كان إعلان فيسبوك عن المساعد الشخصي الالكتروني “إم” M الذي سيكون جزءًا من برنامج ماسنجر للمحادثة بمثابة تحذير شديد اللهجة لجوجل.

فلو استطاعت فيسبوك أن تقدم خدمات إم لكل عملائها (وقد يكون منهم مستخدمو واتسآب أيضًا) فسيكون ذلك بمثابة تهديد مباشر لخدمات البحث والإعلان الموجه، وهو عَصب أعمال جوجل.

لفهم كيف يشكل مساعد شخصي رقمي داخل برنامج محادثات تهديدًا لجوجل فسنشرح بدايةً كيف وصلت جوجل لذلك الموقف.

13899375476_b66c8b55be_b

جوجل تواجه معضلة المبتكر الكلاسيكية

معضلة المبتكر Innovator’s Dilemma هي مشكلة تواجهها الشركات التي تملك منتجات شديدة النجاح. فتركز الشركة على تلبية احتياجات المستخدمين حاليًا فضلًا عن تطوير تكنولوجيا جديدة، فتقوم شركة أخرى بتطوير نسخة مبتكرة تلبي الاحتياجات المستقبلية وتستحوذ على هؤلاء المستخدمين.

بنى عملاق التكنولوجيا المنضم حديثا تحت راية شركة ألفابيت عملًا ضخمًا حول الإعلانات الموجهة AdWords، وتم جني أرباح تقدر بمليارات الدولارات من تلك الخدمات عبر تاريخ وجودها.

تربح جوجل من نطاق عملها الرئيسي ذاك أرباحًا هائلة بقدر يكفي أن يموّل وحده أفكار جوجل وطموحاتهم العالية مثل الاستثمار في البنية التحتية للإنترنت وأبحاث إطالة العمر والحقيقة المدمجة، بالإضافة إلى السيارات التي تسير بدون قائد.

إن ماكينة النقود الضخمة المتمثّلة في إعلانات جوجل الموجهة AdWords مبنية على محرك بحث رائع وسريع لدرجة أن معظم سكان العالم المتصلين بالإنترنت يعتمدون عليه يوميًا لاستخراج معلومات أو البحث عن المنتجات والخدمات التي يحتاجونها من الإنترنت.

وهنا بالضبط يكمن لُب القضية، ففي مكان ما مختبئ في خفايا ثقافة الشركة المتراكمة، فإن جوجل تعلم أن البحث باستخدام الكلمات المفتاحية – وهو الأساس الذي تبنى عليه جوجل إمبراطوريتها – ليس هو مستقبل البحث.

فمثلا، المدير التنفيذي لياهو ماريسا ماير قالت لجون باتيل John Battelle عندما كان يكتب كتابًا عن جوجل منذ سنوات وكانت وقتها ما زالت تعمل في جوجل: “لم نحل إلا 5٪ فقط من المشاكل المرتبطة بالبحث على الإنترنت”.

ورغم إضافة يوتيوب والخرائط وقاعدة معرفية Knowledge إلى تكنولوجيا البحث في جوجل بعد أن قالت ماير ذلك الكلام، إلا أن تلك الجملة مازالت صحيحة اليوم كما كانت وقتها، فمازال البحث في جوجل عبارة عن إضافة بعض الكلمات إلى مربع البحث والحصول على قائمة بالروابط المتعلقة بكلمات البحث.

وحيث أن لاري بيج وسيرجي برين يتطلعان للمستقبل برؤية حالمة، فهما يعرفان أن مستقبل البحث لن يكون عبارة عن مجموعة من الروابط بل سيكون أكثر شبهًا بكومبيوتر فيلم ستار تريك أو نسخة مبسطة من A.I. في فيلم Her.

لكن السفن التي تحمل مليارات الدولارات من القيمة السوقية يصعب تغيير اتجاهها فحسب قول أحد مهندسي Google Now السابقين مارك برجن Mark Bergen مؤخرًا بعد صراع سياسي داخلي أدى إلى تغيير في موظفي الشركة تسبب في فقد Google Now لقوته كمشروع داخل الشركة: “هذه هي الطريقة التي تعمل بها الشركات الضخمة”.

وكان للرحيل الجماعي المتلاحق داخل فريق Google Now تأثير سيء على حصة جوجل في المساهمة في مستقبل البحث. حيث أن Google Now كان هو أقرب منتجات جوجل حتى الآن لما سيكون عليه شكل البحث في المستقبل.

فالبحث في المستقبل سيكون على هيئة مساعد رقمي ذكي يستطيع تنفيذ المهام.

فسيكون محرك البحث في المستقبل يشبه ما تقوم به جوجل حاليًا في أنه سيقوم بالبحث والتنقيب داخل صفحات الإنترنت عن المعلومات المرتبطة بموضوع البحث وتوصيلها لك في أجزاء من الثانية.

ولكنه سيختلف كثيرًا عما تقوم به جوجل حاليًا في أنه سيتعامل كمساعد شخصي رقمي حيث سيفهم ويتوقع احتياجاتك، ويوصلهم إليك دون أن تحتاج أن تذهب إلى أي موقع على الإنترنت أو أن تستخدام تطبيقات مختلفة.

فعندما تسأل عن شيء ما، فلن يقوم محرك البحث بالرد بمجموعة روابط. بل سيرد بنتائج محددة أو مهام تم تنفيذها. وعندما لا يملك محرك البحث نتائج محددة أو يفشل في إكمال تنفيذ المهمة في المحاولة الأولى، سيقوم بطرح أسئلة ليقترب أكثر وأكثر حتى يتمكن من تحقيق ذلك الهدف بصورة صحيحة.

لتوضيح الأمر سنورد بعض الأمثلة لطريقة التعامل مع محرك البحث في المستقبل:

السيناريو الأول: رحلة الطيران القادمة

محرك البحث: أهلا دان، لديك رحلة طيران اليوم لنيويورك. وستبدأ إجراءات الصعود للطائرة بعد 90 دقيقة، وحالة المرور بينك وبين المطار سيئة الآن على غير العادة. هل تريد أن أطلب لك سيارة الآن لتصل للمطار في موعد مناسب؟

دان: فكرة جيدة. نعم، قم بذلك.

محرك البحث: يبدو لي أنك بالمكتب الآن. هل أطلب مجيء السيارة هنا؟

دان: نعم. سيكون ذلك شيئا ممتازًا.

محرك البحث: هل أستخدم بطاقة أمريكان إكسبريس لدفع التكلفة؟

دان: لا، استخدم البطاقة الدائنة.

محرك البحث: تم. ستأتي السيارة في خلال دقيقتين.

السيناريو الثاني: إصلاح السيارة

محرك البحث: أهلا دان، أخبرتني سيارتك أنه يجب تغيير تيل الفرامل. هل تريد أن أحدد لك موعدًا للصيانة؟

دان: رائع أنك أخبرتني. أرجو أن تقوم بذلك.

محرك البحث: هناك خمسة مراكز صيانة لهم سمعة طيبة في قطر ميل ونصف حول منزلك. هل تريد معرفة أسعار خدماتهم؟

دان: نعم.

محرك البحث: يبدو أن مركز جاي هو الاختيار الأرخص، لكن لا يوجد لديهم مواعيد قبل خميس الأسبوع القادم الساعة الثالثة والنصف عصرًا. مركز جيم سيكلفك 30 دولار أكثر لكنك من الممكن أن تذهب له غدًا الساعة الحادية عشر صباحًا أو الثانية والنصف بعد الظهر. ماذا تفضل؟

دان: أفضل الذهاب لجيم غدًا الساعة الحادية عشر.

محرك البحث: تم الحجز عند جيم الساعة الحادية عشر. وسأخبرك غدًا عندما يحين موعد التحرك.

مستقبل البحث سيشبه كثيرًا فيسبوك إم

قد نما إلى علمنا منذ فترة أن فيسبوك تعمل بقوة في مجال التعلم العميق deep learning وأشكال أخرى من الذكاء الصناعي، لكننا لم نكن نعلم ماذا سينتج عن ذلك حتى الشهر الماضي.

الآن عرفنا. ففيسبوك تعد الآن لإطلاق مساعد رقمي يعتمد على تكنولوجيا الذكاء الصناعي داخل برنامج ماسنجر. يستطيع ذلك المساعد الرقمي أن يحجز مواعيد ويشتري هدايا ويقوم بحجز مطعم أو رحلة وأكثر.

لن يستطيع المساعد الذكي من فيسبوك أن يقوم بأي من السيناريوهات السابق عرضها بدون تكنولوجيا البحث والتطابق بالإضافة لإمكانية الوصول للتقويم الشخصي والبريد الإلكتروني. ولكن فيسبوك إم رسميًا منافسًا لتلك التطبيقات.

ومن المفيد لفهم لماذا يشكل فيسبوك إم والمنتجات الشبيهة تهديدًا لجوجل أن نشرح كيف وصل برنامج الإعلانات الموجهة AdWords ليصبح ذا قيمة عالية بهذا الشكل:

احتل البحث على الإنترنت منذ فترة طويلة دور الوسيط بين رغبة الشخص وتنفيذ الصفقة التي يحقق بها تلك النية.

قد تكون تلك الصفقة لشيء مجاني مثل قراءة مقال أو تدوينة. ووقتها يكون المقابل هو جذب الانتباه.

أو قد تكون شيئا بين المجاني والمدفوع، مثل تنزيل محتوى معين مقابل الحصول على بعض البيانات الشخصية.

أو أن تكون شيئًا بمقابل مادي مثل شراء منتج أو خدمة من على الإنترنت.

ولأن جوجل تتحكم في الوسط بين الرغبة وتحقيقها، فتقوم بتحصيل مقابل مادي كبير من الشركات أو المؤسسات التي تريد الانتشار. فنظرية عمل جوجل هي “إذا كنت تريد أولئك المهتمين بمنتجك أو خدمتك من الوصول إليك. ادفع لي مقابل ذلك”.

لكن المساعد الشخصي الذكي الذي سيقوم بتنفيذ تلك الصفقة بنفسه، سوف يشوش على تلك العملية.

فإذا كان بإمكانك أن تطلب من المساعد الرقمي شراء تذاكر للسينما أو طلب بيتزا أو تحديد موعد لإصلاح السيارة أو أن يأتي لك بأسعار وثيقة تأمين، فلن يعود هناك داعٍ للضغط على رابط أو الدخول إلى موقع معين على الإنترنت.

فلا يوجد مكان للإعلان الموجه بدون تلك الصفحة المليئة بالروابط، والتي تقع بين نيتك وإتمام الصفقة. طريقة عمل البحث ستختلف كليةً .. وللأبد.

فيسبوك إم هو أحد المتنافسين في تحديد شكل البحث في المستقبل. فهل تكون جوجل/ألفابيت بينهم؟

لا أدري ما هي المسؤوليات والمهام التي أوصى بها لاري بيج سوندار بيتشاي عندما سلمه مفاتيح مكتب إدارة جوجل لكنها ستكون مفاجئة لو كان من ضمنها تقليل أهمية الإعلانات الموجهة AdWords.

ولن يكون من السهل توقع كيف ستقوم جوجل تحت إدارة بيتشاي بصناعة مستقبل البحث داخلها خاصة مع انسحاب فريق Google Now من الشركة بسبب القرار الإداري بتقليل الاهتمام بذلك المشروع.

وإلى جانب فيسبوك إم نجد هؤلاء الفاعلون المحتملون:

  • أبل سيري: تزامنًا مع غياب دوافع ستيف جوبز العميقة للثأر من جوجل، فشلت أبل في تضخيم دور سيري في السيطرة على السوق حتى الآن. رغم ذلك يجب أن نعترف بأن سيري شهدت تحسنات جوهرية مع iOS 9. وقد نرى مع اقتراب ظهور سيارة أبل تطورًا كبيرًا قادمًا في ذلك المشروع الذي بدأ كمشروع بين وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (DARPA) مع معهد بحوث SRI ثم خرج ليتحول لمنتج شركة أبل.
  • مايكروسوفت كورتانا: افتقدت مايكروسوفت تحت إدارة بالمر الرؤية التي تسمح لكورتانا أن تصل لنهاية منطقية. لكنها الآن تملك مساعدًا شخصيًّا ذكيًّا متطورًا يمكنٌّها من القيام بدور كبير في ذلك المجال. بالطبع يمتلكون النية لذلك لكنهم يحتاجون لجني خبرة وأسرار التعامل مع الأجهزة المحمولة وهو ما قد يحتاج بعض الوقت والمجهود.
  • سلاك بوت Slackbot: قد تتمكن شركة سلاك Slack من الوصول لقيمة سوقية تقدر ببضع مليارات من الدولارات إذا استطاعت تقديم حلول لمشاكل التعاون والتواصل داخل المؤسسات. وسيكون بناء مساعد شخصي رقمي يمكنه من مساعدة المستخدمين من القيام بتصرفات ذكية معتمدًا على كمية من البيانات التي تضيفها أطراف خارجية داخل قواعد بيانات سلاك. فإذا كنت تظن أن سلاك بوت خارج المنافسة تمامًا، فأعتقد أنك لم تنتبه جيدًا.
  • بعض الشركات الناشئة غير المشهورة حتى الآن: فالكثير من الشركات تعمل في مجال تعلم الآلة هذه الأيام. وقد تكون أحدها هي الحصان الرابح في الفترة القادمة.

وبالطبع فإن القائمة السابقة تفتقد ألفابيت، التكتل الضخم متعدد الأسلحة والإمكانيات – جوجل سابقا.

بالطبع كانت إعادة الهيكلة الكاملة خطوة كبيرة – وقد تكون عالية الخطورة، لكنها أيضا قد تكون الفرصة الأفضل التي يملكها لاري وسيرجي لتقليل الاهتمام بالإعلانات الموجهة AdWords والسيطرة على مستقبل البحث.

لا يوجد شك في أن مؤسسي جوجل يملكون رؤية متميزة و ذات قيمة عالية. فهم يسعون الآن وراء كثير من الرهانات وكثير منها قد يتمكن من النجاح في الوصول لتكنولوجيا استثنائية وجديدة.

لكنه ليس واضحًا عما إذا كان لاري بيج وسيرجي برين ينويان الاستثمار في مشروع داخل ألفابيت قد يهدد الدجاجة التي تبيض لهم ذهبًا. فالمخاطرة كبيرة والعائد غير مؤكد.

وبذلك يكون ذلك هو الوضع حاليًا، سيري مازال هو الأكثر تطورًا وفيسبوك تقوم بالاختبارات النهائية لإعداد “إم” للظهور قريبا، ومايكروسوفت تعد نسخة أندرويد من كورتانا، وسلاك تقوم أيضًا بالإعداد للدخول في مجال المساعد الرقمي المعتمد على الذكاء الصناعي.

لذلك يصبح توقع المستقبل معضلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد