لعب موقعا التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» دورًا مهمًّا خلال العقد الماضي، من خلال إتاحة مساحة للتعبير عن الرأي بين الشعوب العربية، وخاصة خلال الأحداث الساخنة في مسيرة انتفاضات الربيع العربي، غير أن الحكومات القمعية باتت تتحكم في هذه المواقع عبر التأثير في مكاتبها الإقليمية بالمنطقة، كما يوضح ذلك مؤسس ورئيس مرصد حقوق الإنسان الأورومتوسطي رامي عبده، في مقال نشره عبر موقع «ميدل است آي».

واستهل الحقوقي البارز مقاله بدعوة كل من «فيسبوك» و«تويتر» إلى تجنب إنشاء مكاتبهم الإقليمية في البلدان التي تنتهك معايير حقوق الإنسان.

وأشار عبده إلى الحملة التي أطلقها ناشطون وصحافيون الأسبوع الماضي، وطالبوا خلالها بنقل مكتب تويتر الإقليمي بالشرق الأوسط من دبي. إذ دشن ناشطون وسم «Change_Office_Twitter_Dubai#»، مؤكدين أن تويتر «يتلاعب» بتغريداتهم، ويمسح وسومًا يستخدمونها في انتقاد حكوماتهم.

وبدأت هذه الحملة بعد حذف الموقع مئات الحسابات لمعارضين وناشطين سياسيين.

وفي الآونة الأخيرة، أوقف «فيسبوك» سياسة تمنع المزاعم الكاذبة في الإعلانات السياسية. وأثارت هذه الخطوة استغراب البعض، وفقًا للكاتب الذي أكد أن السياسات المريبة لفيسبوك ليست جديدة، إذ يقمع الموقع المحتوى الفلسطيني باستخدام «خوارزمية» تستهدف مصطلحات معينة مثل «المقاومة – الشهيد – حماس» –بغض النظر عن السياق الذي جاءت فيه– وقد يصل الأمر لحظر الموقع للحسابات والصفحات التي تكتب هذه الكلمات، وفي أسوأ الحالات قد تتسبب في اعتقال أصحابها.

وفي رد فعل على هذه السياسة، أطلق ناشطون حملة تحت وسم «FBblocksPalestine#» (فيسبوك تحجب فلسطين).

«السوشيال ميديا» على مقاس الدكتاتور! «فيسبوك» و«تويتر» نموذجًا

أدوات للتعبير.. وللقمع

وأضاف الكاتب أنه «في الواقع الرقمي اليوم، يجري التضييق على حرية الرأي والتعبير بشكل متزايد عبر شركات التواصل الاجتماعي، الموكل إليها إدارة حالة من التوازن بين التواصل المفتوح ومراقبة خطاب الكراهية، ولكن بدون وجود مدونة قواعد سلوك تضمن حماية حقوق الإنسان، فإن هذه الشركات الخاصة غالبًا ما تخضع لضغوط الحكومات، وتسمح باستخدام منصاتها أدوات للقمع».

ويؤكد الحقوقي البارز أن «هذا الأمر يتحقق تحقيقًا كبيرًا عندما يوجد المقر الرئيسي، أو المكاتب الإقليمية للشركات الرقمية الكبيرة، في بلدان تتورط في جرائم سحق حرية التعبير».

Embed from Getty Images

واستشهد الكاتب بالتحليل الذي أجرته شركة «إمباكت إنترناشونال فور هيومن رايتس بوليسيز» – ومقرها لندن– والتي أكدت من خلاله أنه عندما توجد مكاتب «فيسبوك» و«تويتر» في دول مثل إسرائيل، والإمارات، والسعودية، فإنه يمكن تطويع الشركات من قبل الحكومات لإسكات المنشقين والمعارضين السياسيين».

ويتابع عبده أن أحدث مثال وأكثره فظاظة يوجد في إسرائيل، حيث فتحت هناك شركة «جوجل» و«فيسبوك» و«مايكروسوفت» و«إنتل» بالإضافة إلى أكثر من 300 شركة متعددة الجنسيات منشآت بحث وتطوير بها. وعلى سبيل المثال، افتتحت شركة «فيسبوك» مكتبها الإقليمي في تل أبيب عام 2013.

ويكشف الكاتب أنه بعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ «التقى فريق من مكتب «فيسبوك» بوزير العدل الإسرائيلي إيليت شاكيد، ووزير الأمن العام جلعاد أردان – الذي يقود الحرب على حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)– وكان الهدف من الاجتماع، وفقًا لبيان أصدره لاحقًا مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تعزيز «سبل التعاون ضد التحريض على الإرهاب والقتل».

وفي الواقع، يشير الكاتب إلى أن «هذا التعاون أسفر عن قمع النشاط الفلسطيني على وسائل التواصل الاجتماعي، الموجه ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، والحصار المفروض على قطاع غزة».

عنصرية «فيسبوك» في فلسطين

في عام 2017، ذكر تقرير لوزارة العدل الإسرائيلية أن وحدتها الإلكترونية وثقت 2241 تدوينة من «الكراهية» على الإنترنت التي تَشارك الفلسطينيون في نشرها، ونجحت الوزارة في حظر 70% منها.

ويتابع الكاتب أنه «في العام الماضي، أفاد مركز «حملة – المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي» بأن السلطات الإسرائيلية اعتقلت حوالي 350 فلسطينيًّا في الضفة الغربية بتهمة «التحريض» بسبب كتاباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ليرتفع العدد بذلك إلى 300 في عام 2017».

وفي المقابل، «يشير النقاد إلى أن التهديدات العنيفة وغيرها من المضايقات التي يكتبها اليهود على وسائل التواصل الاجتماعي، نادرًا ما تتعرض للفحص الدقيق من قبل فيسبوك. وقام مركز حملة «بتوثيق زيادة مذهلة في جرائم العنصرية وخطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي الإسرائيلية، بواقع منشور تحريضي ضد الفلسطينيين كل 66 ثانية».

ورصد المركز 474.250 منشورًا أهانت الفلسطينيين أو  طالبت بالعنف ضدهم، ومن بين المنشورات التي تتحدث عن العرب، كان 10% منهم يحضون على الكراهية، أو يدعون للعنف، مثل ارتكاب جرائم الاغتصاب والقتل ضدهم.

«تويتر» وقمع المعارضين

وانتقل الكاتب إلى الحديث عن موقع «تويتر» الذي لم يسلم بدوره من تسلط الحكومات القمعية، «على سبيل المثال، قبل يوم واحد من فتح تويتر لمكتبها الإقليمي في الإمارات، قُبض على الخبير الاقتصادي البارز ناصر بن غيث؛ بسبب تغريدة انتقد فيها حكومته، وكذلك انتقاده لحليف الإمارات، النظام المصري».

Embed from Getty Images

وقُبض على بن غيث في أبوظبي واقتيد إلى مكان غير معلوم، حيث مُنع من الاتصال بأسرته أو محاميه، كما مُنع علاجه الطبي لمدة ثمانية أشهر تقريبًا، حتى أول جلسة استماع، ثم حكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات».

ويتابع الكاتب: «لأن الخطر الذي الذي تمثله مواقع التواصل الاجتماعي، دعت «إمباكت» الشركات الرقمية العالمية إلى تبني معايير تحمي حقوق الإنسان لمستخدميها، ومن بينها حرية الرأى والتعبير للمعارضين».

وأردف كاتب المقال «وإدراكًا لسلطة الحكومات في السيطرة على سلوك المواطنين داخل حدودها، فقد دعت المنظمة أيضًا الحكومات إلى التعهد باحترام هذه المعايير، كما طالبت المواطنين والهيئات الدولية بالضغط عليها لتنفيذ ذلك ومراقبة تطبيقها لتلك المعايير».

ومع ذلك، «وبسبب أن استجابة الحكومات لهذه الدعوة ربما تستغرق بعض الوقت، ومن المرجح أن تكون متفاوتة. فيجب على هذه الشركات أن تتجنب إنشاء مقراتها ومكاتبها الإقليمية في البلدان التي تنتهك معايير حقوق الإنسان، والانتقال بدلًا من ذلك إلى دول أخرى تحترمها، مثل الدول الأوروبية الإسكندنافية» وفقًا لرأي الكاتب.

خطوات «مشجعة» لكنها لا تكفي

ويرى الكاتب أن «كلًّا من «فيسبوك» و«تويتر» قد اتخذتا مؤخرًا خطوات في الاتجاه الصحيح. ففي يوم الانتخابات الإسرائيلية، حظر «فيسبوك» «برنامج دردشة» من حساب حزب الليكود اليميني بزعامة نتنياهو؛ لانتهاكه القواعد الانتخابية، بعد أن حذرت رسالة نشرتها حملته من أن السياسيين العرب الإسرائيليين «يريدون القضاء علينا جميعًا»، وبالرغم من ذلك جرى تفعيل البرنامج مرة أخرى وتشغيله بسرعة».

وبالمثل، أوقف موقع «تويتر» حساب المستشار السعودي السابق «سعود القحطاني»، وإن يكن بعد قرابة عام من إقالته بسبب دوره المشتبه به في جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

وأفاد موقع «تويتر» أيضًا بأنه حظر 271 حسابًا دعائيًّا تابعًا لـ«أجهزة الإعلام الحكومية» في السعودية، بالإضافة إلى حسابات أخرى في الإمارات ومصر، ذات أنشطة مشبوهة.

ويرى الكاتب أن «هذه إجراءات مبكرة ومشجعة، لكن – بالنظر إلى السجلات السابقة لهذه الشركات– فهي ليست كافية. لقد تطور السوق العالمي إلى الحد الذي يجب فيه على الشركات متعددة الجنسيات أن تضع احترام «حقوق الإنسان» على قدم المساواة مع الأرباح. يجب عدم تمكين الكراهية والعنف وقمع المعارضة الإيجابية».

ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن «الخطوة الأولى التى يجب اتباعها هي مطالبة الشركات العالمية بالاعتراف بالسلطة التي تمارسها الحكومات عليها، واختيار مواقع مكاتبها في أماكن لا تصل إليها يد القمع الرسمي».

تحقيق: «دوت ديف» الشركة التي لعنها تويتر.. مصرية بأموال إماراتية يديرها شاب يَعْتَقِدُ أنه الرئيس القادم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد