تحوَّل موقع فيسبوك إلى نظَّارات مُبلَّلة بقوس قزح بعد قرار المحكمة الأمريكية العُليا يوم الجمعة باعتبار زواج الأفراد من نفس الجنس حقًّا دستوريًّا. بدأ مستخدمو فيسبوك الاحتفال بطلاء صورهم الشخصية بطبقةٍ من ألوان قوس قزح، على نحوٍ لم نشهده منذ مارس 2013 عندما غيّر 3 مليون شخص صورهم الشخصية إلى علامات المساواة الحمراء – وهي شعار منظمة هيومان رايتس كامبين  HRC- لدعم المساواة في الزواج. قدَّم فيسبوك هذه المرة وسيلةً بسيطةً لجعل الصور الشخصية مُلوَّنة بألوان قوس قزح، وغيَّر أكثر من مليون شخصٍ صورهم خلال الساعات القليلة الأولى وما يزال العدد في ازدياد كما يقول ويليام نيفيوس المُتحدِّث الرسمي باسم فيسبوك.

كتب Cesar Hidlago مهندس الشبكات بمعهد MIT أمس على فيسبوك مازحًا: «هذه على الأرجح تجربة يجريها فيسبوك». وكتبت Stacey Blasiola؛ طالبة الدكتوراة في هندسة الاتصالات بجامعة إلينوي، عندما غيَّرَت صورتها الشخصية: «هذه واحدة من دراسات فيسبوك التي أودُّ المشاركة فيها».

تطرح هذه التعليقات تساؤلًا خطيرًا: هل يُجري فيسبوك بحثًا من خلال خاصية الاحتفال بالفخر المثلي؟ لقد جذب علماء البيانات بفيسبوك أنظار العامة لإجرائهم تجارب على مستخدميه مثل متابعة حالاتهم المزاجية وسلوكياتهم الانتخابية. ولكن تلقَّى عملهم المُستمر نحو فهم أفضل للأفعال الجمعية والتغيير الاجتماعي الإلكتروني اهتمامًا أقل كثيرًا.

من الصعب أن ننظر إلى الكم الهائل من الفيديوهات التي يُعلن فيها أشخاص أنَّهم مثليون والمنشورة على يوتيوب يوم الجمعة، ثم نعتبر النشاط الإلكتروني غير هام. إنَّ النشاط الإلكتروني الكسول (Slacktivism) المُتمثِّل في تغيير الصورة الشخصية هام بسبب المخاطر الشخصية التي قد تترتَّب عليه من ناحية، ولأنَّه قد يساهم في إحداث تغييرات في التقبُّل الاجتماعي للأشخاص مثليي الجنس ومزدوجي الجنس والمتحوِّلين جنسيًّا. بينما قد يقول البعض إنَّ الصورة الشخصية المُلوَّنة بألوان قوس قزح طريقة كسولة لإظهار الدعم، إلَّا أنَّها قد تكون فعلًا شُجاعًا للغاية من جانب الشخص الذي يُغيِّر صورته الشخصية.

ما الذي يجعل الناس تشارك في تغييرٍ اجتماعي خطير ومُكلِّف؟ وهل يكون الناس أكثر ميلًا للمشاركة إذا شارك أصدقاؤهم كذلك؟

كانت هذه هي الأسئلة التي طرحها عالِم الاجتماع بجامعة ستانفورد «دوجلاس ماك آدم» في بحثه عن حركة «صيف الحرية» للحقوق المدنية عام 1946 من أجل تسجيل الناخبين السود. وجد ماك آدم في نموذج إحصائي أنَّ أكبر مؤشرات انخراط الأفراد في «صيف الحرية» هي: المزيد من الانتماء للمنظمات، ومستويات أعلى من النشاط السابق في حركة الحقوق المدنية، وروابط أقوى وأكثر توسُّعًا مع المشاركين الآخرين. أي أنَّ مَن كان لهم المزيد من الأصدقاء المشاركين، كانت احتمالية استمرارهم في النشاط أكبر.

عندما درس باحثو فيسبوك كيفية انتشار دعم المساواة في الزواج على شبكة التواصل الاجتماعي، أشاروا إلى بحث ماك آدام وصيف الحرية باعتبارهما مصدرًا هامًّا للإلهام. على الرغم من دراسة ماك آدام فيما بعد لبنية الشبكات الاجتماعية، إلَّا أنَّ البيانات الخاصة بحركة صيف الحرية لم تستطِع الإجابة على السؤال عمَّا إذا كانت رؤية الآخرين يتحرَّكون تُحفِّز المرء على الانخراط في الأمر. ولكن في مارس 2013 رأى باحثو فيسبوك تغيير الملايين من المستخدمين لصورهم الشخصية فرصةً لتقييم كيفية انتشار المشاركة.

حلَّل «بوجدان ستيت»؛ طالب الدكتوراة بجامعة ستانفورد، و«لادا آداميك»؛ عالِمة البيانات بفيسبوك، العوامل التي تتنبَّأ بدعم الشخص للمساواة في الزواج على فيسبوك في مارس 2013. وبحثا في العوامل التي تساهم في تغيير الشخص صورته الشخصية إلى علامة المساواة الحمراء. وسألا في دراستهما: كم مرة يجب أن ترى صديقًا يُغيِّر صورته الشخصية قبل أن تُقرِّر تغيير صورتك؟ ووضعا فرضيتين متنافستين؛ الأولى أنَّ التغييرات تنتشر مثل الصور المضحكة والميمات الإلكترونية الأخرى، والثانية أنَّ الناس يحتاجون إلى رؤية الآخرين يقومون بالتغيير قبل أن يتبعوهم، أي أنَّ التعرُّض المُتعدِّد للسلوكيات «المُكلِّفة» أكثر فعاليةً في العزم على تبنِّيها.

صنَّف باحثو فيسبوك الصور الشخصية لأكثر من 3 ملايين مستخدمًا في مارس 2013، بالإضافة إلى 106 مليون مستخدم تعرَّضوا لتلك التغييرات، لاختبار الفرضيتين المتنافستين ولتطوير نموذج جديد لكيفية انتشار التضامن من شخصٍ إلى آخر. ثم تنبَّؤوا باحتمالية تغيير شخصٍ ما صورته الشخصية إلى صورة المساواة، استنادًا إلى عدد الأصدقاء الذين رآهم يقومون بهذا التغيير. وجد ستيت وآداميك أنَّ احتمالية تغيير المرء لصورته الشخصية كانت أكبر عند التعرُّض للمزيد من تغيير الأصدقاء لصورهم، برغم تنوُّع تلك الاحتمالية بناءً على عدة عوامل -مثل الانتماءات السياسية والدين والعُمر-.

لكن وجد ستيت وآداميك فرقًا كبيرًا بين كيفية انتشار معظم المعلومات على فيسبوك وبين وضع صورة المساواة في الزواج. فبينما يسارع المستخدمون في نشر الصور المضحكة والنصوص المضحكة، يبدو أنَّ المستخدمين كانوا يحتاجون إلى «ضمان اجتماعي» قبل الانضمام في حملة صور المساواة في الزواج، أي كانوا يحتاجون إلى معرفة أنَّ الآخرين يدعمون المساواة في الزواج كذلك. ومع ازدياد مَن يُغيِّرون صورهم الشخصية، ازدادت احتمالية أن يفعل مَن رأوا أصدقائهم يُغيِّرون صورهم الأمر ذاته. تُثير تلك النتائج تساؤلًا: هل أثَّر مستخدمو فيسبوك حقًّا في أصدقائهم أم أنَّهم قد اختاروا بالفعل أصدقاءً يشاركونهم الآراء؟ هذه إحدى أكبر أحجيات البحث في مجال شبكات التواصل الاجتماعي، ولم يُجِب عليه ستيت وآداميك.

يُعتبَر قرار المحكمة العُليا بإقرار المساواة في الزواج يوم الجمعة حدثًا استثنائيًّا، وفرصةً أخرى لفهم كيفية انتشار التضامن في الشبكات الاجتماعية. احتفل العديد من الناس بالقرار على مواقع التواصل الاجتماعي، وهاجمه آخرون، وفضَّل آخرون الصمت على المخاطرة بالاصطدام بالأصدقاء والأسرة. هناك عامل آخر قد يكون هامًّا وهو دوامة الصمت التي يُبقي فيها مَن يعتقدون أنَّهم من بين الأقلية آراءهم السياسية سرًّا.

إذًا هل خاصية الاحتفال بالفخر المثلي على فيسبوك تجربة تُجرَى على المستخدمين؟ قال نيفيوس؛ المُتحدِّث الرسمي باسم فيسبوك إنَّ الخاصية قد صمَّمها مُتدرِّبان في هاكاثون أقامته الشركة مؤخرًا. أتاحها فيسبوك لكل المستخدمين عندما لاقت رواجًا بين الموظَّفين، وتلازم ذلك مع قرار المحكمة العُليا وفاعليات عالمية أخرى للفخر المثلي. ولكنَّها ليست جزءًا من تجربةٍ تتضمَّن التحكُّم فيما يراه مستخدمو فيسبوك المختلفون.

حتى إذا لم تكُن خاصية الاحتفال بالفخر المثلي تجربةً عشوائية، يمكن لباحثي فيسبوك استعادة بيانات المستخدمين في المستقبل لاختبار النظريات التنبُّئية. من الفرضيات التي يمكن لباحثي فيسبوك اختبارها هي احتمالية انتشار استخدام طبقة ألوان قوس قزح لكونها مثيرة للاهتمام أكثر من كونها تضامنًا مثل ما حدث في مارس 2013، لأن تغيير الصورة الشخصية للاحتفال بالفخر المثلي في 2015 أصبح أقل خطورةً بعد قرار المحكمة العُليا.

أحيانًا ما تأتي التغييرات الكبيرة مثل القوانين الجديدة وقرارات المحكمة العُليا بعوامل «خارجية» توضِّح السببية التي تُتيح إجراء «تجارب طبيعية». يمكن للباحثين اختبار الأسئلة الخاصة بالسببية بواسطة البيانات قبل قرار المحكمة العُليا وبعده، دون التحكُّم في تجربة المُستخدِم. يمكن لفيسبوك مثلًا اختبار ما إذا كان أثر قرار المحكمة العُليا على الأزواج المثليين يختلف باختلاف عدد أصدقائهم الذين شاركوا صور ألوان قوس قزح، إذ أنَّ إعلان المثلية أو استغلال حق الزواج سيظلَّان أفعالًا شجاعة حتى مع تشريع زواج الأفراد من نفس الجنس في كافة أنحاء الولايات المتحدة، فربما تكون احتمالية زواج المتحابين الذين لديهم عدد قليل من الأصدقاء الداعمين أقل.

تخضع الأفعال الإلكترونية التي تبدو صغيرة – مثل الضغط على زر «أعجبني» أو تغيير الصورة الشخصية – للتعقُّب والتحليل، وقد ساعدنا بحث فيسبوك السابق عن المساواة في الزواج على الإجابة على سؤال يواجهنا جميعًا عندما نُقرِّر اتخاذ فعل سياسي وهو؛ هل للشجاعة في دعم المرء لما يؤمن به علنًا – وإن كان افتراضيًا – أثر على شبكته الاجتماعية؟ أم أنَّها مُجرَّد سلوك رخيص غير مؤذي؟ ربما ستصبح ألوان قوس قزح المنتشرة في فيسبوك جزءًا من الإجابة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد