سيظلّ عام 2016 عالقًا في ذاكرة الكثيرين، ليس فقط لأنّه شهِد انتخاب «دونالد ترامب» رئيسًا للولايات المتحدة، وإنّما لأنّه تميّز بحرب الأخبار المضلّلة أو الزائفة كليًا، والتي اختلطت بسيل الأخبار الصحيحة، وانتشرت من خلال وسائل الإعلام الحزبية المتعصبة؛ لتجد الكثيرين ممن صدقوها وآمنوا بها.

لكن الدوافع وراء صناعة الأخبار «المفبركة»، ليست حزبية في الأغلب، وإنما مادية.

يستعرض تقرير تحليلي في صحيفة «واشنطن بوست» تجارة الأخبار المفبركة، وكيف يُمكن أن تجلب عائدًا ماديًا كبيرًا للمشتغلين بها، وكيف تلعب مواقع التواصل الاجتماعي، وبالأخص «فيسبوك»، دورًا كبيرًا في تشجيع هذا الاتجاه.

أرباحٌ هائلة

أرباح هذه التجارة تأتي بشكلٍ رئيس من الإعلانات، التي توفّرها خدمات «جوجل» و«فيسبوك» الذاتية، مثل Google AdSense.  «ديفيد كارول»، أستاذ التصميم الإعلامي المساعد بجامعة «نيو سكول»، يؤكّد أن «أي شخصٍ يمكنه إنشاء موقع، ووضع إعلانات عليه. يمكنهم بسهولة إنشاء عملٍ تجاري، وصناعة محتوىً يجلب الزوار إلى موقعهم؛ ما إن ينتشر على شبكة الانترنت». ومع أنّها تتباين في مدى تعقيدها، فإن أغلب هذه المواقع يُمكن تصميمه بسهولة وبتكلفة قليلة.

والأرقام صادمة حقًا؛ تحدّثت واشنطن بوست إلى «بول هورنر»، أحد كتاب الأخبار الزائفة على فيسبوك، وصاحب النسخة الزائفة لموقع ABC News الذي يبدو كموقعٍ إخباري حقيقي. يقول هورنر إنّه يجني حوالي عشرة آلاف دولار أمريكي شهريًا من خدمة Google AdSense. كما ذهب تقريرٌ بموقع BuzzFeed إلى أن المراهقين المقدونيين، والذين استغلوا موسم الانتخابات الأمريكية في تمرير الكثير من الأخبار الزائفة عن المرشّحين والسباق، يُمكن أن يجني أكثرهم نجاحًا حوالي خمسة آلاف دولارٍ شهريًا.

ومع أن فيسبوك أداة رئيسة في نشر الأخبار الزائفة، فإن بعض الشخصيات المرتبطة بحملة ترامب لعبت دورها كذلك، حين شاركت هذه الأخبار باعتبارها حقيقية تمامًا. حينما تُشارك شخصية عامة خبرًا زائفًا، فهذا يُضفي مصداقية على المصدر في عين الجمهور، وربّما يضيف إلى أرباح المزيّف سعيد الحظ بضعة آلافٍ من الدولارات، وفقًا لكارول.

لماذا يسمح فيسبوك وجوجل بهذا؟

الانتشار الرهيب للأخبار الزائفة دفع الكثيرون إلى اتّهام فيسبوك، وجوجل بدرجةٍ ما، بالمساعدة على انتشار الأخبار المفبركة؛ ما ترتب عليه التأثير على نتيجة الانتخابات. بالنسبة لجوجل، كما يُلاحظ كارول، فإن الدافع تجاه دقة المعلومات أكبر، لأنّ عمل جوجل يعتمد بالأساس على توفير معلومات دقيقة للمستخدمين.

لكن في حالة فيسبوك، «الأمر متعلّق بجذب الانتباه، وليس بالمقاصد». من مصلحة فيسبوك أن تنتشر الأخبار عليه وتجد صداها، حتى وإن لم تكن صحيحة. أخبارٌ مثل اغتيال عضو مكتب التحقيقات الفيدرالي المشتبه به في تسريب رسائل البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري، وتأييد البابا «فرانسيس» لترامب. هذه الأخبار لا أساس لها من الصحّة، لكنها اجتذبت مئات الآلاف من المشاركات، وعادت بالنفع على مفبركي الأخبار، وبالطبع فيسبوك.

محاربة الزيف

ربّما يرفض «مارك زوكربيرج» الاعتراف بأن شركته «إعلامية»، وربّما يرفض تحمّل المسئولية الملقاة على عاتق الشركة، باعتبار الموقع مجرد منصة يتواصل من خلالها الناس، لكن كثرة الاتهامات والسخط المتزايد دفعتا الشركتين إلى إعلان نيتهما تضييق الخناق على مستغلي الخدمات الإعلانية. هذا يعني أنّ الشركتين ستخسران الكثير من الأرباح في حالة إغلاق العديد من المواقع المزيّفة، وهو ما يُظهر استعدادًا مبدئيًا للتضحية ببعض الأرباح في سبيل مُجابهة تفشي الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة.

هناك العديد من الطرق لتحديد المواقع التي تنشر أخبارًا زائفة بانتظام. يقترح كارول إنشاء قائمة مفتوحة واسعة المشاركة تُحدّث وتُنقّح باستمرار، تلتزم بها مواقع التواصل الاجتماعي ومزودو خدمات الإعلانات. بهذه الطريقة يُمكن أن تتمكن الشركات من التضييق على المواقع الزائفة بدون أن تحمل على عاتقها مسئولية تتبعها وتحديدها، لكن تبني مثل هذا النموذج أمرٌ غير معهود بالنسبة لهذه الشركات، وفقًا لكارول.

ينتهي التقرير إلى أنّ المال ليس الدافع الوحيد وراء تزييف الأخبار؛ فحتى التضييق على الأرباح المتدفقة على تجار الأخبار الزائفة، ليس عصا سحرية ستمنع الناس عن تداول أخبارٍ لا أساس لها من الصحة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات