عام 1984، حينئذٍ كان إنهاء حياة شخص مريض نزولًا على رغبته أمر غير قانوني، رغم أنَّ الملاحقات القانونية وقتها كانت نادرة. إذ طلب إسكافي يعاني من سرطان الرئة من كيزر أن ينهي مأساته ويقتله، ووجد بيرت نفسه منقسمةً إلى شخصين متنازعين، الطبيب الملتزم بالقانون، والشخص الخير الذي يرغب في إنهاء معاناة الآخرين.

لم يكن الإسكافي يشعر بالألم، لكنَّه كان يعايش الإرهاق المزمن المصاحب للسرطان، ما جعل كيزر يتذكر والدته التي كانت تحتضر أمامه بسبب مرض الكبد حين كان في الحادية عشر من عمره، لذا اختار الشخصية التي ترغب في إنهاء معاناة الآخرين، وحقن مريضه بأربعين ملليجرامًا من الفاليوم لوضعه في غيبوبة، ثم أعطاه دواءً معاديًا للجهاز التنفسي ينهي حياته.

لم يتعرض كيزر لمسائلةٍ قانونية بعد هذا الحادث، ولم تتأثر حياته المهنية كما اعتقد آنذاك، لكنَّ الصحيفة سألته عن السبب الذي دفعه لانتهاك القانون ومبدأ الحفاظ على الحياة الذي شكل أخلاقيات الطب وقتها، فأجابه أنَّ الأمر كان أنانيًا بالكامل، لأنَّه لو كان مكان مريضه، ويرغب في الموت، لم يكن ليرغب في أن يرفض الآخرين طلبه، سواءٌ كان هذا بسبب القانون أو الإنجيل.

وتشير «الجارديان» إلى أنَّ سلطة الإنجيل هُمشت في العقود الأخيرة، وبرر القانون للطبيب الشاب إنهاء حياة مريضه الإسكافي. وبمجرد اعتياد الناس على القانون الجديد، ارتفع عدد الأشخاص الذين اختاروا القتل الرحيم في هولندا بشكل كبير، من ألفي شخص فقط في 2007، إلى 6600 شخص في 2017، وتشير إحصائياتٌ إلى أنَّه في العام نفسه، رُفض عددٌ من الطلبات لا يقل عن العمليات التي جرت بالفعل.

Embed from Getty Images

الخرف

أحد الأسباب التي جعلت القتل الرحيم أكثر شيوعًا بعد 2007 بحسب الصحيفة أنَّ قائمة الحالات التي شملها القانون توسعت، وأصبح مفهوم «المعاناة غير المحتملة» الذي يدور حوله القانون فضفاضًا. لكن في الوقت نفسه، بدأ القلق في الانتشار حتى في النقاش العام الهولندي، ويتمحور هذا القلق حول قضيتين على صلة وثيقة بالقتل الرحيم، وهما: مرض الخرف، واستقلال الذات.

بالنسبة لمرض الخرف، كتب هولنديون كثر وصايا تفيد أنَّه حين تتدهور حالتهم العقلية إلى حد نقطةٍ معينة، مثل أن يعجزوا عن التعرف على عائلاتهم، يجب أن يخضعوا للقتل الرحيم. لكن في يناير (كانون الثاني) الماضي، سببت متخصصة الأخلاقيات الطبية بيرنا فان بارسين ضجةً عارمة بعد استقالتها من إحدى لجان المراجعة، احتجاجًا على ارتفاع عدد حالات القتل الرحيم التي تُجرَى لمرضى الخرف بناءً على توصياتهم السابقة قبل تدهور حالاتهم، معللةً ذلك بأنَّهم أصبحوا غير قادرين على تحديد ما إذا كانوا فعلًا يتعرضون لمعاناةٍ غير محتملة، إذ أنَّهم عاجزون عن التعبير عن ذلك.

وتوضح الصحيفة أنَّ غضب بيرنا ظهر عند حدوث أول حالة سوء تصرف في عملية قتل رحيم، والتي وفقًا لها تخضع الآن لتحقيق المدعي العام. قصة هذه الحالة هي أنَّ المريضة التي تعاني من الخرف طلبت قبل تدهور حالتها أن تُقتل في الوقت المناسب، لكنَّها عند تنفيذ العملية قاومت طبيبها. رغم المقاومة، تابع الطبيب عمليته، وخُدِّرَت المريضة وأُخضعت للحقنة المميتة بمساعدة أسرتها.

كانت حجة الطبيب هي أنَّه يلبي طلب مريضته، لأنَّها بعد تدهور الحالة، لم تعد مؤهلةً للحكم على أي شيء، لكنَّ الصحيفة ترى أنَّه مهما كانت مبرراتها القانونية، فما قامت به لا يغتفر. وتضيف أنَّ المشكلة الأساسية في التوصيات والتوجيهات المسبقة هي أنَّها تعني خضوع شخصٍ غير عاقل إلى رغبة الشخص العاقل الذي كان عليه قبل مرضه، وهو ما يحول الشخص الواحد بالتبعية إلى شخصين متعارضين في الرغبة.

وتتابع بأنَّ العديد من الأطباء تراجعوا عن تنفيذ الوصايا بعد أن تأقلم مرضاهم مع أوضاعهم الجديدة، التي تصوروا سابقًا أنَّها لن تكون محتملة، وعليه امتلأوا بالشك حول إمكانية أي شخص في التنبؤ بما يريده بعد أن تتدهور حالته.

«ذي أتلانتك»: علماء يجرون تجربة علمية تستغرق 500 عام.. هل هذا ممكن؟

استقلال الذات والقرار

القضية الثانية التي ظهرت بينما تُجرى عمليات القتل الرحيم هي قضية اجتماعية، تتجلى في التعارض بين حق الفرد في القرار، وحق المجتمع في حماية الأرواح. وتشير الصحيفة إلى رأي أجنس فان دير هايد، أستاذة العناية الطبية واتخاذ قرار إنهاء الحياة في مستشفى جامعة إيراسموس في مدينة روتردام، التي فسرت هذه المعضلة بأنَّها تقوم على رغبة المريض الذي يقول لطبيبه ببساطة :«لستَ أنت من يقرر موتي».

لا تتوقع أجنس أن يتضاءل هذا الدافع بين الأجيال الجديدة، فالاستقلالية وفقًا لها في طليعة الأفكار التي يعتنقها الشباب. وكذلك تضيف أنَّ الحجج القانونية في لجان القرار ترجح كفتها عن التساؤلات الأخلاقية.

نتيجةً لهذه البيئة الغامضة، لا ترى الصحيفة أية غرابة في انخفاض عدد الحالات الخاضعة للقتل الرحيم. إذ يخشى الأطباء من ناحية أن يلفتوا انتباه المدعي العام في مناطقهم، ومن ناحية أخرى يشعرون بالضجر من الترويج المتزايد لمسألة أنَّهم لا يتعرضون للمساءلة في حالات القتل الرحيم. وكذلك أصبحت مساعدة المرضى العنيدين من طالبي القتل الرحيم على قتل أنفسهم أحد الجوانب الكريهة في عملهم.

وأشارت الصحيفة إلى قصةٍ حكاها بوير عن طبيبٍ اعتاد إجراء ثلاث حالات قتل رحيم كل عام، لكنَّه توقف الآن نتيجة لهذا الموقف كله.

Embed from Getty Images

وفي نوفمبر 2016، غطت صحيفة إقليمية قصة الزوجين مونيكا وبيرت دي جويجير، اللذين خسرا ابنهما إيكلو البالغ من العمر 38 عامًا بعد أن أنهى حياته عن طريق القتل الرحيم. كان موته أحد أبرز الحالات التي كان بطلها شابًا صغيرًا يعاني من مرضٍ عقلي. وقد أنهى إيكلو حياته بعد سنواتٍ من المعاناة مع المرض النفسي، والعلاجات غير الفعالة، وعجز الأطباء عن مساعدته.

رغم أن قتل شاب سليم بدنيًا أمرٌ محير، لكنَّ موت إيكلو لم يسبب الصدمة لسائق أو صائد أسماك كان ربما ليجد جثته في نهاية الأسبوع منتحرًا. إذ جاء موته بعد أفكار ونقاشات كثيرة مع عائلته، ووداع كل شخص يحبه، وفي سلام.

وفسرت الأم للصحيفة موافقتها على ذلك، إذ قالت إن كل شخص يحاول أن يجعل طفله سعيدًا، لكنَّ إيكلو لم يكن كذلك، أراد أن يوقف معاناته، والموت كان سبيله الوحيد.

وتوضح الصحيفة أنَّ القتل الرحيم في شكله المثالي له ثلاث دعائم رئيسية: الفرد، وأسرته، والطبيب. وفي حالة إيكلو كل الدعائم كانت متوفرة ومتاحة، وجرت العملية كلها بتعاطف وحرص واهتمام بمشاعر الجميع، لذا لا عجب أنَّ جمعية القتل الرحيم الهولندية «إن في في إي» تنقل قصته مثالًا على نجاح المبدأ.

اختلاف الأطباء

يعد القتل الرحيم خدمةً صحية أساسية، تغطيها الأقساط الشهرية التي يدفعها كل مواطن شهريًا لشركة التأمين. لكن للأطباء حقًا في رفض تنفيذه، ويرفض الأطباء القيام به لأسبابٍ دينية، أو لأنَّه من بين كل العمليات الطبية الناجحة، لا يمكن تقييم القتل الرحيم مع المريض بعد القيام به، أو لعجزهم عن تقبل فكرة أنَّ عليهم قتل الناس، لأنهم بالأساس امتهنوا الطب لإنقاذ حيوات الآخرين.

ويعترض بعض الأطباء على المبدأ نفسه، لكنَّ نسبتهم وفقًا للكاتب أقل من 8%. والسبب في اختلاف ردود الفعل تجاه طلبات القتل الرحيم هي اختلاف وجهات نظر الأطباء الشخصية حول معنى «المعاناة غير المحتملة».

أحد الفئات التي يرفض الأطباء الهولنديون طلبها للقتل الرحيم بحسب الصحيفة هم مرضى الأمراض العقلية، الذين يمكن تفسير رغبتهم في الموت بكونها عرضًا من أعراض مرضٍ نفسي قابل للعلاج، مثل حالة إيكلو. وقد رفض طبيبان بالفعل حالته إلى أن توجه بالطلب للمستشفى المعروفة بجهودها في توسيع رقعة القتل الرحيم، والتي يعمل بها كيزر. قبلت المستشفى طلبه، وأجرت بعدها العملية نفسها لشاب يعاني من اضطرابٍ نفسي بداية العام الماضي.

إشراك الأهل في قرار القتل الرحيم.. الحسنات والمساوئ

في الماضي، عندما كان القتل الرحيم غير مسموح به قانونًا لكن تتجاوز عنه السلطات، كان الطبيب الذي يُجري العملية مضطرًا لاستشارة أقارب المريض، لكن بسبب القلق من انتهاك حق استقلالية قرار المريض، وانتهاك اتفاق السرية بين المريض والطبيب، وحمايةً للأفراد من أقاربهم غير الأسوياء، أُزيل هذا البند من قانون تشريع القتل الرحيم عام 2002.

Embed from Getty Images

لكنَّ هذا الشرط القانوني كان ليصبح ذا أهمية كبيرة بالنسبة للشاب مارك فيلد، الذي روت الصحيفة قصته. اشتبه مارك في أنَّ والدته تخطط للقتل الرحيم، لكنَّه عجز عن تفسير وجهة نظره التي تفترض أنَّ ألمها لا يمكن تصنيفه معاناةً لا تُطاق. وفي 9 يونيو (حزيران)، اتصل به الطبيب ليخبره بوفاة والدته.

لا تشكك الصحيفة في حجم المعاناة التي تعرضت لها والدة مارك، بدءًا من طفولتها في معسكر الاعتقال الياباني عام 1941، لكنَّ الأطباء في هولندا لا يجيزون القتل الرحيم لمرضى الاكتئاب، لذا من المألوف أن يلجأ الأفراد المكتئبون أو الوحيدون إلى إثبات مرضهم الجسدي للحصول على موافقة على القتل الرحيم.

صادف بوير أثناء عمله في مجالس المراجعة عددًا من الحالات التي تسبق فيها الرغبة في الموت كل شيء حسبما أوضح للصحيفة، وبعض المرضى كانوا مسرورين لأنَّ بإمكانهم طلب القتل الرحيم استنادًا على حالاتهم الصحية، لكنَّ السبب الحقيقي أعمق من ذلك.

تنطبق هذه الحالة على والدة مارك، التي كانت تعاني من مرضٍ رئوي قابل للعلاج لكنَّها فاقمته بامتناعها عن العلاج وتضليل طبيبها. لذا قال مارك للصحيفة إنَّه «للحصول على إذنٍ بإنهاء حياتك عبر القتل الرحيم، عليك أولًا أن تجيد التمثيل». ما يؤلمه أنَّها ماتت بينما كان الأمل في شفائها حاضرًا وموجودًا.

ربما يقول المدافعون عن الحق الفردي في الاختيار إنَّ مارك ليس له دخل في قرار والدته، لكن خلف غضبه يكمن حزنه، لأنَّه لم يستطيع تغيير أي شيء.
وحتى مع كل الضمانات الموضوعة لمنع التلاعب بالمرضى الذين يريدون إنهاء حياتهم، في حالة إشراك الأقارب في عملية اتخاذ القرار لا يمكن القضاء تمامًا على احتمالية التلاعب هذه. وتشير الصحيفة في هذا إلى قصةٍ حدثت عام 2017، شُخص فيها مريضٌ بالخرف، ووقع توصيةً تطلب خضوعه للقتل الرحيم عند تفاقم حالته.

بعد ذلك تداعت حالة المريض، وكذلك قراره، لكنَّ هذا لم يعجب زوجته التي راحت «تبشر» بموته، ورأت الطبيبة بنفسها حسبما أوضحت الضغوط التي تعرض لها المريض على يدها. لهذا رفضت الطبيبة إجراء عملية القتل الرحيم لمريضها لتعرضه للضغط، وبالتأكيد سيتفق معها في هذا العديد من المتخصصين في أخلاقيات الطب. ثم ذهبت في إجازة بعد أن أخذت من مريضها ما يشبه العهد بألا يقوم بالعملية دون علمها، لكن حال عودتها، اكتشفت أنَّ زميلًا لها يؤيد القتل الرحيم صرح لمريضها بإجراء العملية وأجراها بالفعل. ووفقًا للصحيفة، ظلت الطبيبة متأثرة بما حدث، وعقدت العزم على ترك المهنة، لأنَّها شعرت بعجزها عن حماية مرضاها الضعفاء من الأذى المحيط بهم.

اقتلني رجاءً

ربما يكون القتل الرحيم ملهمًا وسمحًا لبعض الناس، لكنَّه في حالاتٍ أخرى يتسبب في الأذى والنزاع. وربما يخلف الانتحار الكثير من الندوب لدى أحباء المنتحر كما يشير كيزر، لكنَّه عملية فردية ذات دوافع ذاتية، أما القتل الرحيم على النقيض من ذلك، فهو نتاج المجتمع ككل، وإن ساءت نتائجه، يتحمله الجميع سواسية حسبما توضح «الجارديان».

وترى الصحيفة أنَّ القانون والثقافة جعلا القتل الرحيم طبيعيًا أكثر من الانتحار، لكنَّه يبقى فعلًا غير مألوفٍ ليتغاضى المجتمع عنه، وعليه، لا تعتقد الصحيفة فقط في ضرورة متابعة الإشكاليات القانونية حول القتل الرحيم، بل أيضًا أن يكون هناك اتفاق بين الأطراف المعنية عن أسباب حدوثه، وغرضه، حتى لا يتحول القتل الرحيم من أداة لتخفيف المعاناة إلى كارثة تحل بحياة الناس وتفككها.
تضيف الصحيفة أنَّه قبل عامين، طرحت وزارة الصحة الهولندية اقتراحًا لنوعٍ من العقاقير تمنح أي شخص يتجاوز سنه سبعين عامًا حق تناولها وقتل نفسه، ما يستبعد الطبيب من العملية. رُفض القانون حينها، لكن هناك توقعات بإعادة طرحه أمام البرلمان.

ورغم أنَّ هذا الاقتراح إذا جرى تنفيذه سيُنحى الأطباء تمامًا من الصورة، لكنَّه لا يغضبهم، لأنَّه وفقًا للأطباء الذين قابلتهم الصحيفة سيعيدهم للتركيز على إنقاذ الحيوات بدلًا من سلبها.

وتختتم الصحيفة بتوضيح أنَّه بينما يشعر المرضى بالسأم من الأطباء الذين يرفضون طلباتهم بإنهاء حياتهم، فإنَّهم غير مستعدين في الحقيقة لقتل أنفسهم بأنفسهم، إذ يطلب 95% من مقدمي الطلبات طبيبًا لتنفيذ الأمر. وهو ما تراه الصحيفة تناقضًا في دولةٍ مثل هولندا بمجتمعها الذي يرفض كل أشكال السلطة، لكنَّه يهرع إلى الطبيب لقتله.

وتعتقد أنَّ الدول التي تفكر في تقنين القتل الرحيم عليها أن تتساءل وتبحث في حدود تمدده، قبل أن تصل لنقطةٍ لا يمكن بعدها تغيير الوضع.

مترجم: الضغط العصبي يأكل دماغك.. حرفيًا!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد