«جيل جديد من المركبات الفضائية يبحث عن علامات وجود حياة في الأعمدة السائلة المندفعة من أقمار زحل والمشترى».

نشرت «ذي أتلانتيك» تقريرًا تعرض فيه أهم ما توصل له العلماء أثناء بحثهم عن وجود حياة على الكواكب الأخرى، وكيف غير ذلك في اهتماماتهم بالكواكب والأقمار. هذه المرة انتقل البحث إلى محاولة تحليل مياه المحيطات على أقمار الكواكب الأخرى. فكما كانت المحيطات معبر البشرية لاكتشاف ما ورائها، فتوصلنا إلى وجود قارات أخرى على الأرض، ربما تكون أيضا معبرنا إلى اكتشافات أكثر عن عوالم أخرى خارج حدود كوكبنا. فالعلماء يعدون العدة الآن لإرسال أسطول من المركبات تجاه أقمار الكواكب الأخرى، آملين في اكتشافات جديدة وأدلة على وجود حياة. ففي نهاية المطاف، المحيطات العملاقة أكثر تشويقا وإثارة من الأنهار المريخية.

نشرت مجموعة من الباحثين أفكارهم في هذا الشأن الأسبوع الماضي خلال مؤتمر علمي عن الكواكب في ولاية «هيوستن» الأمريكية، والذي ركز بشكلٍ كبير على قمر كوكب «الأرضEarth» وكواكب «المريخ Jupiter» و«بلوتو Pluto». لطالما حظي «المريخ» باهتمام العلماء سواء في أبحاثهم عن أشكال للحياة في الفضاء، أو من ناحية ميزانية الأبحاث، إلا أن فكرة وجود حياة أخرى على الأقمار الجليدية أثبتت أحقيتها عبر السنوات في البحث عن حياة أخرى. هناك عوامل أساسية يطمح الباحثون إلى العثور على أي منها مثل نسب المركبات العضوية والتدفق الغزير لجزيئات معينة أو سلاسل الأحماض الأمينية؛ فجميعها عوامل تنبئ بوجود حياة، لكن لم يثبت وجود أي منها حتى الآن على الأقمار.

تضيف «ذي أتلانتيك» أنه تم الإعلان العام الماضي وسط ضجة كبيرة عن بدء تمويل مهمة إلى قمر «أوروبا Europa»  (وهو أحد أقمار «المشترى»).  وقد عززت الصور المذهلة لمهمة «نيو هورايزن New Horizons» لكوكب «بلوتو» حجة اقتحام النظام الشمسي.

تقول «ذي اتلانتيك» في تقريرها أن خلال السنوات القليلة الماضية، اكتشف علماء الكواكب أن بعض أقمار أكبر الكواكب في النظام الشمسي تمتلئ بالماء. ويعتقد أن «أوروبا» لديه أكبر محيط من الماء السائل تحت قشرته الجليدية. وعلى بعد بضع ملايين من الأميال، يوجد قمر «إنسيلادوس Enceladus » (أحد أقمار كوكب «زحل Saturn»)، ويعتقد أنه الآخر لديه محيط من المياه السائلة. وهناك أيضا على قمر «تيتان Titan » (أحد الأقمار الأخرى لكوكب «زحل») توجد بحيرات ومحيطات من الميثان السائل. كما يعتقد أن لكل تلك الأقمار مصادر للطاقة والهيدروكربون الذي يعتقد أنه من  مقومات الحياة. فإذا تمكنت مركبة فضائية من الوصول لعينات من تلك المياه، ربما يتسنى لنا الوصول لعلامات وجود حياة على تلك الأقمار.

وفي محاولة من «ذي أتلانتيك» لتوضيح وضع المياه الموجودة على الأقمار تقول إنه من حسن حظنا أن كلا من «أوروبا» و«إنسيلادوس» يقذفان الماء في الفضاء. «إنسيلادوس» على وجه التحديد يدفع بماء كثير خارجا لدرجة أنه يخلق حلقة جليدية إضافية حول كوكب «زحل». بينما يدفع «أوروبا» بكميات مياه أقل في الفضاء لكنها كانت كافية ليرى العلماء أعمدة المياه المندفعة خارجه من خلال  تليسكوب «هابل» الفضائي Hubble Space Telescope. ويقول بعض العلماء أنه يمكن لمركبة فضائية أن تطير خلال تلك الأعمدة، وتأخذ بضع عينات بسيطة، وتستخدمها كاختبار للجزيئات المتوقع وجودها على القمر. ولتقريب الصورة الذهنية يمكنك التفكير في تلك العملية كعملية شفط بعض الرماد من طبقات الغلاف الجوي فوق بركان يثور، وهو ليس بالأمر السهل، لكنه بالتاكيد ليس بصعوبة إرساء أو هبوط مسبار طواف أوقارب أو غواصة أو أي وسيلة أخرى.  

«إنسيلادوس».. أعمدة مياه في كل مكان وطوال الوقت

تذكر «ذي اتلانتيك» أن وكالة «ناسا NASA» الفضائية تخطط لزيارة «أوروبا» في أواخر 2020، وستصطحب معها مسبار تحليق غير رسمي حول «أوروبا»، على أن يكون مصاحبًا للمركبة الأم خلال الرحلة.  ولعل أحد أهم الصعوبات التي ستواجه المسبار هو الحصول على دليل مباشر لوجود حياة هناك، فأحد أبرز الأسباب تتمثل في بشاعة البيئة المحيطة بـ«أوروبا». يقول «بيتر سبيدالير Peter Spidaliere» (أحد الباحثين بمعهد جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا) أنه قد تعرض للانتقادات لإطلاقه وصف «شرس»على تلك الظروف. ويضيف أنه المكان الأسوأ في المجموعة الشمسية كلها من حيث كمية الإشعاع الموجود به.

لعل اللوم  في ذلك يقع على كوكب «المشترى» ومجاله المغناطيسي الكبير الذي يزيد من سرعة الجزيئات. فإشعاعات المشتري يمكن أن تفتك بالأدوات المستخدمة في الاستكشاف إذا لم تكن محمية بدروع وقاية خاصة، مما يزيد من صعوبة التقاط عينات من السحب الضبابية لبخار الماء. ربما يكون من الصعب بالنسبة إلى مسبار طواف أو آخر هابط أن يجد أشياء على سطح «أوروبا»، لأن أحزمة الإشعاع المنطلقة من المشترى من شأنها أن تمزق أي جزيئات بيولوجية موجودة.

لذا اقترح «سبيدالير» وزملاؤه مركبة مرافقة صغيرة للمركبة الرئيسية «لأوروبا»، يدعونها «النحلة Bee» اختصارا لـ«مكتشف البصمة البيولوجية لأوروبا Biosignature Explorer for Europa»

يبلغ حجم تلك المركبة المصاحبة نصف حجم إنسان بالغ، وستطير بمحاذات المركبة الأم طوال الرحلة، ثم يتم إطلاقها من المركبة الأم فتطير خلال السحب المراد تحليل مكوناتها، مستخدمة في ذلك أدوات معدة لذلك. لاحقًا تقوم المركبة بالخروج سريعا، وتجري بقية التحليل أبعد ما يمكن عن أحزمة الإشعاع.  يقول «سبيداليير»: «نحن بذلك نحاول التقاط عينة قبل أن يدمرها الإشعاع».

السؤال الأهم: هل تلك الأعمدة حقيقية؟

يذكر تقرير «ذي أتلانتيك» أنه علاوة على الصعوبات السابقة، ما تزال هناك معضلة أخرى: لم ير العلماء أعمدة المياه تلك على «أوروبا» سوى مرة واحدة فقط من خلال تلسكوب «هابل». وهم ليسوا متأكدين من وجودها بالأساس، ناهيك عن استمرار وجودها طوال الوقت وليس بشكل مؤقت. حتى وقتنا هذا لم يتمكن أحد من رؤيتها مجددًا، و يجادل بعض العلماء أن ما تمت رؤيته باستخدام «هابل» هو بلازما منبعثة من القمر البركاني «أيو Io». لكن يقول «سبيدالير» و«أماتو» أنهم أجروا محاكاة على أساس ما رأوه من خلال «هابل»، وهم واثقون من أن الأعمدة حقيقية، وستدوم  لفترة طويلة بما يكفي لتمكنهم من أخذ عينة سريعة في غضون السنوات القليلة المقبلة.

اما «إنسيلادوس» فقصته مختلفة عن «أوروبا»، فهذا القمر بالفعل لديه أعمدة تدفع المياه طوال الوقت وفي كل مكان. وترغب «شانون ماكنزي» في التقاط عينات من تلك المياه من خلال مهمة جديدة إلى «إنسيلادوس» تدعى «ثيو Theo»، وهو اختصار لـ«اختبار مدى صلاحية مياه محيطات إنسيلادوس للحياة» Testing the Habitability of Enceladus’s Ocean. صممت ماكينزي وزملاؤها المهمة «ثيو» على أساس خمس أدوات كيمائية بإمكانها التقاط جزيئات بيولوجية كبيرة من أعمدة «إنسيلادوس».

المزيد من الصعوبات

حلق المسبار «كاسيني زحل Cassini Saturn » حول «إنسيلادوس» مرتين خلال العقد الماضي، وتعتبر الأعمدة هي أحد أبرز مكتشفاته، لكن «كاسيني» يدور بسرعة كبيرة قد لا تمكنه من الكشف عن الجزيئات البيولوجية الكبيرة وغيرها من دلائل وجود حياة محتملة هناك، وعلى الأرجح سيتم سحقها بسبب سرعته كما تسحق الحشرات على الزجاج الأمامي للسيارات على الطرق السريعة. ليس واضحا حتى الآن مدى كثافة الأعمدة أو حتى ما تحويه، تقول «ماكينزي» «يزال هناك الكثير من الأمور لا نعرفها، وذلك أدعى لقيامنا برحلة أخرى والعودة هناك».

ومع ذلك يقول العلماء إن الأدوات الموجودة على «بي» أو «ثيو» لن تكون قادرة على الكشف عن الميكروبات الخضراء مباشرة. فالأمر سيكون أشبه بالبحث عن بصمة إصبع؛ إلا أن ذلك لن يثنيهم عن المحاولة.

وتقول «ذي أتلانتيك» ختاما أن في السنوات المقبلة ربما تمنحنا تلك المحيطات والبحيرات ممرًا إلى أغرب المكتشفات التي وصل إليها البشر قاطبة، وهو اكتشاف أننا لسنا وحدنا هنا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد