في الرابعِ والعشرين مِن يناير من العام 2015، تم إطلاقُ الرَّصاصِ على الناشطة السياسية التي تُدعى شيماء الصّباغ وفارقت الحياة أثناء الوقفة الاحتجاجيّة بالقرب مِن مَيدان التحرير. الصباغ؛ والتي كانت في الواحد والثلاثين من عمرها، وعضوة ضِمِن أعضاء حِزبِ اتحاد التحالف الشعبي، كانت قد نظّمت الوقفة لإحياءِ ذكرى هؤلاء الذي قُتِلوا خلال سنوات التمرّدِ المِصري الأربعة الماضية، ولكن هذا توقّف خلال دقائق حين أطلقت قواتُ الأمنِ القذائفَ والغاز المسيل للدموع لتشتت شمل الجمع القليل من المشاركين. تسجيلات الفيديو التي تم التقاطها من قبل المتفرِّجين سجّلت آخر اللحظات في حياتها. شرطة مكافحة الشغب المقنّعة صوّبت بنادقها على المتظاهرين الزاحفين على طول الشارع، دوت طلقات عدّة؛ لتسقط الصبّاغ بين ذراعي زميل، وسترتها الرماديّة مُخضَّبة بالدّماء.

موت الصّباغ كان حدثًا صادمًا، فيما كانت تزعمه جماعات حقوق الإنسان والمراقبون الدوليون طويلًا أن: حكومة عبد الفتّاح السّيسي قد استخدمت القوّة الفتّاكة كي تسحق أية صورةٍ للمعارضة. مُنذ أن جرَّد الجيش رئيس حكومة الإخوان المسلمين مُحمّد مُرسي من سُلطته في 2013؛ فإن ألفين وخمسمائة مدنيِّ – بأقل تقدير – قد قُتِلوا في اشتباكاتٍ مع قوّات الأمن، وذلك طبقًا لتقديرات جماعات حقوق الإنسان، عشراتُ الآلاف من الإسلاميين والنّاشطين من العامّة تم سجنهم، تقارير تتزايد عن إساءة استخدامِ السّلطاتِ والتعذيب.

وحتى عشيّة موت الصّباغ، معظمُ النشرات الإذاعيّة تقريبًا قد أبلغت أن حدث القتْل دون إذاعة الفيديو على الهواء، رغم أنه كان يتم تداوله عبر الشبكة العنكبوتية. أحمد موسى، أحدُ أشهر مذيعي التفلزة في البلاد، والذي قد ظهر في القناة الخاصة صدى البلد، زعم أن النّاشطين أنفسهم قد رتّبوا لمقتل الصباغ، لأجل تدبير مؤامرة ضد قوّات الأمن.

يوسُف الحُسيني؛ مقدِّمُ برامِج في شبكة ON TV، افترض بأن أعضاءً من جماعة الإخوان المسلمين المحظورة كانت خلف عمليةِ القتل. مجدي الجلّاد؛ رئيسُ تحرير صحيفة الوطن اليوميّة، قال إن الحادث قد أثبت الحاجة لأفراد من الشرطة دون ملابسهم الرسمية. مذيعة أُخرى؛ وهي لميس الحديدي، حاولت كسْب التأييد بتركيب كاميرات للمُراقبة في الأماكن العامّة.

خلف هذه النظريات المتباينة يبدو أنه ثمة رسالة موحّدة: لا تلوموا قُوات الأمن.

بعدَ أربعة أعوام من وقوف المصريّين ضدّ النّظام الفاشيّ لحُسني مُبارك، أظهرت وسائل الإعلام في أكبر بلد في العالم العربي تأييدًا عظيمًا لحكومة العُنف أكثر ممّا فعلت تحت حكم مبارك. في خارج البلاد؛ تم انتقاد إدارة السّيسي لأجْل السّماح بأن يُحكَمَ بالموت على أكثر من ألف شخصٍ ظُنَّ أنّهم مؤيدون لمرسي في محاكمات جماهيريّة؛ في مصر، كُتّاب الصحف قالوا بأن هذا يجب أن ينفذ دون محاكمة.

الصحفيون في العادة ينتقدون أداء الحكومة في مواضيع مثل التعليم، الرعاية الصّحيّة أو السياسة الديّنيّة، لكن كما اكتشفت من اللقاءات مع من يقودون برامج التوك شو من المذيعين والمحرِّرين؛ أنّهم يعتبرون أن الخاصّية التّي تُميّز إدارة السيسي – وهي استخدام حالة المصادقة على العنف والمحاكمات السّياسيّة لإرساء النظام وقمع معارضيه – هي بموافقة جماعية تقريبًا.

لقد عدنا للوراء أكثر من عشرين عامًا” بهذا أخبرتني مُنى ماهر، والتي تقوم بمراقبة تغطية الإعلام في معهد القاهرة لحقوق الإنسان، “الإعلامُ الآن لا يُلقي الضوء على المشاكل فحسْب؛ إنهم يدعمون الحكومة مهما كان ما يحدث.

آخذين بعين الاعتبار؛ هُم على قدم المساواة مع الرأي العام: تصويت حديث مستقل وضع تقييمًا لموافقة الرئيس، بعد عام من دفن الموتى، وصلت لـ 90%. بمتابعة لسنوات عديدة من الاضطراب السياسيّ والاقتصاد المتقلّب؛ العديد من المصريين قد رحّبوا بحكم السّيسي كعودة للاستقرار.

هجماتٌ من جماعات المجاهدِين في شبه جزيرة سيناء وأماكن أُخرى، شاملة بعض الأماكن المنتسبة للدولة الإسلاميّة، والتي قد قتلت المئات، قد ساهمت في دعمٍ قويٍّ لحالةِ الأمن، قد اتّخذت الحكومةُ خُطواتٍ صارمةٍ لإحياء النِّضال الاقتصاديّ، متضمّنة قطْع إمدادات البترول وتوسعة قناة السّويس، والنّمو متوقّع لأن يتحسّن هذا العام، مُقارنة بما حدث أثناء السيطرة غير الموفَّقة في عهد مُرسي؛ حين كانت مُبادرات السّياسة يتم إعلانها أحيانا وإلغاؤها في نفس اليوم. أقل ما يُلاحَظ رغم هذا، هو مجهودات الإعلام الفعّالة لأن تبني إجماعًا للآراء من وراء السياسات الأمنية للحكومة، بينما تتجاهل أكثر سماتها الوحشية.

الأمرُ ليسَ موضوع سيطرة عليا، غالبية المِصريّين يتلقّون أخبارهم ليس من تلفاز الدّولة، لكن من قنوات تعود مِلكيتها لأشخاص، البرامج على هذه الشّبكات تروِّج لإنتاج قيمٍ خدّاعة، والمذيعون المتنافِسون الذين تقتصِر موهبتهم الأساسيّة على أن يتحدّثوا بلغة مُنمَّقة بصوت عال لساعات دون انقطاع، وهم يجتذبون ملايين المتابعين.

الصُّحُف، عديد من تِلك المستقلّة غير المملوكة لأشخاص، تعرِض بشكل قليل وجهات نظر متعددة الأشكال بشكل أكبر، لكن لديها نطاق محدود؛ تداول أكبر الصُّحُف اليوميّة مثل الأهرام والمصري اليوم يُقدَّر بمئات الآلاف، في دولةٍ تعدادُ سُكّانها 83 مليونًا.

حتّى الآن لا التِلفاز ولا الصّحافة تعرضان تدقيقًا مُوثَّقًا لسياساتِ نظام الأمن، (نقاشات ذات طبيعة نّقديّة بشكلٍ أكبر يمكِن العثور عليها على الإنترنت، على مواقع الأخبار فحسْب، لكنها تُقدِّم خدماتها فقط لجمهورٍ صغير).

مؤكَّد أن الدولة لديها طُرق لتفرض رغبتها، قامت بإيقافِ بثّ المحطّاتِ التّابعة للجماعة على الفور بعد إقصاءِ مُرسي، لجنةُ حمايةِ الصحفيّين في الوقتِ الحالي قد أحصتْ على الأقل اثنين وعشرين صحفيًّا في السّجون المِصريّة، بتُهمٍ مِثل “نشر الفوضى” و”التحّريض على العُنف” هذا هو أعلى رقم مُنذ أنْ بدأت المجموعة في الاستقصاء.

من وقت لآخر هم يتدخّلون بشكل مُباشر طالبين من المراسلين بسبب استجواب ومصادرة مواضيع لجريدة ما قد تجاوزت الحد، أمثلة حديثة تشمل تقريرًا عن التلاعب الانتخابي ومُقابلة مع وكالةٍ رسمية.

لكن، بعض مِن مُقدِّمي البرامج البارزين، من ضمنهم السّاخر باسم يوسف، قد تم إيقاف بثّ برنامجه لأنهم يقولون إن مساحة التعبير قد تقلّصت. ليليان داوود، التي تُعتَبرُ واحدة من أكبر الأصوات المنتقِدة للحكومة ما زالت تعمل في التلفاز، أخبرتني بأنّ السُّلُطات تنشر قائمةً جديدةً كل بضعة شهور بأشخاص ممنوع ظهورهم على الهواء: مُحامين، ناشطين وما شابههم.

لكن الحالة العامة في الإعلام المِصريّ هذه الأيّام أقلّ فزعًا منها حالة احتفال، فجماعة الإخوانِ المسلِمين قدّ تمّ التغلُّب عليها، والجيش بشكل راسخ هو المسؤول.

أيُّ قائد لا بدّ أن يطلب من الصحفيين أنْ يبثّوا الأمل” بهذا أخبرني يوسُف الحُسيني الذي يظهرُ في بَرنامج في كلّ ليلة لساعتين في شبكة ON tv الخاصة، “لا شيء سيتم إنجازه بالصورة السّلبية وترويج الإشاعات.

أثناء عهد مُبارك، العديد مِن الصحفيين دار بينهم جدال بأنّ الجماعة تستحق مكانًا في الحياة السّياسيّة، الآن الحُسيني يرفض أن يسمح لأيّ عضو من الجماعة أن يكون في برنامجه.

إنّهم إرهابيون قد ارتكبوا خيانة عظمى ضدّ بلدي” قال، “لذا كيف لي أن أأمنَهُم؟.

مقدّمو برامج التوك شو في أكبر شبكات التلفاز المِصريّة يُشيرون بصفة مشتركة لأن الإخوان المسلمين “فاشيّون” “أولاد كلاب” “حشرات وبراغيث”. في أكتوبر الماضي، رئيس تحرير أكبر صحيفة ورقيّة أصدر بيانًا مُفصلًا يعد بدعم الدّولة ورفض محاولات إضعاف الجيش والشرطة والسلطة القضائيّة؛ القنوات الخاصة الرئيسيّة قامت بتعهُّد مُماثِل.

هذه ليست رقابة أو حتى رقابة ذاتيّة، إنها دعم فعّال لأجل سياسيات قمعيّة.

أنا أدعم السّيسي في كُل شيء، أنا متحيّز.. جمال عنايت، تلفزيوني محنّك ومقدم برامج في الراديو أعلن هذا حين التقينا.

سألتُه لاحقًا لو أنه كان يظن أنّ السيسي قد قام بأخطاء، كانت هُناكَ وقفة، بالنهاية، أنا قد سألتُه سؤالًا صعبًا: “أودّ لو أنه كان لديه إجراءات صارمة ضد الإخوان المسلمين”.

سألتُه: “لذا هذا هو خطؤه؟ أنه مُتساهِل للغاية؟”.

قال عنايت سريعًا: هو ليس متساهلًا للغاية لكنه ليس صارِمًا بما فيه الكِفاية.

قال إنّ وزارة الكهرباء قد حارت بالدّاعمين للرئيس المخلوع، ثم قطع حديثه: “لن أشرع في قول أي شيء سلبي، الآن ليس هو الوقت المناسب كي ننتقده”.

سألتُ: “متى هو الوقتُ المناسب؟”.

حين نبدأ العيش في أمان، حين تتقدّم مشروعاتنا، حين لا نكون خائفين أنْ نذهب إلى هُنا وهُناك، حين تتوقّف الولايات المتّحدة عن الدفاع عن الإخوان المسلمين.

رغم أنّ غمر الإعلام بالدّعم للسياسات القمعيّة يبدو أمرًا شاذًا؛ فهو يعكِس التغير في المواقف العامّة في السنوات الأخيرة، ثورة 2011 التي قد أزالت مُبارك قد ربِحت تأييدًا واسعًا، لكن ما قد تبعها من اضطرابٍ – من تصعيدٍ للعُنف السّياسي أثناء حُكم المجلِس العسكريّ، تبعه عهدُ استقطاب الإخوان المسلمين – قد حرّك الوجدان الشعبيّ إلى الخلف نحو تأييد الحكومة المتعنّتة.

بقدوم عهد السيسي، قاد وزير الدِّفاع الانقلاب العسكريّ الذي أطاح بمرسي في سبتمبر عام 2013، العديد من المصريين كانوا ينادون بالجيش كي يأخذ الخطوة ويُنقِذ البلاد من الفوضى؛ التشتيات اللاحقة لدعم مخططات الإخوان المسلمين، والتي أدّت إلى موت أكثر من ألف نفس صعّدتْ اعتراضات قليلة بين العامّة.

بعد العَشرة أشهر من الحكومة الانتقاليّة التي نُصّبت من جانب الجيش، انتُخِب السّيسي رئيسًا في مايو 2014، بنسبة أصوات 96%، من الواضِح أنّ السّيسي يُعاين إدارة الإعلام كطريقة حاسمة، ليحافِظ على هذه الشعبيّة، وهو قد اتّخذ خُطواتٍ ملحوظة كي يُشكِّل كيفيّة أنها تُمثِّل حُكومته. في اجتماع في العام 2013، بينما كان ما يزال وزيرًا للدفاع، أخبر السيسي جَمعًا مِن ضُبّاطِ الشرطةِ العسكريّة أنّ الجيش لا بدّ أن يُكرِّس الوقت والمجهود كي يكسب التأثير عبر الصّحافة؛ مُنذ أن تقلَّد مقاليد الحُكم، التقى بشكلٍ مُنتظِمٍ بمُقدِّمي برامج التلفاز ومُحرّري الجرائد الورقية مرّة في الشّهر تقريبًا في متوسّط الأمر.

هذه الاجتماعاتُ أشياء مُثيرة للفضول، هي ليست كتعليمات الرئيس الأمريكيّ مع هيئة الصحافة في البيت الأبيض، أو مؤتمرات إخباريّة حيث يُتاح المجال لأنْ يُسأل القادة بشأن مُبادراتِهم السّياسيّة، اجتماعات السّيسي لا يتم إذاعتها وبثها في التّلفاز، والصحفيون ممن يحضرونها لا ينشرون نِثارًا مِن القَصَص فيما بعد.

والآن، مقاطِع من هذه الجلسات العديدة أُذِيعت ونُشِرت على يوتيوب، مُحقِّقةً نظرةً مُوحية، بشأن كيفيّة أن الحكومةَ تحترِم الإعلام، في واحدةٍ مِن مثل هذه اللقاءات في مايو في العام الماضي، أخبر السّيسي جَمعًا من مُقدّمي برامج التلفاز أنهم مسؤولون عن العمل على إرساء الوحدة ورفع الرّوح المعنويّة، حثّ مُحرّري الجرائد على التوقُّف عن زرع الريبة بين الجموع، “إن كانت لديكم معلومات بخصوص موضوع ما، لم لا تتهامسون بها بدلًا من الجَهر بها؟” اقترح، يعني أن عليهم أن يُعلِموا الحكومة بدلًا من الشّعب. بعد ارتفاع أسعار موارد الطّاقة في الصّيف الماضي، طلب مِن الإعلام أن يتحدّثوا عن الحاجة للتضحية لتجعلوا الأمر سهلًا على المِصريين؛ لأنّهم لن يكون باستطاعتهم أن يتحمّلوا المزيد مِن الأخبار السيئة، يشملُ هذا ضِمنًا أن المراسلين كانوا يختارون مواضيع ذات طبيعةٍ سلبيّةٍ ليكتبوا عنها.

أعلمَ رؤساءَ الجرائد الخّاصة في ديسمبر الماضي أنّ الدولة متورِّطة في حربٍ في الدّاخلِ ومن الخارج، في رحلةٍ له إلى الإمارات العربية المتحدة في الشهر الذي تلاه، نبّه الصحفيين أنّ عليهم أن يقترحوا حلولًا بدلًا من التنويه للمشاكل.

أحدُ الأشياء التي تمّ الخلوص بها من تِلك الاجتماعات هو تلهُّف الصحفيين لأنْ يقوموا بالعمل الذي يخصّ الدّولة، في الاجتماع المعقود في مايو العام الماضي مقدّمُ برامجٍ شهير – وائل الإبراشي – اقترحَ أن تجتمِع المجموعةُ بصفة مُنتظمة برعاية السيسي ويصاغ قانون إعلامي بشأن الأخلاق.

لأنه لا نقدر أن يكون لدينا بعض الناس ينشرون معلومات قد تكون خطرة على الأُمّة.

في المقاطِع القصيرة التي تمّ إذاعتها، أثار المذيعون الذين حضروا الاجتماعات بشكلٍ عابر أسئلةً صعبة مثل مجال حُريّة الإعلام المسموح به في ظلّ قوانين جديدة.

لكن الحالة معتدلة ومُحترمة؛ كمثل الطُّلّاب الذين يحضرون مؤتمرًا بمعيّة بروفيسورٍ مُبجَّل. تبنّى السّيسي نفس نغمة العِتاب اللطيف للصحفيين سواء في المخارج التي تملِكُها الدّولة أو الخاصة.

“هو يرى الإعلام كجزء من قسم يختصّ بالمعنويات مثلما لديهم في الجيش”، بهذا أخبرني حافظ الميرازي؛ وهو صحفي يعمل مُنذ وقت طويل وأستاذ في الجامعة الأمريكيّة في القاهرة.

عندما التقيت بمذيعي التوك شو أثرتُ موضوع اجتماعات السّيسي بحذر تحسّبًا لاحتماليّة أن أكون طاعنة في نزاهة أحدهِم، بدلًا مِن هذا تفاخروا بشأن حضورها مثل الأطفال البُسطاء الذين قد حضروا كل الحفلات الرائعة.

جمال عنايت: “يعجبني السّيسي، يعجبني ما لديه مِن الأحلام والطموحات لأجل وطنه، إنه ليس رئيس دولة؛ إنّه قائد”.

يوسُف الحُسيني: حينما تلتقيه؛ باستطاعتكِ دومًا أن تثقي به وتُصدِّقيه، لديه هذه المزية الإيجابيّة.

إبراهيم عيسى: يجعلُكِ تشعرين أنك أفضل أصدقائه وأنه يُتابِعكِ بصفة يوميّة، حين تلتقين به ستحبّينه أيضًا.

اثنان مِن مقدمي البرامج أخبراني عن الاجتماعات التي قد حضروها وجهًا لوجهٍ مع الرئيس؛ والتي فيها قد اقترحوا أن يُطوّر السيسي قانونًا مؤكّدًا؛ أو أن يعطي اهتمامه لموضوع بعينه، مستطلعًا الرأي من الصحفيين بشكل أقل من ناصحي الحكومةِ غير الرسميين والذين يدينون بالفضل لآذانِهم السُّلطانيّة.

رغم أنه كان لديها حُكومة فاشية لعقود؛ حازت مِصر طويلًا صحافة قويّة ومستقلّة نسبيًّا بمقاييس المنطقة، في آخر سنواتِ حُكمِ مُبارك؛ جرائد خاصّة مثل المصري اليوم والدّستور تعرّضت لاختراق وتخريب في مواقعها الإلكترونية، استمرّ التّوجّه بعد ثورة 2011 حيث أن القنوات والصُّحُف الخاصّة تكاثرت، نقدُ الحُكومةِ كان الشّاغل اليوميّ؛ تلفاز الدّولة الذي قد دعم مُبارك حتّى قُبيل عزله قد رحّب فجأة بالنُّشطاء الثوريين كضيوف على برامِجه، لكن الصّحافة وقعت في العاجل تحت ضغط أثناء حُكم المجلس العسكريّ الذي قد حكم مِن فبراير 2011 حتى يونيو 2012. بعد أن انتُخِبَ مُرسي؛ أرسى لتحالفات سياسيّة كي يُسيِّر مسارات إعلام الدّولة واستخدم أساليب عصر مُبارك بمضايقات قانونية وتهديدات ظاهرة كي يُبقي الصحفيين في صفّه، الإعلام الخاص كان ناقدًا بشكل مُتزايد لنزعاته الفاشية ولسياساته الاقتصاديّة الضعيفة، والتي كانت تعكِس للمعايير الصحفية المتطورة بدرجة أقل من الضغينة النامية عند الإخوان، بسبب سلوكهم المتعصِّب للجماعة وعدم قُدرتهم على الحكم.

خلال العامين مُنذ أن عزل الجيش مُرسي بعد تظاهُرات هائلة ضِدّه، تيّار الإعلام الرئيسيّ قد فقد أغلب الانفتاح الذي كان يتمتّعُ به، خاصةً أثناء الأحداث السياسيّة الكُبرى، تتحدَّث الصَّحافة في صوت واحد أنّ: “الصحفيين الذين ينشقّون عن الصّفوف، أحيانًا ما يجدون أنفسهم منبوذين، لا من قِبَل الحكومة لكن مِن جانِب زُملائهم أنفسهم ومن جانب العامّة”.

ليليان داوود، التي قد انتقدت الحكومة في برنامجها في ON tv للزّج بالنُّشطاء في السجون أخبرتني أنُّه يُصرَخُ في وجهها في الشارع لكونها خائنة للوطن وداعمة للإخوان (على الرُّغم أنها كانت ناقدة بشدّة لحكومة مُرسي).

بشكلٍ مُماثِل؛ إبراهيم عيسى، الذي عُرِف بتغطيته العدوانية للأحداث في عهد مُبارك قبل الثورة، أُغرِق برسائل قدح حين قام بتوبيخ لحكومة السيسي مؤخرًا لأجل إنجازاتها الواقعية القليلة.

“في أيّامِ مُبارك، كان يتمّ اعتباري بطلًا لأنني كنتُ ضمن المعارضة” أخبرني، “لكن، السيسي ذو شعبية كبيرة، لدرجة أنّ الناس يستاؤون حين تنتقده”.

فيما تلا مَقتل شيماء الصّباغ؛ غالبية المذيعين رددوا جملة للحكومة؛ أنّ الشرطة قد أطلقت فقط الغاز المسيل للدموع وليس الخرطوش (رغم تسجيلات الفيديو التي تم تداولها على نِطاق واسع مِن البراهين التي تضاد هذا) البعضُ تساءل، لماذا انضمّت شيماء الصباغ لتظاهرة في الأصل؟

حاد مقدمُ برامج بشكلٍ عرضيّ عن الطريق بشكل خطر يقترِب مِن إدانةِ الشرطة، ومِن ثمَّ تراجع عن موقفه؛ كما لو كان يبحث عن الوِجهة:

لا أستطيعُ الادعاء بأن الشرطة فعلت هذا، لا أعرف.. يقول عمرو أديب، مقدِم برامج شهير.

أمرٌ كبيرٌ هو أن تتّهم أحدهم بالقتل، لكني متأكدِة أنها قُتِلتْ، ومتأكِدة أنها قُتِلتْ برصاص خرطوش، لا بد أن يكون هُناك تحقيق مِن كِلا الجهتين، أحدهم قد يزعم أنّ الإخوان المسلمين مِن الممكن أنهم قد فعلوا ذلك لأجل إثارة الوضع، لنقل أني موافقة، أنا مستعدة لأيةِ احتمالات.

في الأول مِن فبراير التالي لما تهامس به الاهتمام الدولي، والافتتاحية غير المعتادة في صحف الدولة الرئيسية مُدِينةً القتل، دعم السيسي أخيرًا السيناريو، دعا لتحقيق في مقتل الصّباغ، والتي دعاها “ابنتي”، لكنّه أضاف أن المؤسسة بأكملها لا يجب أن تُلام بسبب خطأ فرْد واحد. في يونيو، حُكِم على ضابط شُرطةٍ بالسّجن خمسة عشر عامًا بسبب إطلاق النّار.

حاليًا؛ جهازُ أمن الدّولة يواصل إظهار عدم تسامح تجاه التظاهرات العامة، ولم يعد هناك أي إعادة هيكلة أو تدريب لضباطِ الشرطة للحدّ مِن استخدام العُنف الزائد.

ليس هناكَ ما يضمن أنّ الأمور ستجري هكذا، منذ ثلاثةِ أعوام، ربِحَ مُرسي الرئاسة بدعمٍ مِن أعضاء الإخوان المسلمين، لكن العديد مِن الآخرين الذين كانوا يُظَنّ أنّهم أكبر جماعةٍ معارضة تحت حكم مبارك أنها كانت تستحقّ الرمي بالرصاص أثناء الحكم: “أعطوه فُرصة” كانت هي الجملة العامة التي يتمّ ترديدها.

العديدُ مِن النّاس يُطبِّقون نفس المنطق الآن على السيسي الذي يتصرَّفُ مثل قائد واقع تحت الضغط كي يأتي بنتائج سريعًا. الثورةُ المِصريّة قد علّمت العالم أن قوة ديكتاتور يمكن أن تذوب في لحظة.

لكن، درسُ السنوات منذُ أن كان هذا، في بلد مُهدَّد بالفوضى والعُنف، يمكن للفاشية أن تلجأ لقوّة تحتكِمُ إلى نفسها. السؤال الموجّهُ للسيسي هو كيف تجعل ذلك اللجوء قابلًا للاحتمال. بالنسبة للوقت الحالي، كثير مِن الإجابات تكذِب بشأن جهودِه غير العاديّة لتوجيه الإعلام الدولي.

*Leslie T. Chang: كاتبة وصحافية أمريكية مِن أصل صينيّ، عملت لفترة عشرة سنوات كمراسلة لجريدة وول ستريت، لها العديد مِن المقالات وبعض الكتب، منها: فتيات المصانع، والصادرة ترجمته عن الدار العربية للعلوم في 2009، وهي تستقرّ الآن في القاهرة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد