نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا للصحافي ديكلان والش مدير مكتب الصحيفة في القاهرة والكاتب الليبي سليمان علي زواي، تناول الاشتباكات القائمة بين ميليشيات مسلحة في العاصمة الليبية طرابلس. وذكر التقرير أن المعركة لا تقتصر على إطلاق النار في الشوارع فقط، وإنما هناك معركة موازية لا تقل خطورة قائمة على «فيسبوك».

حروب الكيبورد وتجارة غير قانونية

مع سقوط الصواريخ على أجزاء في العاصمة الليبية وإغلاق مطارها وفرار 400 سجين، ظهر «مقاتلي الكيبورد». تمتلئ منشورات هؤلاء على صفحات فيسبوك بالتفاخر، والتهكم، والتهديدات المخيفة، كما يقوم بعض هؤلاء بنشر الأخبار المزيفة والكراهية.

إضافة إلى ذلك، يستخدم البعض فيسبوك لإعطاء توجيهات في ساحة المعركة، فقط نشر أحد الحسابات خرائط وإحداثيات في إحدى الصفحات النقاشية للمساعدة في توجيه قنابل إحدى الجماعات نحو قاعدة جوية تابعة لأحد الخصوم.

«تبلغ المسافة من الإشارة الضوئية في وادي الربيع إلى المدرج 18 كيلومترًا بالضبط، مما يعني أنه يمكن استهدافها بمدفع عيار 130. الإحداثيات مرفقة في الصورة أدناه»، هذا ما نشرته مستخدمة باسم «Narjis Ly» على فيسبوك. تمتلك شبكات التواصل الاجتماعي نفوذًا كبيرًا في ليبيا، وهي ذات كثافة سكانية منخفضة، لكنها تعاني تمزقًا عنيفًا بوجود عدد كبير من الجماعات المسلحة التي تتنافس على الأرض والشرعية، وذلك عبر القتال في الشوارع أو عبر الهواتف الذكية.

أشار تقرير نيويورك تايمز إلى أن فيسبوك لا يعكس حالة الفوضى فحسب، لكنه وسيلة لمضاعفة القوة كذلك؛ إذ تستخدمه الجماعات المسلحة للعثور على المعارضين والنقاد، ومن ثمّ يتعرض بعض هؤلاء للاحتجاز أو القتل أو النفي خارج البلاد، وفقًا لجماعات حقوق إنسان ونشطاء ليبيين.

يتباهى بعض القادة كذلك بمآثرهم في ساحات القتال وبعطلاتهم الفاخرة، أو يحشدون أنصارًا من خلال زرع الانقسام والكراهية العرقية. يتم نشر الوثائق المزورة على نطاق واسع، والتي تهدف في الأغلب إلى تقويض المؤسسات الوطنية القليلة المتبقية في ليبيا، وبالأخص المصرف المركزي.

يخضع فيسبوك مؤخرًا لتدقيق عالمي فيما يتعلق بتسببه في تضخيم التلاعب السياسي والعنف. في يوليو (تموز) الماضي بدأ فيسبوك في حذف المعلومات المضللة من صفحاته كرد فعل للحوادث التي وقعت في كل من سريلانكا وميانمار والهند: إذ تسببت شائعات على الإنترنت في وقوع عنف حقيقي ضد أقليات عرقية.

تصر شركة فيسبوك على أنها تراقب منصتها في ليبيا: إذ تُعيّن فِرَقًا من مراجعي المحتوى العربي من أجل تطبيق سياساتها، وتُطوِر نظام ذكاء اصطناعي لإزالة المحتوى المحظور بشكل استباقي قبل نشره، وتعقد شراكات مع منظمات محلية وجماعات حقوق إنسان دولية لفهم ما يحدث في ليبيا بشكل أفضل. تقول متحدثة باسم الشركة «نحن كذلك لا نسمح للمؤسسات أو الأفراد المتورطين في أنشطة تهريب البشر أو العنف المنظم بالبقاء على فيسبوك».

على الرغم من ذلك لا تزال الأنشطة غير القانونية منتشرة عبر فيسبوك في ليبيا؛ فقد وجدت صحيفة نيويورك تايمز أدلة على تجارة الأسلحة العسكرية علنًا على فيسبوك، على الرغم من سياسات الشركة التي تمنع مثل هذه التجارة.

يستخدم بعض مهربي البشر فيسبوك للترويج لأعمالهم، ويعلنون عن نجاحاتهم في مساعدة المهاجرين غير الشرعيين على الوصول إلى أوروبا عن طريق البحر. في الواقع، فإن كل جماعة مسلحة في ليبيا، بل بعض مراكز الاحتجاز التابعة لها كذلك، تمتلك صفحة خاصة بها على فيسبوك. وقد قامت الشركة بإزالة العديد من الصفحات والمنشورات بعد أبلغت نيويورك تايمز عنها إلى المتحدثة الرسمية، لكن لا يزال هناك صفحات ومنشورات أخرى.

وقال محمود شمام، وزير الإعلام السابق بالمجلس الوطني الانتقالي، عقب اندلاع الاشتباكات في ضواحي طرابلس «الحرب القذرة الأخطر تشن الآن على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية. كذب وتزوير وتضليل وخلط أوراق. جيوش إلكترونية يملكها الجميع ويستخدمها الجميع دون استثناء، إنها الحرب الأشد فتكًا». وقد أطلق شمام هذا التصريح – بطبيعة الحال – على فيسبوك.

قوة صنعت الوحدة.. ثم الشقاق

ساعد فيسبوك الليبيين على الاتحاد في عام 2011 للإطاحة بالعقيد معمر القذافي، والذي منع الناس لعقود من شراء أجهزة الفاكس أو حتى الطابعات دون إذن رسمي. حتى ذلك الحين كان فيسبوك يُساء استخدامه؛ فقد أثار حملة كراهية موجهة نحو من كان يُشتبَه في أنهم من أنصار القذافي، كما تسبب في سجن مهاجرين أفارقة أو إعدامهم. وتسبب فيسبوك كذلك في نزوح جميع سكان بلدة تاورغاء البالغ عددهم 30 ألفًا للنجاة بحياتهم، والذين يعيش معظمهم الآن في مخيمات اللاجئين.

وذكر تقرير نيويورك تايمز أن تأثير فيسبوك الضخم هو – إلى حد كبير – نتاج خلل وظيفي في ليبيا، فهي بلا سلطة مركزية، وترتبط معظم المحطات التلفزيونية والصحف بجماعات مسلحة أو فصائل سياسية أو قوى خارجية مثل قطر والإمارات. يقضي الكثير من الليبيين ساعات طويلة داخل منازلهم؛ لأن خروجهم منها قد يعني تعرضهم للخطر، ويمكن أن تنقطع الكهرباء لمدة 12 ساعة في اليوم؛ لذلك يلجأ الليبيون إلى فيسبوك لمعرفة ما يجري.

يقول جلال حرشاوي، وهو محلل لدى مؤسسة شمال أفريقيا لاستشارات المخاطر مقيم في باريس «الهاتف قد يكون هو الشيء الوحيد الذي يعمل. يعاني الناس من صدمة بعد سنوات من الأخبار المزورة في عهد القذافي؛ لذلك فهم متعطشون للحقيقة».

يصل عدد مستخدمي فيسبوك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 181 مليون شخص شهريًا، وفقًا لمتحدثة باسم فيسبوك والتي أجابت على الأسئلة عن طريق البريد الإلكتروني، بشرط عدم الكشف عن هويتها استجابةً لسياسة فيسبوك، والتي تقول الشركة أنها وضعتها لأسباب أمنية. الوصول إلى هذا العدد الضخم من المستخدمين يجعل فيسبوك أداة قوية للدعاية والقمع بالنسبة للفصائل المسلحة الليبية.

وفي مدينة بنغازي، التي يهيمن عليها اللواء خليفة حفتر، تقوم وحدة خاصة تابعة لميليشياته بالبحث عبر فيسبوك عن المعارضة أو الإسلاميين المشتبه بهم. وبالفعل، اعتُقل بعض هؤلاء وسُجنوا، واضطر آخرون للفرار من بنغازي، وفقًا لجمعيات لحقوق الإنسان.

ولا يختلف الوضع كثيرًا في طرابلس، حيث تقوم قوة الردع الخاصة، وهي ميليشيا يقودها القائد الإسلامي المحافظ عبد الرؤوف كارة، بتجول فيسبوك بحماس أخلاقي يُذكّر بالشرطة الدينية السعودية التي حظت بهيبة كبيرة من قبل. وقد اعتقلت ميشيليا قوة الردع في العام الماضي 20 مشاركًا في نسخة ليبية من «Comic-Con»، وهو مؤتمر لكتب القصص المصورة «الكوميك». وقد عبّر بعض أعضاء الميليشيا عن غضبهم بسبب الصور التي نُشرَت على فيسبوك والتي تصور شبابًا ليبيين يرتدون أزياء شخصيات مثل «سبايدر مان» أو «الجوكر». وقد قال بعض المعتقلين إنهم تعرضوا للضرب خلال فترة اعتقالهم.

في شهر أغسطس (آب) عام 2017، تعرضت كاتبة تُدعى ليلى مغربي لعاصفة من الهجمات على فيسبوك بسبب بعض القصص القصيرة والشعر الذي كتبته. من بين التعليقات التي تلقتها، قال أحدهم: «أتمنى أن يتم قتلك، لا اعتقالك». وقد استنكر ثلاثة رجال دين مسلمين ما فعلته الكاتبة في خطب مدوية انتشرت على فيسبوك. بعد ذلك انتشر خبر عن أن قوة الردع الخاصة ستأتي لاعتقالها؛ فركبت ليلى سيارتها مع زوجها وأولادها وفرّوا إلى تونس. تقول ليلى عبر الهاتف: «لقد تركنا كل شيء وراءنا».

لكن الناشط البالغ من العمر 30 عامًا جبار زين لم يكن محظوظًا ليغادر البلاد. كان زين ناشطًا بارزًا على فيسبوك، لكنه لم يُشاهد منذ اختطفته إحدى الميليشيات في سبتمبر (أيلول) من عام 2016، وفقًا لـ«منظمة العفو الدولية» التي قالت إنه كان مستهدفًا بسبب تصريحات نشرها على فيسبوك.

تجدر الإشارة إلى أن منظمة العفو الدولية قد وثقت عدة حالات من هذا النوع: ففي عام 2014 قتل إسلاميون مشتبه بهم ناشطيْن علمانيين مراهقين في بنغازي، وهما: توفيق بن سعود، وسامي الكوافي، بعد أن وُضعت أسماؤهما على قائمة على فيسبوك بأشخاص مطلوب قتلهم.

تهديد بالقتال

كان الصراع الأخير في طرابلس هو الأسوأ منذ سنوات؛ فقد شهد في أسبوعه الأول فقط مقتل 47 شخصًا على الأقل بما فيهم أطفال، وأكثر من 130 جريحًا، وفقًا لمسئولين في الصحة. وقد فرّ أكثر من 400 سجين في 2 سبتمبر الجاري، بعد أن تمكنوا من التغلب على الحراس. تشكل الفوضى تهديدًا متزايدًا لحكوم الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة، والتي أعلنت حالة الطوارئ في العاصمة طرابلس.

على الرغم من أن طرابلس بدت هادئة هذا العام، إلا إن القلق العام قد ازداد تجاه الميليشيات الأربع الكبرى التي تسيطر على المدينة تحت مظلة حكومة الوحدة الهشة، التي يرأسها فايز سراج. يرى الكثيرون أن قادة الميليشيات فاسدون ولا يخضعون للمساءلة، ويستغلون وصولهم إلى المصرف المركزي لشراء الدولارات الأمريكية بسعر الصرف الرسمي، وهو أرخص خمس مرات من سعر الشارع.

وقد لفت هيثم التاجوري، قائد بكتيبة ثوار طرابلس، الانتباه عندما نشر صورًا على فيسبوك يتباهى فيها بحياته المترفة من عطلات خارج البلاد وبدلات من أشهر العلامات التجارية وسيارات مصفحة، في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من الليبيين من ضائقة اقتصادية.

ساعدت عروض التباهي تلك على إشعال مشاعر الاستياء بين المجموعات المتنافسة التي تسعى لأخذ نصيب من الكعكة. في وقت مشاركة مقاتلي ميليشيا تسمى «الكانيات»، من مدينة ترهونة التي تبعد 45 ميلًا جنوب شرق طرابلس، في القتال في طرابلس، سعت إلى استغلال الغضب العام ووصفت منافسيها بـ«داعش المال العام» ووعدوا بتطهير ليبيا منهم.

يقول حرشاوي: إنه على الرغم من أن دوافع الفصائل الليبية لا تقتصر على ما تراه على موقع فيسبوك، إلا أنه يمكن أن يكون «القشة التي قصمت ظهر البعير».

التغلب على الرقابة

يمتلك فيسبوك مراجعين للمحتوى العربي، والذين يقومون بإزالة المحتوى غير القانوني على الصفحات الليبية، وهم جزء من فريق عالمي يعمل بأكثر من 50 لغةً، بحسب ما قالت الشركة.

وقالت المتحدثة باسم فيسبوك: «نحن نعمل بجد لإبقاء فيسبوك آمنًا، ولمنع الناس من استخدام أدواتنا لنشر الكراهية أو التحريض على العنف». وأوضحت كذلك أن الشركة تعمل مع أكاديميين ومنظمات المجتمع المدني من أجل فهم القضايا السياقات المحلية بشكل أفضل، حتى تتمكن من اتخاذ إجراءات أكثر فعالية ضد من يسيئون استخدام فيسبوك.

لكن الليبيين، بحسب تقرير نيويورك تايمز، بارعون في التغلب على مثل هذه الضوابط؛ فغالبًا ما يأخذون لقطات مصورة «screenshots» للمشاركات المثيرة للنزاع، ويعيدون نشرها كصُوَر إذا ما تمت إزالة النص الأصلي من جانب المشرفين على فيسبوك.

على الرغم من أن فيسبوك يحظر بيع الأسلحة النارية بين الأفراد على منصته، إلا أن العديد من الصفحات تقدم نفسها كمتجر إلكتروني للأسلحة. في صفحة باسم «سوق ليبيا للأسلحة»، يعلن الباعة عن الرشاشات والمدافع المضادة للطائرات وقذائف المدفعية. وفي الشهر الماضي – على سبيل المثال – نشر أحد المستخدمين صورة لرشاش من طراز PM الروسي، قائلًا: «أرسل لي إن كنت جادًا في الشراء».

وقالت إدارة فيسبوك: إنهم قاموا بحذف هذه المنشورات، إلى جانب صفحتين أخريين، أشارت إليهما صحيفة نيويورك تايمز، واللتين أعلنتا عن خدمات لتهريب المهاجرين غير الشرعيين في قارب إلى أوروبا. وقالة المتحدثة باسم فيسبوك: «إنهم يحققون ليتوصلوا لماذا لم يتخذوا إجراءً مبكرًا بشأنهما من قبل».

وقد قام فيسبوك بتطوير أدوات للبحث عن المحتوى المحظور؛ حتى يتسنى للمشرفين إزالتها. وقالت المتحدثة: إن هذه الأدوات تمكنت من التعرف على 85% من «المحتوى العنيف» الذي حُذِف أو تم إعطاؤه شارة تحذير في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2018. لكن هذه الأدوات يصعب عليها تحديد المخالفات الأكثر دقة مثل خطاب الكراهية أو التهديدات العنيفة، والتي يتم الإبلاغ عنها في الأغلب من قِبل المستخدمين. يمكن أن يؤدي ذلك إلى إبطاء عملية إزالة المحتوى المخالف، خاصة في المناطق التي قد يكون سكانها أقل ميلًا للإبلاغ عن مثل هذا المحتوى.

عكس الفيسبوك الانفتاح غير العادي للمجتمع الليبي في عام 2011، بعد أربعة عقود من الدكتاتورية في عهد القذافي، بحسب ما قالت ماري فيتزجيرالد، وهي باحثة مستقلة في الشأن الليبي.

تقول فيتزجيرالد: «كان الجميع على فيسبوك. كانت هناك محادثات غزيرة والكثير من النقاش». لكن بمرور السنوات، أصبح الأشخاص الذين يقودون النزاع يتحدثون عن كيف تعتبر وسائل الإعلام الاجتماعية أحد أهم أسلحتهم. أدى ذلك – وفقًا لفيتزجيرالد – إلى ازدواجية عميقة بين العديد من الليبيين تجاه وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمونها بكثرة.

وأضافت فيتزجيرالد: «على مدار السنوات السبع الماضية، كثيرًا ما سمعت أشخاصًا يقولون إنهم إذا تمكنوا من إيقاف فيسبوك لمدة يوم واحد، فستحل نصف مشاكل البلاد».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد