على مرِّ العصور، يكتشف الأطباء طرقًا مختلفة للتعامل مع الأمراض، وتُحذَف أدوية ومُكوِّناتٍ بعينها من الأوراق البحثية بعد اكتشاف عدم صلاحيتها، أو إمكانية تطويرها للعمل بكفاءة أعلى. لكن هذا التطوُّر لا يقتصر فقط على الأمراض الجسدية؛ إذ يتجه بعض الأطباء في الوقت الحالي إلى تبني نظرياتٍ مختلفة عن الأمراض النفسية، مثل الاكتئاب والقلق وغيرها. من بين هؤلاء، الطبيب الأمريكي راندولف نيس، الذي تعرض مجلة «ذا إيكونوميست» رأيه في دور عملية التطوُّر في المرض النفسي.

«مجال تخصصك (الطب النفسي) كله مشوش، أنت تعرف ذلك، أليس كذلك؟». كانت تلك كلمات قالتها لي مريضة تعاني من تقلبات مستمرة في المعدة. فقدت اهتمامها بكلِّ شيء، كانت قلقةً، وحساسةً، وتشعر بغثيان، وتكافح من أجل النوم. قال طبيب عائلتها إن هذا «قلق». وسألها طبيبٌ نفسي عن مشاعرها الجنسية في الطفولة تجاه والدها، وعرض عليها آخر تناول العقاقير لإصلاح ما قال إنه كان خللًا كيميائيًا في عقلها.

بكلِّ ارتباكها ويأسها، وجدت المريضة طريقها لطبيبٍ آخر، يعمل أستاذًا مساعدًا في الطب النفسي. ووفقًا للمجلة، أخبرها الطبيب أن القلق يمكن أن يكون مفيدًا، لكن معظم الناس تختبره بدرجةٍ أكبر من احتياجهم له، والقلق في حالة كثرته يجعلك تعيسًا، وقلته أيضًا قد تميتك. عَلَقت المريضة في دائرة من القلق، واليقظة الزائدة، والمزيد من القلق. ساعدها العلاج السلوكي المعرفي الذي يُعلِّم الناس كسر أنماط التفكير التي تستنزف الأشخاص. تحسَّن مزاجها، وعرفت بعض الحقائق عن مهنة الطب النفسي.

التطور وعلم النفس

تشير المجلة إلى أن الطبيب راندولف نيس، الذي يعمل الآن في جامعة ولاية أريزونا، تناول هذا الصراع في كتابه «Good Reasons for Bad Feelings» أو «أسبابٌ وجيهة لمشاعر سيئة»، ليوضح لماذا قضى حياته المهنية يدرس الجذور التطوُّرية للمرض النفسي. رغم أن الأطباء الذين يعالجون الأمراض الجسدية لا يشيرون عادةً إلى التطور، فنظرياتهم عن الجسد مبنية على حقيقة أن البشر، ومسببات الأمراض التي تصيبهم، هم نتاج دهورٍ من الانتقاء الطبيعي. وتُحدَّد الاضطرابات من خلال المقارنة بالأداء الطبيعي، وتُفهَم الأعراض مثل الطفح الجلدي والحرارة والألم على أنها عواقب للمرض أو دفاع ضده، لكنها ليست المرض نفسه. ومعالجة مرض مثل السكري، الذي يتضمَّن أعطالًا مُعقَّدة في النظام الحيوي، يعني معرفة الطريقة التي يُفتَرَض أن يعمل بها هذا النظام، وما الوظيفة التي تطوَّر ليؤديها.

Embed from Getty Images

ترى المجلة أن اختصاصيي الصحة النفسية ربما تنقصهم هذه الأسس الراسخة، إذ لا يدرسون عمومًا مشاعر المرء عندما يكون بحالة جيدة أو ينظرون في هدف وجود هذه المشاعر. والدليل على ذلك، بحسب المجلة، هو أن المشاعر الطبيعية تحتل نصف صفحة تقريبًا فقط في أشهر كتاب دراسي في الولايات المتحدة الأمريكية عن المرض النفسي، والذي يبلغ عدد صفحاته 4 آلاف و500 صفحة. والأكثر من ذلك أنه  حين يتعلَّق الأمر بالتشخيص يفشل الكتاب يفشل في ذكر الأسباب الكامنة وراء تشخيص مرض ما.

عالم مختلف كليًا

وتبرهن المجلة على ذلك بالإشارة إلى أن النسخة الحالية من كتاب «Diagnostic and Statistical Manual for Mental Disorders» أو «الدليل التشخيصي والإحصائي في الاضطرابات العقلية» الأمريكي (الطبعة الخامسة المُنقَّحة) يُعرِّف مئات الاضطرابات بأعراضها الظاهرة فقط. الاكتئاب على سبيل المثال يعني وفقًا للكتاب اختبار خمسة أعراض على الأقل من ثمانية أعراض يُعرَّف بها الاكتئاب، لمدة لا تقل عن أسبوعين.

وتتضمَّن الأعراض فقدان المتعة في الحياة، وفقدان الشهية، والشعور بعدم الاستحقاق. والنقطة هي أن هذا التشخيص سيتطابق مع ما تشعر به إذا فقدت أحد أحبائك، أو انفصلت، أو خسرت وظيفتك، أي أن اختبار هذه المشاعر لا يعني بالضرورة أنك مصابٌ بالاكتئاب.

أما في تعريف الطبيب نيس، «فزيادة القدرة على التعامل مع التحديات التكيفية» هي ضمن المشاعر الطبيعية. وتُختبر هذه المشاعر على أنها إيجابية أو سلبية فقط بسبب الموقف الذي تكون فيه، والذي يتضمن إما فرصًا للياقة التطورية أو تهديدات تؤثر عليها.

وبناءً على ذلك، فقد يكون الشعور السلبي مفيدًا على صعيد عملية التطور بقدر الألم الجسدي. على سبيل المثال، مزاج مريض الاكتئاب المتدهور قد ينتج عن وعيه بأن مشروع ضخم في حياته يفشل. يسبب ذلك شعورًا سيئًا، لكنه منطقي في إطار التطور. فالناس الذين لا يعانون أثناء سعيهم لتحقيق أهداف غير قابلة للتحقيق قد يضيعون طاقتهم في محاولة بلا فائدة، ما يهدد فرصتهم في التناسل.

دفع هذا المنطلق نيس لسؤال مرضاه المكتئبين: هل هناك شيء مهم تحاول تحقيقه وتفشل، لكن لا يمكنك الاستسلام؟

Embed from Getty Images

وتقول المجلة: إن التطور أعد الناس لعالم مختلف كليًا عن العالم الذي يسكنونه الآن، مضيفة أن الناس بدناء لأن شهيتهم تكيفت لتلائم الندرة، لا الوفرة. وبالمنطق نفسه، قد تكون بعض الأمراض العقلية نتيجة الحاجة إلى التعامل مع مواقف لا يكون الأشخاص مجهزين لها. والبعض الآخر آثار جانبية لاختيار رغبات لا يمكن تحقيقها.

وبحسب المجلة فقد عقد نيس مقارنة بين البشر وخيول السباق التي يجري تربيتها بهدف السرعة، والنتائج المؤسفة التي يتعرضون لها نتيجة ذلك لأن عظام القائمة عندهم هشة. إذ يقول إن بين كل ألف حصان يبدأ السبق، يكسر واحد ساقه ويتعرض للوقف. ربما لأن لديه عظامًا أضعف قليلًا من البقية، أو لأنه ببساطة غير محظوظ وتعثر. ووفقًا لنيس، ربما يملك البشر «عقولًا مثل أرجل الحصان، سريعة لكنها عرضة لأعطال كارثية».

حداثة لا تؤتي ثمارها

ي ما يتعلق بفحص الجسد، تشير المجلة إلى أن الأطباء يرجعون للقرن التاسع عشر، الوقت الذي كانت فيه النظريات بلا أساس (مثل أن العدوى سببها التلوث أو نوع من الهواء الفاسد)، والعلاجات غالبًا ضارة (مثل إخراج مقدار من الدم وتليين البطن وخلافه). أما في فحص العقل، فالنهج المُتبع يعتمد أكثر على الحداثة، وفقًا لدراسة آن هارينغتون لتاريخ علم النفس.

عام 1949، حاز على جائزة نوبل عالم برتغالي ابتكر جراحة فصية، وهي عملية جراحية تهدف إلى قطع «أعصاب المسؤولة عن القلق» في العقل. وفي 1952، حفزت التقنية طبيبًا أمريكيًا لإطلاق «جراحة معول الثلج»، وهي رحلة استمرت 12 يومًا، قيد الطبيب فيها 228 مريضًا وخدرهم ثم دس هو أو مساعده سلاحًا على شكل معول ثلج تحت جفون العين، وداخل المخ، ولفه.

بديهيًا ربما تتصور أن هذه العملية لم يجب أن تحدث لبشاعتها، لكن المفاجأة هي أن الرحمة بالمرضى لم توقف هذه الممارسة، بل أنهاها وفقًا لمجلة «ذا إيكونوميست» ظهور كلوربرومازين، وهو عقار يسبب تهدئة العقل؛ ما جعله يُلقب باسم «الجراحة الفصية الكيميائية». بعدها بدأ عصر الإقبال على العقاقير لعلاج الأمراض العقلية.

Embed from Getty Images

بنهاية الخمسينات احتوت كل وصفة طبيعة من بين ثلاثة على مادة الميبروبامات المثبطة للقلق. وبحلول 1990 تلقى مليون مواطن أمريكي وصفة طبية بتناول البروزاك شهريًا. ونشرت شركات الأدوية فكرة أن القلق والاكتئاب يسببهم خلل كيميائي في المخ، قائلة: «صحح هذا الخلل لتصير أفضل، بل أفضل حتى من المعتاد».

لطالما فحص الأطباء النفسيين مشاعر مرضاهم المكبوتة وذكرياتهم من منطلق فرويد. لكن بعد الثمانينات، أطلق الأطباء عالمًا بعد فرويد، تُرجع فيه الأمراض العقلية إلى كيمياء المخ وتشريحه العصبي. وتوقعوا اكتشاف الجينات المسببة للمرض العقلي والعقاقير التي يوصي بها لعلاجها.

لكن، بحسب المجلة، لم تحدث قط هذه الثورة باكتشافاتها المتوقعة. بدلًا من ذلك، تتراجع شركات الأدوية، كذلك تُظهر قواعد الاختبار الأكثر صارمة أن قليلًا من هذه الأدوية يؤتي أكله. كما أن الأدلة التي تربط المرض العقلي بعيوب في كيمياء المخ أو بنيته، أو جينات محددة  ضعيفة. وتتعرض القائمة المرجعية المستخدمة في التشخيص في «الدليل التشخيصي والإحصائي في الاضطرابات العقلية» (النسخة الخامسة) للهجوم. وفي رأي الصحيفة، قد ينتهي التاريخ الذي درسته هارينغتون بالأزمة الحالية في مجال الطب النفسي، ولو كان نيس محقًا، ربما يقدم التفكير من الناحية التطورية اتجاه جديد مثمر في العلاج النفسي.

مصحات أقرب إلى سجون.. «التاريخ الأسود» لأمريكا في معاملة المرضى النفسيين

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد