نشرت مجلة «ناشيونال ريفيو» الأمريكية مقالًا تحدث عن تجربة الاشتراكية في ثلاث دول حديثة، وكيف أن «كلًا من إسرائيل، والهند، والمملكة المتحدة قد تعافت من الركود الاقتصادي عبر التحول إلى سياسات السوق الحرة». كتب المقال لي إدواردز، وهو زميل بارز في برنامج الفكر المحافظ في مركز «بي. كينيث سيمون» للمبادئ والسياسة التابع لمؤسسة التراث.

في البداية، أكد الكاتب أن الاشتراكيين مولعون بالقول إن الاشتراكية لم تفشل أبدًا لأنها لم تُجرَّب قط، ولكنها في حقيقة الأمر، فشلت في كل بلد جُرِّبت فيه، بدءًا من الاتحاد السوفيتي منذ قرن مضى، وانتهاءً بثلاث دول حديثة جرَّبت الاشتراكية لكنها رفضتها في النهاية – إسرائيل، والهند، والمملكة المتحدة. وفي حين كانت هناك اختلافات سياسية كبيرة بين الحكم الاستبدادي للاتحاد السوفيتي والسياسة الديمقراطية لإسرائيل والهند والمملكة المتحدة، تمسكت الدول الثلاث الأخيرة بالمبادئ الاشتراكية وأمَّمَت صناعاتها الرئيسية، ووضعت صناعة القرارات الاقتصادية في أيدي الحكومة.

أبحاث ودراسات

منذ 6 شهور
هل يفضل الأمريكيون الاشتراكية على الرأسمالية؟

التاريخ يتحدث

تابع الكاتب القول: «لقد وثَّق المؤرخون الفشل السوفيتي جيدًا. ففي عام 1985، تولى ميخائيل جورباتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي قيادة إمبراطورية مفككة. وبعد 70 عامًا من الماركسية، لم تتمكن المزارع السوفيتية من تقديم الطعام للناس، وفشلت المصانع في توفير حصصها من الإنتاج ووقف الناس في طوابير طويلة بطول صفوف من الأبنية في العاصمة موسكو ومدن أخرى لشراء الخبز والضروريات الأخرى، واستمرت الحرب في أفغانستان بلا نهاية تلوح في الأفق لأسراب من جثث الجنود السوفيتين الشباب».

كانت اقتصادات الدول الشيوعية القابعة وراء الستار الحديدي منهكة هي الأخرى؛ لأنها كانت تعمل إلى حد كبير كمستعمرات تابعة للاتحاد السوفيتي. (كان أول من استخدم عبارة الستار الحديدي ونستون تشرشل في أربعينيات القرن العشرين. وكانت العبارة تشير إلى سياسة العزلة التي انتهجها الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ أقام حواجز تجارية ورقابة صارمة عزلت البلاد ودول أوروبا الشرقية، التي كانت تسير في فلكه عن بقية العالم).

Embed from Getty Images

وفي غياب محفزات المنافسة أو التطوير، أصبح القطاع الصناعي في أوروبا الشرقية والوسطى مَعْلمًا لعدم الكفاءة والإسراف البيروقراطي، «متحف العصر الصناعي المبكر». وكما أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» في ذلك الوقت، صدَّرت سنغافورة، تلك الدولة الآسيوية التي يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة فقط، آلات إلى الغرب في عام 1987 بنسبة 20% أكثر من أوروبا الشرقية.

ويقول الكاتب إنه رغم ذلك، ما تزال الاشتراكية تخدع كبار المفكرين والسياسيين في الغرب. ولم يتمكنوا من مقاومة إغراءاتها بشأن إيجاد عالم بلا صراعات، كونِه عالمًا بلا ملكية خاصة. ولقد كانوا مقتنعين بأن البيروقراطية يمكنها أن تتخذ قرارات أكثر استنارة حول رفاهية الشعب، أكثر مما يستطيع الناس أنفسهم. كما اعتقدوا، مع جون ماينارد كينز (اقتصادي وكاتب بريطاني ذو شهرة عالمية ومؤسس الاقتصاد الكلي الكينزي)، أن «الدولة حكيمة والسوق غبي».

وأوضح الكاتب أن: «إسرائيل، والهند، والمملكة المتحدة تبنت الاشتراكية نموذجًا اقتصاديًّا بعد الحرب العالمية الثانية. وتبدأ ديباجة دستور الهند، على سبيل المثال، بعبارة «نحن، شعب الهند، قد عقدنا العزم على إعلان الهند جمهورية ديمقراطية اشتراكية علمانية»، والمستوطنون الأصليون لإسرائيل كانوا يهود شرق أوروبا الذين سعوا إلى بناء مجتمع اشتراكي. وبمجرد أن صمتت مدافع الحرب العالمية الثانية، أمَّمَ حزب العمال البريطاني جميع الصناعات الكبرى ووافق على جميع الطلبات الاشتراكية التي قدمتها النقابات.

في البداية، بدا أن الاشتراكية تنجح في هذه البلدان المتباينة إلى حد كبير. وخلال العقدين الأولين من وجودها، نما الاقتصاد الإسرائيلي بمعدل سنوي يزيد على 10%، مما دفع الكثيرين إلى وصف إسرائيل بأنها «معجزة اقتصادية». وكان متوسط ​​معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الهند منذ تأسيسها في عام 1947 إلى سبعينيات القرن الماضي 3.5%؛ مما وضع الهند في مصاف الدول النامية الأكثر ازدهارًا. وبلغ متوسط ​​نمو الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا العظمى 3% بين عامي 1950 و1965، إلى جانب ارتفاع متوسط ​​الأجور الفعلية بنسبة 40%، مما مكَّن بريطانيا من أن تصبح واحدة من أكثر الدول ثراءً في العالم.

لكن المخططين الحكوميين لم يتمكنوا من مواكبة تزايد عدد السكان والمنافسة الخارجية. فبعد عقود من تراجع النمو الاقتصادي والبطالة المتزايدة باستمرار، تخلت البلدان الثلاثة عن الاشتراكية، وتحولت إلى الرأسمالية والسوق الحرة.

وبرهن الازدهار الناتج في إسرائيل والهند والمملكة المتحدة على صحة ما قاله أنصار السوق الحرة، الذين توقعوا أن الاشتراكية ستفشل حتمًا في تحقيق أهدافها. كما لاحظت رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر أن: «مشكلة الاشتراكية تكمن في نفاد أموال الآخرين في نهاية المطاف».

اقتصاد الناس

منذ 5 شهور
«فورين أفيرز»: كيف نقضي على الفقر؟ هذه إجابة الفائزَين بنوبل في الاقتصاد

1. إسرائيل

تحدث الكاتب عن التجربة في إسرائيل قائلًا: «إسرائيل فريدة من نوعها لأنها الدولة الوحيدة التي نجحت فيها الاشتراكية – لفترة من الوقت. ووفقًا للبروفيسور الإسرائيلي آفي كاي، فإن المستوطنين الأصليين «سعوا إلى إيجاد اقتصاد تجري السيطرة فيه على قوى السوق لصالح المجتمع بأسره». كما سعوا إلى إيجاد مجتمع اشتراكي عادل وجهته العمل؛ مدفوعين بالرغبة في نسيان تاريخهم الذي كانوا فيه ضحايا للفقر المدقع والظلم. كما وضع السكان الأوائل المتجانسون الذين يقل عددهم عن مليون شخص، خططًا مركزية لتحويل الصحراء إلى مراعي خضراء، وبناء شركات حكومية فعالة».

وأشار جوزيف لايت، الباحث في معهد «أمريكان إنتربرايز»، إلى أن معظم المستوطنين الأوائل عملوا في مزارع جماعية تسمى الكيبوتسات، أو في وظائف وفرتها الدولة. والكيبوتسات عبارة عن مجتمعات زراعية صغيرة، يؤدي فيها الناس الأعمال المنزلية مقابل الطعام والمال؛ للعيش فيها ودفع نفقاتهم. ولم يكن هناك أي ممتلكات خاصة، وكان الناس يأكلون معًا، وكان الأطفال بعمر أقل من 18 عامًا يعيشون معًا، وليس مع آبائهم. وأي أموال كانوا يكتسبونها من الخارج كانت تُقدَّم إلى الكيبوتس.

Embed from Getty Images

كان الهستدروت، الاتحاد العام لنقابات العمال الإسرائيلية، من الأسباب الفاعلة في التنشئة الاشتراكية لإسرائيل؛ إذ إنهم يؤمنون بالعقيدة الاشتراكية التي تقول إن رأس المال يستغل العمل، وأن الطريقة الوحيدة لمنع مثل هذه «السرقة» هي منح الدولة سلطة السيطرة على وسائل الإنتاج. وعندما شرع الهستدروت في دمج جميع العمال تقريبًا، سيطر الهستدروت على جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية تقريبًا، ومن ضمن ذلك الكيبوتسات، والإسكان، والنقل، والبنوك، والرعاية الاجتماعية، والرعاية الصحية والتعليم. وكان حزب العمل هو الذراع السياسية للاتحاد، وهو الحزب الذي حكم إسرائيل فعليًّا منذ تأسيسها في عام 1948 حتى عام 1973 وحرب يوم الغفران. وفي السنوات الأولى، تساءل البعض عما إذا كان ينبغي وضع أي قيود على دور الحكومة.

بدا أن أداء إسرائيل الاقتصادي يؤكد حكم كينيز. فقد كان نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من عام 1955 إلى عام 1975 مذهلًا بنسبة 12.6%؛ مما وضع إسرائيل بين أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، مع واحد من أقل الفروق في الدخل. ومع ذلك، كان هذا النمو السريع مصحوبًا بارتفاع مستويات الاستهلاك الخاص، وزيادة عدم المساواة في الدخول بمرور الوقت. وكان هناك طلب متزايد على الإصلاح الاقتصادي لتحرير الاقتصاد من عملية صنع القرار المركزية للحكومة. ففي عام 1961، شكل مؤيدو التحرير الاقتصادي الحزب الليبرالي، أول حركة سياسية ملتزمة باقتصاد السوق.

من المفارقات، أن الحرب جلبت رخاءً قصير الأمد إلى إسرائيل، وذلك بسبب زيادة الإنفاق العسكري والتدفق الكبير للعمال من مناطق جديدة.

تبخرت «المعجزة الاقتصادية» الإسرائيلية في عام 1965، عندما عانت البلاد من أول ركود كبير. وتوقف النمو الاقتصادي وارتفع معدل البطالة ثلاثة أضعاف من عام 1965 إلى عام 1967. وقبل أن تتمكن الحكومة من اتخاذ إجراءات تصحيحية، اندلعت حرب الأيام الستة، والتي غيرت الخريطة الاقتصادية والسياسية لإسرائيل.

ومن المفارقات، أن الحرب جلبت رخاءً قصير الأمد إلى إسرائيل، وذلك بسبب زيادة الإنفاق العسكري والتدفق الكبير للعمال من مناطق جديدة. لكن النمو الاقتصادي الذي تقوده الحكومة كان مصحوبًا بتسارع وتيرة التضخم، إذ بلغ معدله السنوي 17% من عام 1971 إلى 1973.

ولأول مرة، كان هناك نقاش عام بين مؤيدي اقتصاديات المشروعات الحرة، ومؤيدي الترتيبات الاشتراكية التقليدية. وكان ميلتون فريدمان الحاصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية، ورائد السوق الحرة، والذي حث صناع السياسة الإسرائيليين على «تحرير شعبهم» وتحرير الاقتصاد.

وعززت حرب عام 1973 وتأثيراتها الاقتصادية مشاعر العديد من الإسرائيليين، بأن النموذج الاشتراكي لحزب العمل لا يستطيع التعامل مع التحديات الاقتصادية المتزايدة في البلاد. وأسفرت انتخابات 1977 عن فوز حزب الليكود بفلسفته القوية المؤيدة للسوق الحرة. وتحالف الليكود مع الحزب الليبرالي من بين شركاء آخرين.

ولأن جذور الاشتراكية في إسرائيل عميقة جدًّا، فقد سار الإصلاح الحقيقي ببطء. وطُلب من فريدمان وضع برنامج من شأنه أن يحوِّل إسرائيل من الاشتراكية إلى اقتصاد السوق الحرة. وشملت إصلاحاته الرئيسية عددًا أقل من البرامج الحكومية وخفض الإنفاق الحكومي؛ تدخل أقل في السياسات المالية والتجارية والعمالية، تخفيضات ضريبة الدخل، بالإضافة إلى الخصخصة. وتلا ذلك نقاش كبير بين المسؤولين الحكوميين الساعين إلى الإصلاح، وأصحاب المصالح الخاصة الذين فضلوا استمرار الوضع الراهن.

في هذه الأثناء، استمرت الحكومة في الاقتراض والإنفاق وزيادة التضخم، الذي بلغ في المتوسط ​​77% في الفترة من 1978 إلى 1979، ووصل إلى الذروة عندما بلغت نسبته 450% في الفترة من 1984 إلى 1985. ونمت حصة الحكومة من الاقتصاد إلى 76%، في حين ارتفع العجز المالي والديون الوطنية. وطبعت الحكومة الأموال من خلال قروض من بنك إسرائيل، مما ساهم في التضخم عن طريق ضخ الأموال دون غطاء.

أخيرًا، وفي يناير (كانون الثاني) 1983، انفجرت الفقاعة، وواجه الآلاف من المواطنين والشركات الخاصة، بالإضافة إلى الشركات التي تديرها الحكومة إفلاسًا. وكانت إسرائيل على وشك الانهيار.

في هذه اللحظة الحرجة، أنقذ إسرائيل رئيس الولايات المتحدة المتعاطف معها، رونالد ريجان، ووزير خارجيته، جورج شولتز. وعرضا منحة قدرها 1.5 مليار دولار إذا وافقت الحكومة الإسرائيلية على التخلي عن كتاب القواعد الاشتراكية، واعتماد شكل من أشكال الرأسمالية على الطريقة الأمريكية، وذلك باستخدام محترفين مدربين في الولايات المتحدة.

قاوم الهستدروت ذلك بقوة؛ بدافع من عدم الرغبة في التخلي عن سلطته التي استمرت لعقود، والاعتراف بأن الاشتراكية كانت مسؤولة عن المشكلات الاقتصادية التي حدثت لإسرائيل. ومع ذلك، عانى الناس بما يكفي من التضخم المرتفع وعدم وجود النمو، ورفضوا سياسة الهستدروت المُقاوِمَة.

رغم ذلك، ترددت الحكومة الإسرائيلية، غير راغبة في إنفاق رأس المال السياسي على الإصلاح الاقتصادي. وأبلغ الوزير شولتز الغاضب إسرائيل بأنه إذا لم تبدأ في تحرير الاقتصاد، فستجمد الولايات المتحدة «جميع التحويلات النقدية» التي من المقرر أن تقدمها إليها. ونجح التهديد. وتبنت الحكومة الإسرائيلية رسميًّا معظم «توصيات» السوق الحرة.

أقر حزب العمل الاشتراكي الخصخصة. وجرت تصفية العديد من الشركات المملوكة للقطاع العام، والتي أصبحت فاسدة بسبب توظيف عدد أكبر من العمال المطلوبين لأداء وظيفة معينة، وقواعد العمل الصارمة، والمحاسبة الزائفة والمحسوبية، والمديرين غير الأكفاء.

كان أثر التحول الأساسي في السياسة الاقتصادية الإسرائيلية فوريًّا وشاملًا. ففي غضون عام واحد، انخفضت نسبة التضخم من 450% إلى 20% فقط، وتقلص العجز في الميزانية بنسبة 15%  من الناتج المحلي الإجمالي إلى الصفر، واختفت إمبراطورية الهستدروت الاقتصادية والتجارية إلى جانب هيمنتها السياسية، وانفتح الاقتصاد الإسرائيلي على الواردات.

وكان لثورة التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلية أهمية خاصة، والتي أدت إلى زيادة في الاستثمار في إسرائيل بنسبة 600%، وتحويل البلاد إلى لاعب رئيسي في عالم التكنولوجيا الفائقة.

كانت هناك آثار جانبية مقلقة، مثل الفجوات الاجتماعية، والفقر، والمخاوف بشأن العدالة الاجتماعية، ولكن الخطاب الاشتراكي والإيديولوجية، وفقًا لما قاله غلين فرانكل، مراسل صحيفة «واشنطن بوست» في إسرائيل، «اختفت  نهائيًّا». وأقر حزب العمل الاشتراكي الخصخصة. وجرت تصفية للعديد من الشركات المملوكة للقطاع العام، والتي أصبحت فاسدة بسبب توظيف عدد أكبر من العمال المطلوبين لأداء وظيفة معينة، وقواعد العمل الصارمة، والمحاسبة الزائفة والمحسوبية، والمديرين غير الأكفاء.

بعد إجراء توسعات بسيطة في حقبة التسعينيات، أصبح النمو الاقتصادي لإسرائيل ذائع الصيت في العالم النامي في حقبة الألفينيات، مدفوعًا بتضخم منخفض وتقليص في حجم الحكومة. وكانت البطالة ما تزال مرتفعة للغاية، واستحوذت الضرائب على 40% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعزى الكثير من ذلك إلى الحاجة إلى وجود جيش كبير.

ومع ذلك، اتفقت الأحزاب السياسية على عدم العودة إلى السياسات الاقتصادية للسنوات الأولى – يدور الجدل حول معدل إصلاح السوق الإضافي. وكتب الكاتب الصحفي جوزيف لايت أن: «التجربة الأكثر نجاحًا في العالم في مجال الاشتراكية، يبدو أنها تبنت الرأسمالية بحزم».

2. الهند

وفي حديثه عن الاشتراكية في الهند، أكد الكاتب أن قبول الاشتراكية كان قويًّا في الهند قبل الاستقلال بفترة طويلة، مدفوعًا بالاستياء الواسع النطاق ضد الاستعمار البريطاني، والطبقة المالكة للأراضي (الزامندار)، وجهود الحزب الشيوعي الهندي، الذي تأسس عام 1921. فقد تبنى جواهرلال نهرو (أحد زعماء حركة الاستقلال في الهند) الاشتراكية الإيديولوجية الحاكمة، عندما أصبح أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال في عام 1947.

كان أي مُنتِج يتجاوز طاقته المرخصة يواجه عقوبة السجن المحتمل.

ومنذ ما يقرب من 30 عامًا، التزمت الحكومة الهندية بالخط الاشتراكي؛ فقيَّدت الواردات، وحظرت الاستثمار الأجنبي المباشر، وقدمت الحماية للشركات الصغيرة من المنافسة مع الشركات الكبرى، وحافظت على مراقبة الأسعار في مجموعة واسعة من الصناعات التي شملت الحديد والصلب، والإسمنت، والأسمدة، والنفط، والمستحضرات الصيدلانية. وكان أي مُنتِج يتجاوز طاقته المرخصة يواجه عقوبة السجن المحتمل.

Embed from Getty Images

وكما كتب الخبير الاقتصادي الهندي سواميناثان س. أنكلساريا آيار: «ربما كانت الهند الدولة الوحيدة في العالم التي تتعامل مع تحسين الإنتاجية بوصفه جريمة». وكان ذلك تطبيقًا صارمًا للمبدأ الاشتراكي القائل بأنه لا يمكن الوثوق بالسوق لتحقيق نتائج اقتصادية أو اجتماعية جيدة. وجرى تنظيم عدم المساواة الاقتصادية من خلال الضرائب – فقد بلغ أعلى معدل لضريبة الدخل الشخصي 97.75%.

أُمِّمَ حوالي 14 بنكًا عامًا في عام 1969؛ واستولت الحكومة على ستة بنوك أخرى في عام 1980. وانطلاقًا من مبدأ «الاعتماد على الذات»، لا يمكن استيراد أي شيء يمكن إنتاجه محليًّا بغض النظر عن التكلفة، وبهذا وصلت الاشتراكية الهندية إلى «الذروة» وما زالت فاشلة في تلبية الاحتياجات الأساسية لسكان يتزايد عددهم باستمرار. وفي الفترة من عام 1977 إلى عام 1978، كان أكثر من نصف الهند يعيشون تحت خط الفقر.

سلسلة من الصدمات الخارجية هزت البلاد، ومن ذلك الحرب مع باكستان في عام 1965، والتي جاءت في أعقاب الحرب مع الصين في عام 1962؛ وحرب أخرى مع باكستان في عام 1971؛ ونوبات الجفاف المتتالية في 1971– 1972 و1972– 1973، وأزمة أسعار النفط في أكتوبر 1973.

وفي الوقت نفسه، يُلقِي الاقتصادي الهندي الأمريكي آرفيند باناجاريا الضوء على سلسلة من الصدمات الخارجية التي هزت البلاد، ومن ذلك الحرب مع باكستان في عام 1965، والتي جاءت في أعقاب الحرب مع الصين في عام 1962؛ وحرب أخرى مع باكستان في عام 1971؛ ونوبات الجفاف المتتالية في 1971– 1972 و1972– 1973، وأزمة أسعار النفط في أكتوبر 1973، والتي ساهمت في حدوث تدهور بنسبة 40% في التجارة الخارجية للهند.

كان الأداء الاقتصادي من 1965 إلى 1981 أسوأ من أي وقت آخر في فترة ما بعد الاستقلال. وكما هو الحال في إسرائيل، أصبح الإصلاح الاقتصادي ضرورة حتمية. ودفعت رئيسة الوزراء أنديرا غاندي جدول أعمال سياستها إلى أقصى اليسار قدر الإمكان.

ففي عام 1980، فاز حزب المؤتمر بأغلبية الثلثين في البرلمان، واعتمدت غاندي، في نهاية المطاف، مسارًا أكثر واقعية وغير إيديولوجي. ولكن سار الإصلاح الاقتصادي ببطء كما هو الحال مع أي شيء آخر في الهند.

واصل اتجاه السياسة الصناعية التراجع تدريجيًّا عن الاشتراكية التي بدأت في عام 1975، مما سمح للشركات بتوسيع قدراتها، وتشجيع الاستثمار في مجموعة واسعة من الصناعات والسماح للقطاع الخاص بالمشاركة في مجال الاتصالات.

وتلقى مسار التحرر دعمًا كبيرًا في عهد راجيف غاندي، الذي خلف والدته في عام 1984 بعد اغتيالها. ونتيجةً لذلك، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي نسبة مشجعة مقدارها 5.5%.

استمر الاقتصاد في التغلب على الإيديولوجية في عهد راجيف غاندي، الذي لم يحمل حقائب اشتراكية كالتي حملها الجيل الذي سبقه. ووضع خليفته بي ناراسيمها راو حدًّا لإصدار التراخيص باستثناء قطاعات مختارة، وفتح الباب أمام استثمارات أجنبية أوسع نطاقًا. وخفَّض وزير المالية مانموهان سينغ أسعار التعريفة من 355% التي كانت ضخمة جدًّا إلى 65%.

وفقًا لآرفيند باناجاريا، وهو خبير اقتصادي أمريكي هندي، وأستاذ علوم في جامعة كولومبيا، فقد: «أدخلت الحكومة تدابير تحررية كافية لوضع الاقتصاد على المسار الصحيح؛ للحفاظ على نمو بنسبة 6% تقريبًا على أساس طويل الأجل».

وفي الواقع، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الهند ذروته بأكثر من 9% في الفترة من عام 2005 إلى عام 2008، تلاها تراجع إلى أقل بقليل من 7% في الفترة من عام 2017 إلى عام 2018.

ومن بين التطورات الرئيسية للإصلاحات الاقتصادية كان الزيادة الملحوظة للطبقة الوسطى في الهند. وتقدر مجلة الإيكونوميست وجود 78 مليون هندي في الطبقة المتوسطة الوسطى، والطبقة المتوسطة العليا.

وبتضمين الطبقة المتوسطة الدنيا، يرى الاقتصاديان الهنديان كريشنان وهاتكار أن الطبقة الوسطى الجديدة في الهند نمت من 304.2 مليون، في الفترة من عام 2004 إلى عام 2005، حتى وصلت إلى 606.3 مليون بزيادة مذهلة في الفترة من عام 2011 إلى عام 2012، أي ما يقرب من نصف سكان الهند بالكامل. والدخل اليومي للطبقات المتوسطة الثلاثة هو: الطبقة المتوسطة الدنيا، من اثنين إلى أربعة دولارات؛ والطبقة المتوسطة الوسطى، من أربعة إلى ستة دولارات؛ والطبقة المتوسطة العليا، من ستة إلى 10 دولارات.

في حين أن هذه النسبة منخفضة للغاية وفقًا للمعايير الأمريكية، فإن الدولار يقطع شوطًا طويلًا في الهند، إذ يبلغ دخل الفرد السنوي حوالي 6500 دولار أمريكيّ. وإذا نجح نصف الطبقة المتوسطة الدنيا فقط في الانتقال إلى الحصول على دخل الطبقة المتوسطة العليا أو الطبقة المتوسطة الوسطى​​، فإن هذا يعني وجود طبقة متوسطة هندية تضم حوالي 350 مليونًا هنديًّا، وهي نقطة وسط بين تقديرات الإيكونوميست وكريشنان وهاتكار. وتؤكد مثل هذه الطبقة المتوسطة الهائلة تقديرات مؤسسة التراث، في مؤشرها للحرية الاقتصادية، بأن الهند تتطور إلى «اقتصاد السوق المفتوح».

في عام 2017، تفوقت الهند على ألمانيا لتصبح رابع أكبر سوق للسيارات في العالم، ومن المتوقع أن تحل محل اليابان في عام 2020. وفي العام نفسه، تفوقت الهند على الولايات المتحدة في مبيعات الهواتف الذكية، لتصبح ثاني أكبر سوق للهواتف الذكية في العالم.

عادةً ما تُوصَف بأنها بلد زراعي، لكن الهند أصبحت اليوم مدنية بنسبة 31%. وبوصول إجمالي الناتج المحلي السنوي إلى 8.7 تريليون دولار، تحتل الهند المرتبة الخامسة في العالم، بعد الولايات المتحدة والصين واليابان وبريطانيا العظمى. ولم يسبق لذلك مثيل في التاريخ المسجل، كما أشار الخبير الاقتصادي الهندي غورشاران داس، أن يرتفع مستوى عدد كبير من الناس بهذه السرعة.

بحسب الكاتب، لقد تحقق كل هذا لأن الزعماء السياسيين في الهند اجتهدوا واعتمدوا نظامًا اقتصاديًّا أفضل – مؤسسة حرة – بعد نحو أربعة عقود من التقدم غير المنتظم، والازدهار غير المتكافئ في ظل الاشتراكية.

3. المملكة المتحدة

وتحدث الكاتب عن المملكة المتحدة قائلًا: وُصفت المملكة المتحدة على نطاق واسع بأنها «رجل أوروبا المريض» بعد ثلاثة عقود من الاشتراكية، وقد مرت المملكة المتحدة بثورة اقتصادية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بسبب شخص مميز – رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر. وشكك البعض في أنها تستطيع أن ترفع من شأن المملكة، كانت المملكة المتحدة آنذاك مجرد ظل لسوقها الحرة التي كانت مزدهرة يوم ما.

تملك الحكومة أكبر شركات التصنيع في صناعات مثل السيارات والحديد والصلب. ووصلت أعلى معدلات الضريبة الفردية إلى 83% على «الدخل المكتسب»، و98%، نسبة ساحقة، على الدخل من رأس المال. ومعظم الأبنية السكنية مملوكة للحكومة. ولعقود من الزمان، نمت المملكة المتحدة بشكل أبطأ من الاقتصادات في القارة. ولم تعد بريطانيا العظمى «عظمى»، وبدا أنها تتجه نحو صندوق النفايات الاقتصادي.

Embed from Getty Images

كانت النقابات العمالية القوية العقبة الرئيسية أمام الإصلاح الاقتصادي؛ إذ سُمح لها منذ عام 1913 بإنفاق أموال الاتحاد على أهداف سياسية، مثل السيطرة على حزب العمل. ووقفت النقابات عقبة أمام الإنتاج وأحبطت الاستثمار. وفي الفترة من عام 1950 إلى عام 1975، كان سجل الاستثمار والإنتاج في المملكة المتحدة الأسوأ في أي دولة صناعية كبرى. وزادت مطالب النقابات العمالية من حجم نفقات القطاع العام والنفقات العامة إلى 59% من الناتج المحلي الإجمالي. كما أدت الأجور ومطالب الفوائد من جانب العمل المنظم إلى اضطرابات مستمرة نتج عنها شلل في حركة النقل والإنتاج.

وقفت مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء المحافظين المنتخبة حديثًا، أول رئيسة وزراء في المملكة المتحدة، في وجه ما عدَّته خصمها الرئيسي، أي النقابات.

وفي عام 1978، قرر جيمس كالاهان رئيس وزراء حزب العمل أنه بدلًا من إجراء انتخابات، فإنه «سيحارب» في الربيع التالي. وكان ذلك خطأً قاتلًا؛ فقد واجهت حكومته «فصل شتاء من السخط» أسطوريًّا في الأشهر الأولى من عام 1979، وقام عمال القطاع العام بإضراب لأسابيع، وتكدست جبال من القمامة التي لم تجد من يجمعها في المدن، وألقيت الجثث ولم تجد من يدفنها وهرعت الفئران إلى الشوارع.

وقفت مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء المحافظين المنتخبة حديثًا، أول رئيسة وزراء في المملكة المتحدة، في وجه ما عدَّته خصمها الرئيسي، أي النقابات. وحظرت تاتشر «الأوتاد الطائرة»، وهي القوات البرية للصراعات الصناعية، والتي كانت تنتقل لدعم العمال المضربين في مواقع أخرى، ولم تعد قادرة على حصار المصانع أو الموانئ.

أجري الاقتراع الخاص بالإضراب إجباريًّا، وأُغلق المتجر الذي أجبر العمال على الانضمام إلى نقابة للحصول على وظيفة، وانخفضت عضوية الاتحاد من الذروة التي بلغت 12 مليونًا في أواخر سبعينيات القرن العشرين إلى النصف في أواخر الثمانينيات.

وأعلنت تاتشر: «لقد آن الأوان لتطبيق [سياساتنا] الاقتصادية وإلا فلن يحين مرةً أخرى، دعونا نتمسك بأسلحتنا». وجرى تخفيض أعلى معدل لضريبة الدخل الشخصي إلى النصف، إلى 45%، وأُلغيت القيود المفروضة على تداول العملات الأجنبية وتحويلها.

في حقبة الثمانينيات، نما الاقتصاد البريطاني بوتيرة أسرع من أي اقتصاد أوروبي آخر، باستثناء إسبانيا.

كانت الخصخصة من الإصلاحات الأساسية التي أجرتها تاتشر. ولم تكن الخصخصة ضرورية لتحسين الاقتصاد فحسب، ولكنها «كانت واحدة من الوسائل المركزية لإخماد الآثار الضارة والمفسدة للاشتراكية» كما كتبت في مذكراتها. ومن خلال الخصخصة التي تؤدي إلى تحقيق أكبر ملكية ممكنة لأفراد الشعب، «تقل سلطة الدولة، وتتعزز سلطة الشعب»، والخصخصة «مرتكز أي برنامج يهدف إلى إصلاح أي إقليم من أجل أن ينعم بالحرية». وكانت تاتشر رائعة مثل كلماتها؛ إذ بيعت شركات الطيران والمطارات، والمرافق العامة، وشركات الهاتف، والصلب، والنفط، المملوكة للحكومة.

وفي حقبة الثمانينيات، نما الاقتصاد البريطاني بوتيرة أسرع من أي اقتصاد أوروبي آخر، باستثناء إسبانيا، ونما الاستثمار التجاري في المملكة المتحدة بشكل أسرع من أي بلد آخر، باستثناء اليابان.

نمت الإنتاجية أيضًا بشكل أسرع من أي اقتصاد صناعي آخر، وتوفرت حوالي 3.3 مليون فرصة عمل جديدة بين مارس (آذار) 1983، ومارس 1990، وانخفض معدل التضخم من 27% في عام 1975 إلى 2.5% في عام 1986. وفي الفترة من 1981 إلى 1989، وفي ظل حكومة المحافظين، بلغ متوسط ​​نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 3.2%.

وبحلول الوقت الذي غادرت فيه تاتشر منصبها في الحكومة، كان قطاع الصناعة المملوك للدولة قد انخفضت نسبته بنحو 60%. وكما ذكرت في مذكراتها أنه كان واحد من كل أربعة بريطانيين يملكون أسهمًا في السوق. وانتقلت أكثر من 600 ألف وظيفة من القطاع العام إلى القطاع الخاص.

بحسب الكاتب، وضعت المملكة المتحدة «الأساس لاتجاهٍ عالمي في مجال الخصخصة في دول مختلفة، مثل تشيكوسلوفاكيا ونيوزيلندا»، وابتعدت بشكل حاسم عن الإدارة الكينزية، وأصبح الرجل، الذي كان يومًا ما رجل أوروبا المريض، يزدهر الآن بصحة اقتصادية قوية. ولم تحاول أي حكومة بريطانية، حزب العمال أو المحافظين، إعادة تأميم ما قامت به مارجريت تاتشر.

التجربة الصينية

كما تحدث الكاتب عن الصين متسائلًا: «كيف يمكن إذن تفسير النجاح الاقتصادي المذهل للاقتصاد الرئيسي الرابع، اقتصاد الصين، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي من 8 إلى 10% من الثمانينيات حتى الوقت الحاضر؟ فمن عام 1949 إلى عام 1976، وتحت حكم ماو تسي تونج، كان اقتصاد الصين عاجزًا عجزًا كليًّا، وذلك بسبب سوء إدارة ماو الشخصي للاقتصاد.

وفي سعيه الحثيث نحو الاشتراكية على النمط السوفيتي، حقق ماو قفزة كبيرة للأمام في الفترة من 1958 إلى 1960، والتي أسفرت عن مقتل 30 مليون شخص على الأقل، وربما ما يصل إلى 50 مليون صيني، والثورة الثقافية في الفترة من 1966 إلى 1976، الذي توفي خلالها من 3 إلى 5 ملايين. وترك ماو الصين متخلفة ومنقسمة انقسامًا عميقًا، بحسب ما يرى الكاتب.

وحوَّل خليفة ماو، دنج شياو بينج، دفة الصين إلى اتجاه مختلف، سعيًا إلى إيجاد اقتصاد مختلط تتعايش فيه الرأسمالية والاشتراكية تحت مراقبة الحزب الشيوعي، وإجراء التعديل المناسب للجمع بينهما باستمرار. وعلى مدار العقود الأربعة الماضية، كانت الصين أعجوبة العالم الاقتصادية للأسباب التالية:

لقد بدأت الصين في الصعود الاقتصادي تقريبًا من الصفر بسبب تعنت ماو الإيديولوجي. وانخرطت لعقود في السرقة المدبرة للملكية الفكرية، وبخاصة من الولايات المتحدة. واستفادت بالكامل من العولمة وعضويتها في منظمة التجارة العالمية، مع تجاهلها للقواعد المقررة ضد ممارسات مثل سرقة الملكية الفكرية. واستخدمت التعريفات وغيرها من التدابير الحمائية للحصول على مزايا تجارية مع الولايات المتحدة وغيرها من المنافسين.

تسمح الصين للمستثمرين الأجانب بشراء أسهم في الشركات الصينية، لكن الحكومة – أي الحزب الشيوعي – تحتفظ دائمًا بأغلبية الأصوات.

وأوجدت الصين طبقة متوسطة من حوالي 300 مليون شخص ممن يتمتعون بمعيشة لائقة، وفي الوقت نفسه يشكلون سوقًا محليًّا كبيرًا للسلع والخدمات. واستمرت في استخدام العمل الإجباري من خلال نظام «الإصلاح من خلال العمل» لصنع سلع استهلاكية رخيصة تباع في وول مارت، شركة أمريكية للبيع بالتجزئة، وغيرها من المتاجر الغربية. كما تسمح بوجود سوق سوداء هائلة؛ لأن أعضاء الحزب يستفيدون من مبيعاته.

وتسمح الصين للمستثمرين الأجانب بشراء أسهم في الشركات الصينية، لكن الحكومة – أي الحزب الشيوعي – تحتفظ دائمًا بأغلبية الأصوات. وتدير ما يقدر بنحو 150 ألف شركة مملوكة للدولة تضمن وظائف لعشرات الملايين من الصينيين. ويعتمد ذلك على طاقة وتجربة معظم رواد الأعمال في العالم، بعد الأمريكيين بالطبع.

باختصار، كانت جمهورية الصين الشعبية بمثابة فشل اقتصادي خلال عقودها الثلاثة الأولى تحت حكم ماو والاشتراكية السوفيتية. وبدأت في الصعود لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم عندما تخلت عن الاشتراكية في أواخر السبعينيات، وبدأت تجربتها التي كانت ناجحة حتى الآن في الرأسمالية ذات الخصائص الصينية.

هناك شواهد واضحة على أن هذا النجاح لم يعد تلقائيًّا. وتشهد الصين تباطؤًا في الاقتصاد، ويحكمها حزب ديكتاتوري، لكنه منقسم يتشبث بالسلطة، ويواجه مطالب عامة واسعة لضمان حقوق الإنسان الأساسية، ويعاني من بيئة متدهورة بشكل خطير. ويشير التاريخ إلى أنه من الأفضل حل هذه المشكلات عن طريق حكومة ديمقراطية يحكمها الشعب، وليس دولة استبدادية من حزب واحد تلجأ إلى العنف في الأزمات، كما فعلت بكين في ميدان تيانانمن وتقوم به في هونغ كونغ.

خاتمة

واختتم الكاتب فكرته قائلًا: «كما رأينا من خلال دراستنا لإسرائيل والهند والمملكة المتحدة، فإن النظام الاقتصادي الذي يعمل بشكل أفضل لأكبر عدد، ليس الاشتراكية بضوابطها المركزية، ووعودها المثالية، و(أموال الآخرين)، ولكنه نظام السوق الحر مع التركيز على المنافسة وريادة الأعمال. وقد جرَّبت البلدان الثلاثة الاشتراكية لعقود، وفي النهاية رفضتها جميعًا لأسباب بسيطة – إنها لا تفيد.

ويرى الكاتب أن الاشتراكية تحمل إثم الوهم المميت، فهي تعتقد أن نظامها يمكن أن يتخذ قرارات أفضل للناس من أن يقرروا هم لأنفسهم. وهي النتاج النهائي لنبي القرن التاسع عشر الذي ثبت خطأً نبوءاته (مثل الاختفاء الحتمي للطبقة المتوسطة) مرارًا وتكرارًا.

ووفقًا للبنك الدولي، خرج أكثر من مليار شخص من براثن الفقر في السنوات الـ25 الماضية، «أحد أعظم الإنجازات البشرية في عصرنا». ومن بين هؤلاء المليار شخص، هناك ما يقرب من 731 مليون صيني، و168 مليون هندي.

كان الدافع الرئيسي لهذه النجاة من الفقر هو عولمة النظام التجاري الدولي، بحسب الكاتب. وتدين الصين بمعظم نجاحها لحرية التجارة التي قدمتها الولايات المتحدة وبقية العالم.

وتؤكد النسخة الأخيرة من مؤشر الحرية الاقتصادية لمؤسسة التراث، الاتجاه العالمي نحو الحرية الاقتصادية: تتمتع الاقتصادات المصنفة على أنها «حرة» أو «حرة في معظمها» بدخول أعلى بأكثر من خمسة أضعاف من دخول «الاقتصادات المحكومة»، مثل تلك التي في كوريا الشمالية، وفنزويلا، وكوبا.

لقد تحولت معجزة إسرائيل الاشتراكية إلى سراب، وتجاهلت الهند الإيديولوجية الاشتراكية واختارت طريقًا أكثر توجهًا نحو السوق، والمملكة المتحدة قدوة يحتذى بها لبقية العالم بتأكيدها الخصخصة، وإلغاء القيود التنظيمية. وسواء كنا نتحدث عن تصرفات دولة زراعية يبلغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة، أو أمة أشعلت الثورة الصناعية، أو دولة شرق أوسطية صغيرة يسكنها بعض أذكى الناس في العالم، فإن الرأسمالية تتصدر الاشتراكية في كل مرة.

العالم والاقتصاد

منذ 5 شهور
«الجارديان»: أمريكا لم تعد أرض الحرية.. بل نظام احتكاري مفترس

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد