«دخول مجال السياسة.. تعاقد مع الشيطان»

«دخول مجال السياسة.. تعاقد مع الشيطان» ماكس فيبر.

لطالما واجهت البشرية معضلات أخلاقية وخاصة في قرارات الحروب، قرارات الموت والحياة. موازنات وحسابات من يُقتل مقابل الإبقاء على حياة مَن، ففي نهاية المطاف القتل قتل، والمقتول إنسان، وصاحب القرار إنسان، والمنفذ إنسان.

عزيزي المشاهد أو القارئ، إذا كنت من محبي الأفلام الأخلاقية الواضحة في تمثيل الأخلاق أبيض وأسود، وتصنف البشر والشخصيات إما شرًّا لا خير فيه أو خيرًا كالملائكة، ربما فيلم «EYE IN THE SKY» ليس المناسب لك، أو هكذا ينصحك «إم إل آر سميث» كاتب التقرير المنشور على موقع «warontherocks». أما إن كنت تعتقد أن الفيلم الجيد هو من يصور الحالة الإنسانية ويخاطبها بتعقيداتها وتناقضاتها وغموضها، فستجد أن الفيلم ربما يكون الأعظم من بين ما أنتجته السينما والتليفزيون منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وبدء الحرب على الإرهاب.

حبكة درامية سياسية واقعية

يقول الكاتب إنه منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) تنوع تناول السينما والتليفزيون للطبيعة السياسية والأخلاقية للتدخلات السياسية والعسكرية للغرب وما عرف بـ«الحرب على الإرهاب». ولعل المتابع للسينما بسهولة سيلاحظ تزايد الإنتاج السينمائي والدرامي العبقري في تناول تلك الأحداث والاضطرابات، على سبيل المثال فيلم «القناص الأمريكي» (American Sniper) و«سيريانا» (Syriana).

قد يبدو الهدف الظاهري للفيلم هو مجرد الترفيه، الذي يتطلب بالضرورة تبسيطًا في الفكرة ربما يصل للإفراط، ولا يمكن لوم الفنون البصرية المعاصرة على ذلك. مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان لتتولى المخابرات إدارة المشهد من خلف الستار، أتيحت الفرصة أمام عدد كبير من المواهب السينمائية لإبراز مواهبهم وقدراتهم في تمثيل الصراعات المختلفة التي ولدها الوضع الحالي.

ولا أدل على ذلك، وفقًا للكاتب، من التمثيل العبقري في الجزء الرابع من مسلسل «هوملاند» وحروب الطائرات بدون طيار. ولعل الأمر الأبرز المشترك بين العديد من تلك الأعمال هو المعضلات الأخلاقية والسياسية التي ولدها الصراع، وذلك النوع من الحروب حيث قرارات تصنع في التكييفات على بعد آلاف الأميال من قواعد التحكم بطائرات بدون طيار، والتي تبعد هي الأخرى عن مكان الحادث نفسه حيث الجنود والمدنيون الأبرياء والإرهابيون معًا.

يقول الكاتب إن الأمر المستجد في الفيلم هو وقت الأحداث، إذ تحدث على مدار بضع ساعات من يوم واحد، يوم تنفيذ العملية. تدير العقيد كاثرين باول (هيلين ميرين) عملية متعددة الجنسيات معقدة من مقر القيادة في المملكة المتحدة بإحدى ضواحي لندن. تستهدف المهمة اعتقال سوزان دانفورد؛ البريطانية التي اعتنقت الإسلام مؤخرًا وانضمت لإحدى الجماعات الجهادية المتعصبة المتورطة في عمليات إرهابية. وأخيرًا يتم رصدها في مجمع سكني في إحدى ضواحي نيروبي.

ويبدو أن شخصية دانفورد هي محاكاة لشخصية واقعية، وهي سامانثا لوثوايت المعروفة أيضًا بالأرملة البيضاء. وتعتبر أكثر المشتبه بهم المطلوبين في العالم، إذ يشتبه في كونها عضوًا بحركة الشباب الجهادية في الصومال. جدير بالذكر أن اتجاه الفيلم للأصالة من حيث الإشارة لأماكن الأحداث الحقيقية يضيف نوعًا من الصلة والمعقولية للحبكة.

يعرض الفيلم العملية بأجزائها المختلفة؛ هناك جزء المراقبة عبر طائرة بدون طيار يقودها عن بعد طياران من سلاح الطيران الأمريكي، هما ستيف واتس (آرون بول)، وكاري غيرشون (فيبي فوكس)، من مخبئهما المكيف في قاعدة كريتش الجوية في نيفادا. وهناك فريق اعتقال أعطي له الضوء الأخضر لبدء التنفيذ على أرض الواقع ومحاصرة مكان تواجد الانتحاريين في الفيلم في مجمع سكني. وهناك فريق صغير آخر مع لجنة إحاطة مجلس الوزراء تضم عددًا من الوزراء والمستشارين القانونيين بقيادة الجنرال فرانك بينسون (آلان ريكمان). والهدف لكل هؤلاء القبض على دانفورد الهاربة منذ أكثر من 6 سنوات.

معضلات أخلاقية

ويستطرد التقرير بالإشارة إلى تأزم المهمة لدى اكتشاف وحدات المراقبة الكندية أن العناصر الجهادية المحتلة للمجمع السكني قد خططوا بدقة لا مجال للخطأ فيها لتنفيذ هجوم مزدوج انتحاري. وهنا تحول الهدف إلى الأمر بالقتل بدلًا من الاعتقال. وعليه تم تجهيز طائرة بدون طيار تحمل صواريخ هيلفاير استعدادًا لقصف الإرهابيين بالمجمع السكني.

تبرز هنا المعضلة الأخلاقية الأهم؛ هل يقتل كل الأبرياء في المجمع ومعهم الإرهابيين في مقابل احتمال إنقاذ آخرين من المحتمل أن يصابوا في التفجيرين. وتتغير بعض الحسابات الأخلاقية بشكل جوهري لدى الكشف عن وجود فتاة صغيرة تبيع بعض الخبز في جانب المجمع السكني. فكيف توازن بين حياة أطفال صغار في مقابل مقتل المزيد من الأبرياء إذا سمحت للإرهابيين بالهروب؟

حسبما يرى الكاتب ربما يكون الوقت هو جوهر القضية. فالضرورة العسكرية وحسابات المشروعية النفعية الأخلاقية تتطلب إطلاق الصواريخ على المجمع السكني. بينما يجادل الطرف الآخر أن الحجة النفعية السياسية والأخلاقية ضد المخاطرة بحياة المدنيين. فالسياسيون مترددون في إطلاق الصواريخ على عكس العسكريين. لا سيما أن عاقبة قتل فتاة صغيرة ووخز الضمير الناتج عنه سينعكس بصورة سلبية عليهم ويقوض ترويجهم للحرب على الجهاديين.

في الفيلم نجد أن المستشارين القانونيين مزقتهم الحيرة، فعلى سبيل المثال المدعي العام البريطاني، جورج ماثيسون (ريتشارد مكابي) يقبل على مضض متطلبات الموقف بالتدخل وإطلاق الصواريخ، بينما في المقابل المستشارة في البرلمان أنجيلا نورثمان (مونيكا دولان) رفضت تمامًا أي فكرة قد تعرض أي طفل للخطر، حتى ولو كان هناك عشرات من الناس سيتعرضون للقتل لاحقًا في هجمات انتحارية. وفي خضم ذلك تجد بعض الوزراء يتجه للتعامل مع أمور أخرى؛ فالقلق بشأن تسمم في سنغافورة، أو القلق بشأن وقف دبلوماسية «تنس الطاولة» التي اتبعتها أمريكا في تقريب العلاقات والمنفعة مع بكين. فتبدو تلك الأحداث إما مجرد إلهاء وغطاء سياسي أو مجرد تهرب من المسؤولية؟

ويرى الكاتب أن أقوى نقاط الفيلم ربما تكمن في عدم تشويه أي جانب من أي فكرة أو وضعها محل سخرية. يعرض الفيلم قضية معقدة في مقابل قضية مضادة يستتبعها تحدٍ لتعاطف المشاهد باستمرار. فنجد العديد من الشخصيات الهامة في دفع الأحداث مضطربين بسبب المهمة التي أوكلت إليهم، مثل العقيد باول وقائدي الطائرة بدون طيار. إلا أنهم يحاولون إخضاع العملية كلها للتساؤل، كما لم ينجرفوا في المبالغة في رفض الأوامر الموجهة إليهم والذي بالطبع كان سيؤدي بحبكات أخرى قد تبدو أضعف إلى السقوط في منحدر اللامعقول.

استمرت الشخصيات في احترافيتها طوال الفيلم. مما أصقل تعقيد فكرة الفيلم الأخلاقية وقدمها بطريقة واقعية معقولة لها مصداقية.

ويقول الكاتب إن تكلفة العقيد الأخلاقي هذا تتمثل في أن المأساة ستصيب إحدى الشخصيات لا محالة. لم يركز الفيلم كثيرًا على العواقب الإنسانية المحتملة واقعيًّا، لكنه أيضًا لم يتجاهل الأثر النفسي المؤلم الذي مر به كل من صار بيده قرار الموت أو الحياة، سواء أكانوا مستشارين أم منفذين أم مراقبين. فحقيقة أن المهمة وقراراتها صنعت على بعد آلاف الأميال وفي أماكن متفرقة، وربما في القاعات المكيفة ومع تناول الشاي والبسكويت، إلا أن كل ذلك لم يخفف من حدة الأحداث.

يرى الكاتب أن التكلفة النفسية ربما لم تنقل بطريقة كافية. ظهرت بالفعل لكن بشكل خاص في شخصيتي الطيارين فمن المؤكد أنهم سيعانون طوال حياتهم جراء خدمة بلادهم بتلك الطريقة. والسؤال هنا هل تلك التكلفة النفسية هي مكافأتهم؟ ويظهر أيضًا في حالة العميد باول التي لم يخلُ تتبعها لدانفورد طوال سنوات من الندم الشخصي أو العواقب النفسية والشخصية.

السياسة تحالف مع الشيطان

يقول عالم النفس الألماني «ماكس فيبر» إن دخول المرء عالم السياسة هو بمثابة تعاقد مع الشيطان. ويضيف أن أي شخص يعجز عن رؤية ذلك فهو لا يزال مبتدئًا مثله كمثل الطفل الرضيع في خبرته بالحياة.

يرى الكاتب أن الفيلم بالأساس يدور حول كيفية إشراك الناس باختلافاتهم وتنوعهم مع تلك العقود الشيطانية، بحساباتها النفعية التي تفاضل وتوازن بين التكلفات المختلفة التي تصل في نهاية المطاف إلى المساس بالحياة.

حسب رأي الكاتب، الفيلم يدعو إلى عدم سب السياسيين في مواقع السلطة سواء أكانت سياسية أو عسكرية، إنما يدعونا للتعاطف مع المعضلات الأخلاقية التي يواجهونها.

ويضيف الكاتب في ختام استعراضه للفيلم، أنه إن كان للفيلم أي رسالة حاسمة فهي تتلخص في أن المواقف الأخلاقية سهلة بالتأكيد ورخيصة، وربما في بعض الأحيان ساخرة؛ إذا كنت بعيدًا عن ساحة الاشتباك نفسه، لكن ليس من حق أي شخص مهما كان موقفه الأخلاقي اتهام الجنود في الحروب وأصحاب القرارات بأنهم لا يفهمون تكلفة الحروب.

الفيلم يشبه العديد من الأعمال الدرامية الحديثة إذ لا يعطي المشاهدين حلًّا سهلًا، لكنه يضع المشاهد أمام تساؤل: ماذا قد تفعل أنت؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد