يُقال إن طاقم السفينة «إيفر جيفن» المحتجزة في السويس «يشعر بالراحة ولكنه متخوِّف»، بينما تدور فصول قصة تحذيرية لسفينة أخرى رابضة على بعد 40 كيلومترًا.

كتبت روث مايكلسون، صحافية تحقيقات ومراسلة للصراعات، تحقيقًا نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية عن سفينة إيفر جيفن التي عطلت الملاحة في قناة السويس لأيام في شهر مارس (آذار) والخلافات بين مالك السفينة والشركة المشغِّلة لها وشركة التأمين وهيئة قناة السويس بشأن التعويض الذي تطالب به الهيئة، فيما تتكشف فصول محنة سفينة أخرى متوقِّفة في ميناء الأدبية الواقع على الشاطئ الغربي لخليج السويس منذ عامين ويقيم عليها بحار يعاني الأمَرَّين جرَّاء تجاهل المالك وسلطات القناة لمحنته.

عربي

منذ 4 شهور
«الجارديان»: تداعيات اقتصادية وأمنية.. كيف حدثت أزمة السفينة العالقة في قناة السويس؟

وتستهل الكاتبة تحقيقها بالقول إنه على مدار عامين ظل محمد عائشة المقيم الوحيد على متن سفينة حاويات مهجورة راسية قبالة مصر في خليج السويس. وإذا احتاج الرجل إلى شحن هاتفه أو الحصول على مياه للشرب أو شراء الطعام، فعليه أن يجدِّف إلى الشاطئ، على الرغم من أنه لا يستطيع البقاء في المنطقة إلا لمدة ساعتين على الأكثر لأنها منطقة عسكرية محظورة. ووفقًا لأحد الأطباء الذين فحصوه، بدأت بعض الأعراض تظهر على البحَّار الذي يعاني من سوء التغذية، والتي تشبه الأعراض التي تظهر على السجناء المحتجزين في ظروف سيئة.

ومحمد عائشة هو الحارس القانوني على السفينة إم ڤي أمان (MV Aman) التي تبلغ حمولتها 4 آلاف طن، وظل عالقًا على متنها بينما تجري فصول معركة قانونية مطوَّلة لبيع السفينة ودفع أجور الطاقم على بعد آلاف الأميال. وعلى بعد أقل من 40 كيلومترًا شمالًا، يأمل طاقم السفينة «إيفر جيفن»، الغارقة الآن في صراعاتها القانونية الخاصة، في تجنُّب أي شيء يشبه ذاك المصير. وفى يوم الأحد الماضي، صعد ممثلون من الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF)، وهو اتحاد جامع يمثل البحَّارة، إلى السفينة للاطمئنان على سلامة الطاقم.

الحارس القانوني على السفينة

لفت التحقيق إلى أن إحدى المحاكم المصرية عيَّنت محمد عائشة حارسًا قانونيًّا على السفينة «أمان»، مما يعني أنه ملزم بحراسة السفينة، التي احتُجِزت في خليج السويس بعد شهرين من صعوده إليها في جدة في عام 2017. وبعد سنوات من التأخير في بيع السفينة لا يزال الهيكل المتهالك الضخم لتلك السفينة عالقًا على الشاطئ بالقرب من بلدة الأدبية، حيث جنحت السفينة في ظل سوء الأحوال الجوية في العام الماضي.

وأُعِيد أفراد الطاقم الآخرون إلى أوطانهم في سبتمبر (أيلول) 2019، تاركين إياه وحيدًا على متن سفينة عبارة عن هيكل من الخزائن القذرة وأماكن المعيشة القذرة. وأضاف محمد عائشة أنه: «يعيش في سجن انفرادي».

Embed from Getty Images

ويأمل محمد عائشة أن ينتهي حبسه الغريب في أي يوم الآن بعد أن وافق ممثل لنقابة محلية على أن يتولى مهمته بوصفه وصيًّا على السفينة. وفي كل دقيقة تمر، ينتظر أخبارًا من هيئة الميناء تفيد بأنه جرى التصديق على الترتيب الجديد، مما يسمح له بالنزول والعودة إلى وطنه سوريا.

ومن المدهش أنه من الشائع أن تتقطَّع السبل بالسفن وأطقمها، وأن يُتخلَّى عنها في بعض الأحيان بسبب اختفاء الملاك ونزاعات الأجور ومشاكل الإدارة – وهو أمر واسع الانتشار بما يكفي لكي يدفع منظمة العمل الدولية الى الاحتفاظ بقاعدة بيانات لحالات البحَّارة المنسيين.

وفيما يخص الاتحاد الدولي لعمال النقل وشركائه في الاتحاد الوطني للبحارة في الهند (NUSI)، تتمثل الأولوية في حالة إيفر جيفن في ضمان حماية الطاقم الهندي المكون من 26 شخصًا، فيما تحتدم معركة قانونية بشأن السفينة. وهي الآن ترسو في البحيرة المُرَّة الكبرى بعد إبعادها عن ضفاف قناة السويس قبل أسبوعين.

احتجاز السفينة حتى دفع التعويض

وتشير الكاتبة إلى أن عملية الإنقاذ تحولت من كونها مصدر فخر للمصريين إلى محور معركة قانونية عندما طالبت هيئة قناة السويس (SCA) بتعويض قدره 916 مليون دولار مقابل إغلاق الممر المائي. واحتجزت السلطات المصرية السفينة قائلة إنها ستَحتجِز السفينة إيفر جيفن وطاقمها حتى يُدفع مبلغ التعويض بالكامل. ويبدو أن المعركة بين هيئة قناة السويس ومالك السفينة الياباني، شوي كيسن، بالإضافة إلى الشركة المشغِّلة لسفينة إيفر جيفن، برنارد شولت شيب مانجمنت (BSM)، وشركات التأمين الخاصة بهم على الأرجح ستستمر. وصرح أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، للتلفزيون المصري إن مالكي إيفر جيفن يجادلون بشأن الجانب الأكبر من المبلغ الضخم و«لا يريدون دفع أي شيء».

دولي

منذ 4 شهور
مترجم: كيف تبدو أزمة السفينة الجانحة في قناة السويس من الأقمار الصناعية؟

وقال نادي المملكة المتحدة للحماية والتعويض (P&I Club)، وهو عبارة عن شركة تأمين بحري تمثل مالكي السفينة التي ترفع علم بنما، إن: «هيئة الأوراق المالية والسلع لم تقدم تبريرًا تفصيليًّا لهذه المطالبة الكبيرة للغاية، والتي تتضمن مطالبة بقيمة 300 مليون دولار باعتبارها (علاوة إنقاذ) والمطالبة بقيمة 300 مليون دولار تعويضًا عن (فقدان السمعة)».

وقالت إن الادِّعاء بأن الحادث أضرَّ بسمعة هيئة قناة السويس موضع خلاف. وقال النادي: «إننا نشعر بخيبة أمل إزاء تصريحات هيئة قناة السويس بأن السفينة ستُحتجَز في مصر إلى أن يُدفع التعويض، وأن طاقمها لن يتمكن من مغادرة السفينة خلال هذا الوقت».

البحَّارة لا علاقة لهم بالأزمة الحالية

ولفت التحقيق إلى ما قالته الشركة المشغِّلة للسفينة برنارد شولت شيب مانجمنت، إن الطاقم: «لا يزال في صحة جيدة ومعنويات مرتفعة» وأن «الهدف الأساسي للشركة هو حل سريع لهذه المسألة يسمح للسفينة والطاقم بمغادرة قناة السويس».

Embed from Getty Images

وقال عبد الغني واي سيرانج، رئيس الاتحاد الوطني للبحارة في الهند، الذي يمثل الطاقم، إنهم «يشعرون بالراحة ولكنهم متخوِّفون». وقال إن ما توصَّلت إليه المحكمة المصرية مؤخرًا، والذي أدَّى إلى احتجاز السفينة، لم يكن فيه تعليق على مهنية البحَّارة، لذلك كان يأمل أن يظل البحَّارة بمنأى عن الأزمة التي تدور حولهم.

وقال: «هؤلاء مهنيون لا علاقة لهم بهذا الحادث ولا ينبغي أن يُحتجَزوا رهينة. دع المفاوضات تذهب أينما تريد… لكن لا ينبغي أن ينشأ وضع يكون فيه بحَّارتنا هناك في مصر بمثابة ضحايا أو رهائن. ويجب ألا يشعروا بأي متاعب على الإطلاق من هذا الحادث برمته».

تبديل أفراد طاقم السفينة

وأشار التحقيق إلى أن سيرانج يأمل أن يجرى قريبًا إعادة ثلاثة على الأقل من أفراد الطاقم الذين من المقرر أن تنتهي عقودهم إلى الوطن مقابل إرسال فريق جديد من البحَّارة ليحلوا محلهم. وقال: «لسنا مهتمين بالمفاوضات المالية ونتائجها، اهتمامنا الوحيد ينصب على العنصر البشري، البحَّارة على متن السفينة – نحن بحاجة إلى الاهتمام بصحتهم العقلية ورفاهيتهم».

وقال محمد الرشيدي، وهو منسق في الاتحاد الدولي لعمال النقل، إن وضع البحَّارة نادرًا ما يكون له الأولوية على الرغم من دورهم الأساسي في التجارة العالمية. وقال: «لا يمثل البحَّارة أولوية عندما يكون هناك نزاع».

حالات التخلي عن السفن

وأوضحت الكاتبة أن التخلي عن السفن يحدث رسميًّا عندما يفشل مالكو السفن في تغطية تكاليف عودة البحَّارة إلى الوطن أو دفع أجورهم أو التنصل من مسؤولياتهم بتزويد البحَّارة بالدعم لأكثر من شهرين.

وبحسب المنظمة البحرية الدولية (IMO)، كان هناك ما لا يقل عن 31 حالة تخَلٍ عن السفن بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2020، تخص 470 بحَّارًا. وسجلت المنظمة البحرية الدولية 438 حالة تؤثر في 5.767 بحَّارًا منذ عام 2004.

حتى حالة محمد عائشة الطويلة الأمد ليست فريدة من نوعها في خليج السويس: جرى التخلي عن القبطان التركي وهبي كارا على متن السفينة كينان ميتي (Kenan Mete) في يونيو (حزيران) من العام الماضي، وتُرِك على متن سفينة موبوءة بالفئران من دون طعام أو ماء.

حقوق البحَّارة ليست أولوية

قال الرشيدي من الاتحاد الدولي لعمال النقل: «دائمًا ما تكون المشكلات كبيرة عندما يتعلق الأمر بالشحن، حيث إنه صناعة عالمية تؤثر في حياتنا تأثيرًا مباشرًا أكثر مما نعتقد. وكل شيء معولم، ولكن عندما يتعلق الأمر بالبحَّارة وحقوقهم، هناك تردد في عولمة هذه الحقوق هي الأخرى».

Embed from Getty Images

وفي خليج السويس، ينتظر محمد عائشة حريته. ويقول: «على متن السفينة، لا يوجد روتين. أحيانًا أتجول جيئة وذهابًا. وأحاول أن أفعل كل ما بوسعي لإلهاء نفسي عن هذا الكابوس».

ويمكن أن تستغرق المهام الأساسية مثل غسل الملابس أو استخدام الحمام نصف يوم بسبب نقص الكهرباء والمياه العذبة. وعليه أن يسحب دلاء من مياه البحر. ويقول محمد عائشة إنه يشعر أن مالك السفينة وسلطات الميناء والحكومة البحرينية، التي سُجِّلت السفينة «أمان» تحت عَلَمها، قد ألقوه في يَمِّ النسيان.

واختتمت المراسلة تحقيقها بقول محمد عائشة: «كان المالك يعرف ما كنتُ أمُرُّ به. ولكن ليس لديهم أي ذرة من المسؤولية الأخلاقية أو الأخلاق. كل ما يهمهم أن السفينة لم تعد تحقق لهم ربحًا بعد الآن، لكن الأشخاص الموجودين فيها لا يمثلون مشكلة لهم. وقد يموت هؤلاء الأشخاص موتًا بطيئًا ومؤلمًا ولا يهتم المالك بأمرهم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد