يسلِّط الكاتب ومؤلف كتاب «القرد الذي فهم الكون» ستيف ستيوارت ويليامز، الضوء على بعضٍ من أكثر أمثلة التكيف في نظرية التطور إدهاشًا في عالم الأحياء، وذلك في مقاله المنشور ضمن مجلة «Nautilus» العلميَّة، موضِّحًا أن علم السلوك الحيواني هو طريقنا الأهم لفهمِ جيراننا على الكوكب.

السلوك يتطور

يقول الكاتب إن الدرس الأول في علوم السلوك الحيواني يتمثل في الآتي: لا يُنتج الاصطفاء الطبيعي التكيُّفات التشريحية فحسب – أشياء من قبيل العيون والأجنحة والأسنان والمخالب – بل أيضًا التكيُّفات السلوكية. بصياغة أخرى، السلوك أيضًا يخضع للتطور. وبتعبيرٍ أدق: تتطور الدوافع والدوائر العصبية التي يرتكز عليها السلوك. وكما هو حال العيون والمخالب، تأتي هذه التكيُّفات بصورة مصممة خصيصًا لتمرير الجينات التي تُوجدها من الأساس.

يبدأ الكاتب بذكر مثالٍ بسيط، لنضع في عين الاعتبار أنثى العنكبوت الصغيرة المجتهدة وشبكتها التي تنسجها بدأبٍ وعناية فائقتين. حُدِّد التسلسل الدقيق للحركات الجسدية اللازمة لبناء هذه الشبكة المعقدة عبر الاصطفاء الطبيعي، تمامًا كما هو الأمر مع أرجلها الثمانية، وعيونها المتعددة، وهيكلها الخارجيِّ. (الشبكة نفسها مصمَّمة أيضًا عبر الاصطفاء الطبيعي).

من المحتمل أنه ليس لدى أنثى العنكبوت صورة ذهنية للشبكة مكتملةً في دماغها الصغير ذاك، ليس الأمر مشابهًا للطريقة التي يعمل بها المهندس أو المعماريّ البشري. ومع ذلك، من المدهش كيف يهندس الاصطفاء الطبيعي تلك الغرائز ذات النمط المعقد، ومن المدهش كيف يمكنه أن يضغط على الكثير من التعقيدات السلوكيَّة في مثل هذا الدماغ الصغير. يدعوك الكاتب لتتخيل مدى صعوبة بناء روبوت بحجم العنكبوت نفسه وبالتعقيد السلوكيِّ الهندسي المنشود.

الاصطفاء الطبيعي مهندسٌ موهوب

تكثر الأمثلة على هذا الأمر، إذ يبني الاصطفاء الطبيعي روتينيًّا «آلاتٍ» ما يزال المهندسون البشريون يكافحون لمجاراتها. يذكر الكاتب مثالًا آخر في هذا المجال: الهياكل العصبية التي تدعم ثبات الرأس المذهل لدى الصقر في هذا الفيديو:

يشبه مبدأ ثبات الرأس في عالم الحيوان، وخاصة لدى الطيور – ثبات الرأس في موضعٍ محدد له – وظيفة مماثلة لمبدأ تثبيت الصورة في الكاميرات، كلاهما يسعيان للحفاظ على رؤية ثابتة بالرغم من استمراريَّة الحركة. أما عن العائد التطوري الأهمِّ بالنسبة للحيوان الذي يتمتع بهذه الخاصية التطورية فيتمثَّل بحصوله بأفضليةٍ وتركيز أقوى على فريسته، وبالتالي تعلو احتمالات حصوله على طريدته.

التطور: سباق تسلُّح

يعد الصيد تكيفًا حاسمًا في قائمة المهام الرئيسية بالنسبة للعديد من الحيوانات، وقد بنى الاصطفاء الطبيعي تعديلات تكيفيَّة متنوعة لتيسير نجاحه. لكن وبمجرد أن يوجد في الطبيعة صائدون مفترسون، ستوجد الطرائد أو الفرائس، وبما أن الأخيرين يريدون بدورهم تجنب الوصول لمعدةِ المفترس، فإنهم يطوِّرون تكيُّفاتهم الخاصة أيضًا. هكذا إذن، يخلق الصيَّادون ضغطًا اصطفائيًّا طبيعيًّا على الفرائس للتكيُّف بطريقةٍ تجنِّبها المفترسات، وهو ما يعود بدوره ليزيد من ضغط الاصطفاء على الحيوانات المفترسة لتطوِّر قدرات صيدٍ أكثر فعالية، والتي ستعود لتضخِّم ضغط الاصطفاء على الفريسة، وهكذا دواليك. والنتيجة النهائية تتمثل بتطوير كلٍّ من المفترس والفريسة تكيُّفات أبلغ تعقيدًا وتنوعًا، مع الحفاظ على إبقاء التنافس دون أي يحصل أحد الطرفين على ميزة ترجيحيَّة شاملة. يسمي علماء الأحياء هذه العملية بسباق التسلُّح التطوري، وهو حافز مهمٌّ للغاية لدفع التغير التطوري.

يظهر في الفيديو أدناه ثمار سباق التسلح التطوري بوضوح، فالمنتج الأول للاصطفاء الطبيعي هنا (الفريسة: الجرذ الكنغري) يفلتُ بحيويَّة مذهلة من المنتج الثاني للاصطفاء الطبيعي (المفترس: الأفعى المجلجلة).

التظاهر بالموت

قد ترتبط الثعابين بمخيِّلة الناس بصورة الكائنات المفترسة الشرسة، لكنها في الحقيقة قد تكون ضمن الفرائس. تجد الثعابين نفسها في الموقعين بالقدر نفسه؛ إذ لديها أعداء مفترسة وضحايا في الطبيعة، وقد لجأت أيضًا – مثل العديد من الحيوانات الأخرى – إلى تطويرِ مجموعة من التكيُّفات السلوكية المصممة لإفشال محاولات المفترِسات المحتملة. يُرفق الكاتب مثالًا مميزًا لأحد أنواع ثعابين الماء الصغيرة وكيف تتظاهر بالموت لحظة تشعر بالتهديد بسبب مدِّ أحدهم إصبعه نحوها.

السلوك التعاوني

رأينا في الأمثلة السابقة الجرذ الكنغريَّ والحيوانات الأخرى وهي تعمل بمفردها ضد قوى الطبيعة المعادية، ولكن هناك بالمقابل عددًا هائلًا من الأمثلة للحيوانات التي تعمل معًا من أجل محاربة الحيوانات المفترسة أو الفرار منها، وكذلك لصدِّ أنواع المخاطر الأخرى. ومن الملفت للنظر أن الأمثلة الأكثر إدهاشًا توجد لدى الحيوانات ذات الأدمغة صغيرة الحجم مثل الحشرات، وليس لدى الحيوانات ذات الأدمغة الضخمة والمميزة مثل الثدييات.

ويبرز على ذلك مثال في مقطع الفيديو المرفق، ويظهر فيه مئات من النحل يقومون بعرضٍ جماعيٍّ معقد بهدف التهديد. يلجأ النحل لهذا السلوك الذي يجعله يبدو وكأنه يتلألأ بصورةٍ جماعية، مثل عرض الأمواج الذي تقدمه الجماهير على المدرجات الرياضية، وهو عرض مصمم خصيصًا لتخويف الدبابير والحيوانات المفترسة الأخرى التي قد تكون تهدِّد النحل.

للتطور جانب لعوب

ينتقل الكاتب من التكيُّفات التي تعتنقها الحيوانات من أجل البقاء والحماية، إلى التكيُّفات الأخرى، والتي تنتشر في صفوف الأنواع الحيَّة بمختلفها. لا يتعلَّق الاصطفاء الطبيعي بالبقاء والنجاة من المفترسات فقط، فحتى لو بقي الكائن الحيُّ حيًّا لألف سنة لن يفيد ذلك في مسألة نقل جيناته إلا حين ينشطُ ويجد لنفسِه طريقةً في الحصول على ذريَّة، عدا ذلك ستموت تجميعة جيناته معه مختفيةً من المستودع الوراثي وكأنها لم تعش أكثر من يومٍ واحد –على حدِّ تعبير الكاتب – بالتالي، إذا أردت لجيناتك أن تستمرَّ عليك أن تكوِّن ذريَّة لك، وهذا يعني إيجاد شريكٍ ضمن الأنواع التي تتكاثر جنسيًّا.

يقودنا هذا إلى فرعٍ مهم من الاصطفاء الطبيعي، وهو الاصطفاء أو الانتقاء الجنسي. يعمل مبدأ الانتقاء الجنسيِّ على فكرة اختيار السمات التي تزيد من فرص النجاح التناسليِّ للفرد، وبالتالي يعني هذا أحيانًا اختيار السمات التي تساعد الكائن في الحصول على أفضل ما يمكن التنافس به أمام نظرائه من الجنس نفسه (يذكر الكاتب هنا مثالًا قرون الغزال الذكر، إذ تتقاتل ذكور هذا النوع بغية الوصول إلى الإناث). ويعني الانتقاء الجنسيُّ أيضًا اختيار السمات التي تساعد أصحابها على جذب انتباه الشركاء الجنسيين المحتملين.

أبرز مثال كلاسيكيٍّ على مبدأ تطور الانتقاء الجنسيِّ في الطبيعة هو ذيل الطاووس البهيُّ. لا يمكن اعتبار ذيل الطاووس عمليًّا أو مفيدًا في مجال الحماية من المفترسات (بل قد يؤدي الوظيفة العكسية هنا)، ولكنه موجود لجذب الانتباه والاهتمام الجنسيِّ لأيِّ أنثى عابرة. إذا كان ارتباط ذيل الطاووس بالانتقاء الجنسيِّ مكرر وقديم جدًّا بالنسبة لك، فانظر إلى هذا الفيديو لتتذكر كم هو أمرٌ مذهل وغريب:

عالمٌ من العجائب

مثال الطاووس ليس إلا غيضًا من فيض في مجال الانتقاء الجنسي في الطبيعة، وإذ تتجول بين أنواع الكائنات الحيَّة تجد أمورًا شديدة الغرابة والتنوع. تدخَّل الانتقاء الجنسيُّ في مجموعة واسعة للغاية من الأنواع الحيَّة، ليحوِّل الذكور – أو الإناث في بعض الأحيان – إلى عروضٍ جنسيَّة حية مجهزة بأعرافٍ أو ذيول زخرفيَّة فاتنة ورقصات مجنونة، أو غير ذلك من آلاف الإضافات الزاهية ذات الوظيفة المحددة. إذا لم يكن يخطر في بالك الآن أمثلة كثيرة استعد لرؤية هذا المخلوق الغريب إذن، وهو أحد أفراد طيور المظلات بإضافةٍ مميزة لا تخطئها العين:

لهذه الإضافة المتدليَّة من صدره وظيفة مهمة: العرض الجنسي، وهي تكافئ ذيل الطاووس بالنسبة لطيور المظلات هذه.

مقايضات تطورية

ليست التكيُّفات التي يرسمها التطور مثالية دومًا، فهي تحاول أن تصل إلى المعدَّل الملائم أو الأقل سوءًا ما بين المنفعة والتكلفة المتاحة أمام الكائن الحي في ذلك الوقت. بتعبيرٍ أدق، يفضِّل الاصطفاء الطبيعي الخيارات الأقل سوءًا ما بين الخيارات المتاحة للوصول لتوازنٍ ما بين الفوائد والسلبيات، وذلك في حدود المستطاع. وبالتالي، بالمتوسط فاقت فوائد وجود الذيل الملوَّن المثير – أو قتال المنافسين من الجنس نفسه، أو غير ذلك من السمات- التكلفة التي تجرَّها هذه السمة على حياة الكائن الحيِّ عبر الأجيال، ولولا ذلك لم تكن هذه السمات لتتطور وتبقى في النوع. ينوِّه الكاتب بأن هذا لا يعني أن الفوائد المكتسبة من سمةٍ ما ستفوق تكلفتها بالنسبة لكل فرد أو بالنسبة لكل حالة، بل بالنسبة لمتوسط المجموع فحسب. والتالي مثال لحالةٍ فاق فيها الاصطفاء الطبيعي المخصَّص للبقاء على الانتقاء الجنسيِّ:

رعاية الوالدين

التزاوج أمرٌ حاسم في عملية التطور، وهو مجرد البداية بالنسبة للعديد من الأنواع. ينبِّه الكاتب تحديدًا إلى الثدييات والطيور؛ إذ لا يستطيع الصغار البقاء بمفردهم في هذه الأنواع. يحتاج الصغار إلى عائلةٍ أو حاضنة ترعاهم حتى يكبروا ويصبحوا قادرين معتمدين على البقاء بأنفسهم. ونتيجة لذلك، وجد سلوك رعاية الوالدين طريقه إلى هذه الأنواع عبر الاصطفاء الطبيعي.

في الفيديو التالي مثالٌ واضح على ذلك، إذ ترفض الطائر الأمُّ التخلِّي عن بيضها رغم التهديد المخيف الذي يواجهها:

كيف يمكن لكائنٍ حي أن يخاطر بحياته بهذا الشكل؟ وكيف يتوافق هذا مع مبدأ حماية النفس التطوُّري؟ الجواب يكمن في قيمة الجينات التي قد توجد في نسلها. يصيغ الكاتب الأمر بهذه الطريقة: الجينات الموجودة في الأمِّ تعتني بنسخها من الجينات الموجودة في الأجسام الأخرى (الذريَّة). بالطبع، لا تفكِّر الطائر الأمُّ في الحفاظ على جيناتها في هذه اللحظة، هي تحمي صغارها فقط لأنها تريد ذلك. ولكن لماذا لديها هذا الدافع أساسًا؟ من وجهة نظر تطورية، الطيور الأم التي لم ترغب في حماية صغارها في الماضي لديها عدد أقل من الذريَّة الناجية، مقارنةً بالأمهات التي حمت صغارها، وبالتالي أصبحت الرغبة في حماية الصغار أكثر شيوعًا مع كل جيلٍ يمرُّ.

ينبِّه الكاتب لأن هناك حالات مختلفة، في بعض الأحيان تضطر أمهات الطيور للتخلِّي عن الحماية؛ وذلك من أجل البقاء وإنجاب المزيد من الذريَّة لاحقًا. لكن في الواقع، تحمي هذه الأمهات صغارها في معظم الأوقات، ويقبع وراء الآليات النفسية التي تقرِّر ميل الأمِّ لحماية أطفالها أم لا التكيُّفات السلوكية المصممة عبر أعمارٍ وأعمارٍ من الاصطفاء الطبيعي.

ليس فقط الأمهات

في معظم الأنواع المستندة إلى مبدأ اعتناء الوالدين بالصغار، تكون الإناث هي الوالد الذي يقوم بأغلب العناية والرعاية. لكن كما هو الحال مع كل شيء تقريبًا في علم الأحياء، غالبًا ما يوجد العديد من الاستثناءات لكل قاعدة. يتكفَّل الذكور بالرعاية الأبوية في بعض الأنواع، وفي أنواعٍ أخرى يتعاون كل من الجنسين في رعاية نسلهما (يشير الكاتب إلى أن البشر يصنَّفون ضمن النوع الأخير). في الفيديو أدناه مثال صغير لأبٍ ذكر من نوع غوريللا ذات الظهر الفضي يقوم بحصِّته من الواجبات الأبوية عبر تقديم الحماية لعائلته بينما تعبر الطريق.

إيثارٌ يتجاوز العائلة

تبرز العناية الأبويِّة مثالًا متكررًا على مبدأ رعاية الأقارب الجينيَّة في عالم الأحياء؛ إذ يفوق الاهتمام والحماية بالأقارب الجينيين، مقارنةً بالأفراد غير ذوي الصلة. ليس هذا الأمر محصورًا بمملكة الحيوان أو الكائنات ذوات الأدمغة المعقدة، بل يظهر حتى في النباتات والبكتيريا، وحتى الفيروسات. ومع ذلك، فإن الإيثار في عالم الأحياء لا يتوقف دائمًا عند حدود الأسرة. في بعض الأنواع – والبشر جديرون بالذكر هنا – غالبًا ما يتعاون الأفراد أيضًا مع غير الأقارب ويساعدونهم. في بعض الأحيان، يمتد لطفنا وتعاوننا إلى أبعد من ذلك، يمتدُّ إلى الأنواع غير البشرية حتى. ولذلك، يختار الكاتب أن يورد المثال أدناه تحديدًا، والذي يذكِّره باقتباسه المفضَّل من تشارلز داروين: «إن حبَّ جميع المخلوقات الحية هو أنبل سمات الإنسان».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد