نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني تقريرًا عن الأوضاع الاقتصادية المتردية في ليبيا الغنية بالنفط، وتصارع الأطراف الفاعلة في البلاد على النفوذ والسلطة والمال، وهو ما أدى إلى ازدهار الأسواق السوداء للطاقة، ودفع المدنيين إلى اتخاذ تدابير يائسة لتعويض النقص الحاد في إنتاج النفط، وتأثر البلاد الشديد بالحصار النفطي المفروض عليها.

كتب التقرير الصحافي البريطاني المقيم في الشرق الأوسط توم ويستكوت، الذي عمل في صحيفتي «صنداي تايمز» و«ديلي ميل» البريطانيتين.

الحصار يشعل السوق السوداء

يقول الكاتب في مستهل التقرير: «في ليبيا، البلد الذي اشتهر في الماضي بأن سعر البنزين فيه أرخص من المياه المعبأة، أدى حصار المنشآت النفطية، الذي مضي عليه شهران تقريبًا، والذي فرضه زعماء القبائل احتجاجًا على قرار حكومة طرابلس بنشر المرتزقة السوريين، إلى ارتفاع الأسعار بشدة وزيادة مبيعات السوق السوداء».

قال عبدالله، البالغ من العمر 45 سنة، وهو مهندس يعيش بالقرب من مدينة سرت: «بعيدًا عن المدن والبلدات الساحلية الرئيسية، لا يوجد فعليًا أي وقود مدعوم للمدنيين الليبيين، لأن معظم الوقود في غرب وشرق ليبيا يُرسل إلى جبهات القتال الأمامية أو خطوط المواجهة».

ويرى الكاتب أن هذه هي الخطوط الأمامية الحاسمة في المعركة الجارية من أجل السيطرة على العاصمة الليبية بين القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليًا، ومقرها طرابلس والإدارة المنافسة التي تعمل من شرق البلاد ويقودها المشير خليفة حفتر.

يقول المهندس عبدالله: «الوضع سيئ في جميع أنحاء ليبيا، لكن المناطق الأكثر تضررًا هي المناطق الغربية والجنوبية. فحتى قبل الحصار كان هناك نقص في إمدادات النفط، لكن الوضع الآن بائس».

ليبيون يتظاهرون أمام المؤسسة الوطنية للنفط بعد وقف الإنتاج والتصدير في حقول النفط حول طرابلس من قبل حكومة حفتر.

ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط

يشير الكاتب إلى أن سعر بيع التجزئة للوقود الذي يحظى بدعم كبير في ليبيا ينبغي أن يكون بسعر 0.15 دينار ليبي، أي ما يوازي 0.11 دولار للتر الواحد. وبينما يباع الوقود بهذا السعر حاليًا في المدن الساحلية الشرقية والمدن الواقعة بين طرابلس ومصراتة، فإن معظم محطات الوقود في المناطق الأخرى رفعت الأسعار بشكل كبير.

ويضيف أن مصفاة الزاوية، المصفاة الأكبر في البلاد والوحيدة في غرب ليبيا، الواقعة على بعد 50 كيلو متر خارج العاصمة طرابلس، توقفت عن تكرير النفط في أوائل شهر فبراير (شباط) عندما جفت إمدادات النفط الخام المحلية.

ولم تكن مصافي ليبيا تلبي مطلقًا الطلب المحلي الخاص باستهلاك الوقود، وتعتمد البلاد الآن على الواردات التي كانت تكمل العجز المحلي سابقًا، في كل من شرق وغرب ليبيا.

وبحسب مصادر محلية، تبيع مصفاة الزاوية إمدادات الوقود المستوردة بسعر جملة مرتفع يبلغ 0.58 دولار، ومن ثم يتحمل المستهلك هذه الزيادة.

ومع انخفاض الأموال المخصصة لتوفير واردات كافية، حذرت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا بالفعل من حدوث نقص وشيك في البنزين على مستوى البلاد.

«كلما ابتعدت عن الزاوية، أصبح الوقود أكثر تكلفة»

وقال المهندس عبد الله لـ«ميدل إيست أي»: «كلما ابتعدت عن مدينة الزاوية، أصبح الوقود أكثر تكلفة». وقد تأكد المهندس عبد الله من ذلك بعد أن انتقل مؤخرًا من طرابلس إلى سرت عبر تحويلة طويلة لتجنب خطوط الجبهة ونقاط التفتيش الصعبة، ولاحظ تفاوت الأسعار على امتداد مئات الكيلومترات في طريقه.

العالم والاقتصاد

منذ 7 شهور
«فورين بوليسي»: لماذا يُعد انهيار أسعار النفط مختلفًا هذه المرَّة؟ 

أضاف عبد الله: «في مدينة غريان، بلغ سعر البيع بالتجزئة 0.90 دولار، وفي الشواريف بسعر 1.23 دولار، أما في سبها فبلغ حوالي 1.42 دولار، بينما بلغ الآن في الجفرة 1.43 دولار».

وتابع: «لقد زادت محطات البنزين الرسمية أسعارها كثيرًا، على الرغم من أن ذلك ليس خطأها؛ لأنها تشتريه بمعدل أعلى خمسة أضعاف عن المعدل العادي. لكن المزارعين بدأوا أيضًا في إقامة محطات وقود غير قانونية – وهي عبارة عن خزانات كبيرة، وأحيانًا يبنونها تحت الأرض، ويستخدمون عدادًا لحساب تدفق البنزين – لبيع الوقود بطريقة غير قانونية». وأضاف عبد الله أن هذه المحطات غير الرسمية للوقود تدفع أسعارًا مماثلة لمحطات الوقود الرسمية (للحصول على احتياجاتها).

اشتكى أحد سكان الشواريف من أنه في الوقت الذي يملك الجيش الوطني الليبي التابع لحكومة الشرق (بقيادة المشير خليفة حفتر) محطة بنزين عسكرية خاصة به، هناك نقاط وقود مؤقتة قريبة يُشَغّلها المزارعون ويُباع البنزين فيها بطريقة غير قانونية بسعر 1.23 دولار. وكل هذا يتم تحت سمع وبصر الجيش، الذي لم يقم بأي محاولة للتدخل.

ونقل موقع «ميدل إيست آي» عن الشخص الذي يسكن الشواريف، وطلب عدم الكشف عن هويته، قوله: «إن وزارة الداخلية [التابعة لحكومة الشرق] في البيضاء لديها علم بهذه المحطات المزيفة للبنزين، لكنها لا تفعل أي شيء لوقفها».

«الأمر كله غير قانوني – كل من نقاط تقديم الوقود والسعر الذي تبيع به – ولكن الجيش الوطني الليبي لا يبدو أنه مهتم بالأمر طالما أن لديه المحطة والوقود الخاص به».

وقال المهندس عبد الله إن القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني، التي يرأسها فايز السراج، تغض الطرف أيضًا عن مثل هذه المحطات غير القانونية القائمة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

محطات خالية من الوقود

عمليًّا، لا تزال الحكومة الشرقية الليبية (التابعة لحفتر) تحافظ على السعر المدعوم للبنزين البالغ 0.11 دولارًا في المدن الساحلية حتى سرت، لكن ناقلات النفط تضطر لأن تسلك طريقًا طويلًا للسفر من الشرق للوصول إلى وسط ليبيا، حيث لا تجد محطات الوقود ما يكفيها.

قال محمد، الذي يعمل مساعدًا في أحد المتاجر ويعيش بين جنوب طرابلس وترهونا، حيث تضاعفت أسعار البنزين: «يطالب سائقو الحاويات بمبالغ باهظة بسبب قيادتهم لمسافة طويلة تبلغ 1200 كيلومتر من شرق البلاد، ويزعمون أن المهمة صعبة، لأنهم يقودون حاوياتهم عبر الصحراء، وخطيرة، لأنهم لا يعرفون ما قد يحدث على الطريق».

وقال محمد لـ«ميدل إيست آي»: «لقد اعتدنا على نقص الوقود، لأن حكومة طرابلس أهملت المناطق الجنوبية منذ فترة طويلة، وعائلتي على ما يرام لأن أحد الأقارب يعمل في محطة بنزين، وعندما يأتي الوقود، فإننا نشتري المزيد منه ونخزنه في سقيفة في المنزل». وأضاف: «ولكن لم تصلنا أي شحنات منذ شهر، لذلك نستخدم الآن الوقود المخزن لدينا في التنقل».

وقال محمد إن السكان الذين لا يمتلكون مثل هذه المخزونات يتجشمون عناء القيام برحلة ذهاب وعودة بطول 550 كيلومترًا ويسلكون تحويلة طويلة لتجنب خطوط المواجهة الحالية في طرابلس لملء خزان سياراتهم في العاصمة، مضيفًا أن المسافة التي قطعوها ليصل معظمهم إلى المنزل لم تُبق لهم إلا نصف خزان البنزين فقط.

وينبه الكاتب إلى أنه في سرت، حيث لا يتوفر الوقود حاليًا، سواء من محطات الوقود أو في السوق السوداء، يقوم السكان برحلة ذهابًا وإيابًا بطول 300 كيلومتر شرقًا إلى بلدة بن جواد لملء خزانات وقودهم، مما يتسبب في تكدس طوابير طويلة أمام محطات البنزين في المدينة.

ويضيف عبدالله: «يملأ الناس أيضًا جراكن المياه أو أي زجاجات فارغة بالوقود، ويحملونها في سياراتهم، ولكن هذا أمر خطير للغاية، إذ وقعت بعض الحوادث، ويمكنك رؤية السيارات المحترقة أثناء سيرك على جانب الطريق».

Embed from Getty Images

في انتظار حكومة ليبية موحدة

لا يزال جنوب ليبيا، المهمل منذ فترة طويلة، الأكثر تضررًا من هذه الأوضاع، على الرغم من أنه غني بمعظم موارد البلاد من المواد الهيدروكربونية، وهو الأمر المثير للسخرية.

وفي هذا الصدد، قال أحد سكان بلدة مرزوق في جنوب ليبيا، ويدعى أحمد: «يعاني الجنوب كله من نقص خطير في الوقود. عندما يكون الوقود متاحًا، يكون سعره 1.43 دولارًا للتر الواحد، وفي بعض الأماكن في الجنوب يصل إلى 1.78 دولارًا. إنه وضع صعب للغاية بالنسبة لنا، ونتوقع فقط أن يصبح أسوأ».

أما حسن، الذي يعيش في بلدة قطرون في أقصى جنوب ليبيا، حيث يُباع الوقود حاليًا بسعر 1.43 دولارًا للتر الواحد، فقال: «على الرغم من أن معظم نفط ليبيا يأتي من الجنوب، إلا أنه على ما يبدو ليس لدينا حقوق في البنزين الليبي. ولا يوجد شيء يمكننا القيام به باستثناء الانتظار حتى تتوصل حكومتا الشرق والغرب إلى اتفاق».

أسوأ حصار منذ عام 2011

ابتليت ليبيا بعد عام 2011 بسلسلة من عمليات الحصار للمنشآت النفطية، وخفض تدفقات خطوط أنابيب النفط والغاز إلى طرابلس، التي فرضها مختلف اللاعبين الذين يتنافسون على النفوذ والسلطة والمال.

لكن إغلاق جميع خطوط الأنابيب التي تنقل النفط الخام إلى محطات تصدير النفط الساحلية الليبية من الجنوب، في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، يعتبر أكبر تعطيل شامل حتى الآن.

وعلى الرغم من أن حصار المنشآت النفطية – ردًا على قرار حكومة الوفاق بنشر المرتزقة السوريين بين قواتهم عبر اتفاق مع تركيا – هو في نظر الغالبية إجراء قام به حفتر، الذي يترأس الجيش الوطني الليبي، إلا أن من ينفذه من الناحية الظاهرية هم زعماء القبائل الذين هيمنوا على المنطقة على مدى ثماني سنوات من إهمال الحكومات المتنافسة المتعاقبة للجنوب الليبي.

وقال مصدر على صلة بعدة جهات قبلية جنوبية: «إن زعماء القبائل هم الذين يفرضون الحصار، وهم مواطنون ليبيون عاديون، انتقامًا من حكومة الوفاق الوطني لجلبها مقاتلين سوريين إرهابيين إلى ليبيا، وكذلك في محاولة منهم لوقف إساءة استخدام طرابلس للأموال الليبية».

يقول الكاتب: «بالطبع حفتر موجود في الصورة، لكنه يتصرف من تحت الطاولة ويعمل مع زعماء القبائل. لقد أقام علاقات جيدة معهم، كما فعل القذافي، وهو نهج فعال في ليبيا».

ويضيف الكاتب: «ومع افتقار المساحة البرية الشاسعة في ليبيا إلى البنية التحتية، وعدم وجود أي وسائل نقل عام ذات فائدة، يعتمد الليبيون اعتمادًا كبيرًا على السفر بالسيارة، ولذلك فإن التأثير على المدنيين في جميع أنحاء البلاد هائل للغاية».

لكن الحصار المستمر للمنشآت النفطية له أيضًا تأثير مالي خطير على دولة تعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط، وتعاني بالفعل من تراجع اقتصادي.

مهندس نفط: «ليس محركًا يمكنك تشغيله وإيقافه»

منذ منتصف شهر يناير (كانون الثاني)، انخفض الإنتاج من حوالي 1.2 مليون برميل يوميًا إلى 95837 برميلًا يوميًا، ومفهوم أن ذلك في الغالب من منشأتين قرب سواحل البلاد. وقالت شركة النفط الوطنية الليبية هذا الأسبوع إن الخسائر التراكمية من الحصار تجاوزت 3.5 مليار دولار.

ووفقًا لما ذكره مهندس النفط محمد، فإنه حتى عندما يرفع الحصار في النهاية، سيستغرق الأمر ما يصل إلى أسبوعين حتى يبدأ تدفق النفط الخام بمعدلاته السابقة. ويضيف محمد: «أن البنية التحتية للنفط ستحتاج إلى صيانة قبل إعادة تشغيلها. إنه ليس محركًا يمكنك تشغيله وإيقافه وقتما تشاء فقط. إنها عملية معقدة لاستئناف تدفق النفط على نحوٍ آمن ومستقر».

ويوضح قائلًا: «خطوط الأنابيب الآن مليئة بالنفط، ولكنها ليست مصممة لتخزين النفط الراكد، الأمر الذي سيصيبها بالتآكل. وتعتمد عملية الصيانة ووضع الإطار الزمني على التفاصيل المتعلقة بكل منشأة. فقد يتم إعادة تشغيل بعضها في غضون خمسة أيام، ولكن البعض الآخر سوف يحتاج إلى أسبوعين على الأقل».

عربي

منذ 7 شهور
لماذا لن تُنهي «كورونا» الأزمة الليبية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد