على الرغم من أن علم الأعصاب قد أظهر أن الإنسان يستخدم كلا الجانبين من الدماغ عند القيام بأي مهمة، إلا أن ثمة اعتقادًا سائدًا لدى الكثيرين بأن العلماء ينقصهم الإبداع عن أقرانهم من البشر، وأنهم يستخدمون الجانب الأيسر من أدمغتهم، في حين يتسم الفنانون بالإبداع مع انخفاض في مستوى الذكاء التقليدي عن أقرانهم، حيث يستخدمون الجانب الأيمن من أدمغتهم. وهي المقابلة الشهيرة الخاصة بالتفكير المنطقي في مقابلة التفكير الإبداعي.

يحاول ديفيد بيرسون في موقع ذا كونفرسيشن تبيان طريقة عمل الدماغ بالضبط، وهو أمر في غاية التعقيد، فرغم أن هناك أنماطًا معينة لأنشطة الدماغ قد ارتبطت بالتفكير الإبداعي أو المنطقي، لكن ذلك لا يفسر سبب تفوق الإنسان في مجال ما. ولكن يبقى السؤال المهم هو: هل هناك دليل يدعم تلك المقابلة الخاصة بالتفكير المنطقي والتفكير الإبداعي؟

ويشر الكاتب إلى أن البحوث الخاصة بعلم النفس قد بينت نوعين من التفكير: التفكير المتقارب، والتفكير المتباعد. يركز التفكير المتقارب على التحليل المنطقي والاستنباطي، كالذي يجري قياسه باختبارات مستوى الذكاء. إلا أن التفكير المتباعد يركز أكثر على التدفق الحر للأفكار، فهو يحتاج إلى إيجاد عدة حلول لمشكلة ما، مثال على ذلك هو التفكير في استخدامات مبتكرة لمواد عادية.

يشير التقرير إلى أن الأشخاص الذين يستخدمون التفكير المتقارب كانوا على الأرجح بارعين في المواد العلمية في المدرسة، بينما أظهر الأشخاص الذين يستخدمون التفكير المتباعد ميلًا أكبر نحو الفنون والعلوم الإنسانية، وذلك حسبما أظهرته دراسات أجريت في منتصف القرن الماضي.

إلا أنه قد تبين لاحقًا أن النمطين لا يتعارضان. فقد وجدت دراسة أجريت على طلاب السنة الأخيرة في مادتي الفنون والعلوم في المملكة المتحدة، أنه لا فرق في القدرات بين طلاب المادتين على مستوى مقاييس التفكير المتباعد، والتفكير المتقارب. وأكدت دراسة أخرى أنه لا فرق جوهري من ناحية مقاييس التفكير المتباعد بين طلاب الفنون، والعلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية.

السير مع التيار

أظهرت البحوث قدرًا معتبرًا من التقاطع في المعرفة الداعمة لنوعي الإبداع العلمي والفني. وقد جرى وصف حالة الإدراك التي يكون فيها الإنسان مستغرقًا بشكل كامل على نشاط ما «بالتدفق العقلي»، وقد ارتبط ذلك بارتفاع مستوى الأداء في العديد من المجالات الفنية والإبداعية.

يقول الكاتب إن البحوث قد أظهرت أن مستوى الإبداع قد ارتفع مع تحسن الحالة المزاجية، وأن من يستخدمون التدفق العقلي يصنفون عملهم على أنه إبداعي. لا يتقيد التدفق العقلي بالمجالات الفنية فقط، ولكنه يمتد أيضًا ليشمل المجالات العلمية.

ووفقًا للمقال، يرتبط كلٌّ من التفكير العلمي والإبداعي ارتباطًا وثيقًا باستخدام التصور والصور الذهنية. فقد استخدم عظماء العلم، مثل أينشتاين وفاراداي وتسلا، الصور الذهنية عند وصفهم عملية التفكير التي مروا بها. وتؤدي عملية التصور الذهني دورًا حاسمًا في بناء وتقييم العديد من تجارب التفكير العلمية، حيث يقيم العلماء تأثيرات فرضية معينة من الناحية العقلية.

قوة التنميط

طلب من بعض الأفراد إنجاز مهام باستخدام التفكير المتباعد، وهم يتقمصون دور «شاعر غريب الأطوار»، أو «أمين مكتبة جامد التفكير». فظهر أن من تقمصوا دور الشاعر غريب الأطوار قد أظهروا أداءً قويًّا في مجال الإبداع عن الفئة الأخرى، ما يقترح أن توظيف وجهات النظر النمطية حول التفكير الإبداعي يمكنها أن تحفز، أو تثبط قدرات الأفراد.

التفكير

كان أينشتاين شديد الشغف بالموسيقى، فقد عشق العزف على الكمان والبيانو، وقد حصل كل من الفنانين برايان كوكس، وغريغ غرافين على شهادات في الدكتوراه في مجال العلوم. وهذا يؤكد أنه يمكن العثور على حالات تناقض التصور المسبق، الذي يقضي بأن التفكير المنطقي يرتبط بالإبداع.

تعتبر تلك الحالات غير اعتيادية، إلا أن علماء النفس أجروا مؤخرًا مراجعة شاملة حول إلى أي مدى أظهر عظماء العلم انغماسًا في الفنون والحرف اليدوية، فاكتشفوا أنهم يميلون إلى تلك المجالات أكثر من عامة الناس.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد