بعد مرور عام واحد على توقيع اتفاقات أبراهام، لا يزال السلام المستقر يستعصي على الشرق الأوسط

نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا لجيرمي بريسمان، أستاذ العلوم السياسية ومدير دراسات الشرق الأوسط بجامعة كونكتيكت، تناول فيه اتفاقات أبراهام بمناسبة مرور عام واحد على إبرامها. ويرى الكاتب أن الاتفاقات لم تغير من الواقع شيئًا فيما يخص القضية الفلسطينية، لأن العرب تخلوا عن مقايضة التطبيع بحل القضية، ولكنه يوضح أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تتلاشى بل ستظل قضية متفجرة وحية.

ويستهل الكاتب مقاله قائلًا: شهد العام الماضي تحولًا جوهريًّا في العلاقات العربية الإسرائيلية. أولًا، جاءت اتفاقيات أبراهام، الموقَّعة وسط ضجة كبيرة في البيت الأبيض في 15 سبتمبر (أيلول) 2020. وفي اتفاقيات منفصلة، تعهدت الإمارات والبحرين بتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وحذا المغرب والسودان حذوَهما بعد أسابيع.

دولي

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: الجمهوريون يحتفلون بذكرى اتفاقيات التطبيع.. وهذا موقف بايدن

وفي ثنايا التبشير بنجاحهم في التفاوض على الاتفاقات التاريخية، أشار بعض المسؤولين من إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، إلى أن التطبيع لم يعد مرتبطًا بوضع الفلسطينيين – وهي قضية جعلت اندماج إسرائيل العميق في المنطقة أمرًا مستحيلًا لعقود. وتتطلب صفقات العام الماضي أن تمتنع إسرائيل عن الضم القانوني لأراضٍ إضافية في الضفة الغربية. لكن الإمارات والموقِّعين الآخرين لم يطالبوا بمزيد من التنازلات، مثل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي أو إقامة دولة فلسطينية، قبل التوقيع.

وفي مايو (أيار) 2021، كان العنف في غزة الاختبار الحقيقي الأول لإمكانية فصل عملية التطبيع هذه عن القضية الفلسطينية. وبعد أسابيع من التوترات المتصاعدة، بسبب التهديد بالتهجير القسري للفلسطينيين في القدس واستخدام الشرطة الإسرائيلية القوة ضد المصلين المسلمين في المسجد الأقصى، أطلقت حماس صواريخ على إسرائيل وقصفت إسرائيل غزة وأسقطت المباني السكنية والمكتبية.

وبحلول الوقت الذي انتهى فيه القتال، قُتِل 260 فلسطينيًّا و13 شخصًا في إسرائيل. ونزح عشرات الآلاف من الفلسطينيين من منازلهم في غزة. وملأت صور معاناة الفلسطينيين موجات الأثير؛ في تدليلٍ على أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال بطبيعته عنيفًا ومتقلب الأحوال.

التطبيع أولوية للإمارات

ويوضح الكاتب أن مسؤولين إماراتيين اكتفوا بانتقاد معاملة إسرائيل للفلسطينيين، لكن الإمارات لم تقطع العلاقات مع إسرائيل أو تجمد الانفتاح الدبلوماسي معها؛ مما يعني ضمنًا أن المواجهات الإسرائيلية الفلسطينية لن تؤخر أو تعرقل عملية التطبيع الإماراتي الإسرائيلي. وفي يونيو (حزيران)، أصبح وزير الخارجية يائير لابيد أول وزير إسرائيلي يقوم بزيارة رسمية إلى الإمارات، ليحضر افتتاح السفارة الإسرائيلية في أبوظبي والقنصلية في دبي.

Embed from Getty Images

وافتتحت الإمارات سفارتها في تل أبيب بعد مدة وجيزة. وفي يوليو (تموز)، وقَّع البلدان أولى اتفاقيات التعاون الزراعي بينهما. في الوقت نفسه، ظلت العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية متوترة، على الرغم من جهود مصر لتهدئة الموقف. وباختصار، تسير الآن العلاقات العربية الإسرائيلية والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني في مسارات متباينة بشدة. ولم تترك الدبلوماسية الإقليمية الوضع في فلسطين أقرب إلى الحل السلمي مما كان عليه قبل بدء التطبيع.

القضية المركزية لم تعد كذلك

ويشير الكاتب إلى أنه على مدار عقود من الزمان، كانت فلسطين دائمًا القضية المركزية في السياسة العربية. وفي عام 1974، أعلنت جامعة الدول العربية أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وكانت إسرائيل تريد الاعتراف والتطبيع مع دول المنطقة؛ مما أعطى الدول العربية ورقة مساومة في الجهود المبذولة لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وكان التسلسل مهمًّا: معالجة القضية الفلسطينية أولًا، ثم الانخراط الاقتصادي والدبلوماسي مع إسرائيل.

وبدأت مفاوضات محدودة متعددة الأطراف في تسعينيات القرن الماضي مع عمليتي مدريد وأوسلو، ولكن لم تتبلور الخطوط العريضة لاتفاق أكثر شمولًا إلا في مبادرة السلام العربية لعام 2002. ودعا هذا الاقتراح الذي طرحته السعودية ووافقت عليه الجامعة العربية بأكملها، في جوهره إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة مقابل دخول الدول العربية في «علاقات طبيعية مع إسرائيل».

ولكن بينما كانت هناك محاولات في اتجاه التوصُّل إلى اتفاق لمعالجة المشكلة الإسرائيلية الفلسطينية، سعَت الدول العربية أيضًا إلى تحقيق مصالحها الوطنية – حتى مع تعارض ذلك مع سياسة منظمة التحرير الفلسطينية والمصالح الفلسطينية. وظهرت تشققات في الجبهة العربية الموحدة. وكان خروج مصر على الإجماع العربي بمثابة الحدث الأكثر أهمية: سافر الرئيس أنور السادات لأول مرة إلى القدس في عام 1977 ثم ذهب لتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في عام 1979.

وأدَّى ذلك إلى علاقات اقتصادية ثنائية محدودة، لا سيما في قطاع الطاقة. لكن في المواجهة الإقليمية مع إسرائيل، أخرجت هذه الاتفاقات الجيش المصري، الذي كان في السابق محور القوات العربية الموحدة، من المعادلة.

وحرص السادات على إيجاد ورقة توت معقولة لقراره الواضح بإعطاء الأولوية لرغبة مصر في السلام على حل القضية الفلسطينية. وبعد التوقيع على معاهدة السلام، انضم إلى محادثات بوساطة أمريكية مع إسرائيل بشأن الحكم الذاتي الفلسطيني، لكنها كانت قصيرة الأجل.

Embed from Getty Images

وبحلول عام 2020، لم تجد حكومات البحرين والمغرب والسودان والإمارات حاجة لإيجاد غطاء سياسي لاتفاقياتها الخاصة مع إسرائيل. وفيما يتعلق بقضية فلسطين، لم يحصلوا على شيء يذكر من إسرائيل مقابل التطبيع – لا تعهد بالتفاوض مع القادة الفلسطينيين، ولا التزام بحقوق الفلسطينيين أو الاستقلال، ولا شيء بشأن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

اتفاقات التطبيع رفض للمقايضة

وهكذا كانت اتفاقيات أبراهام تعد رفضًا للمقايضة المركزية المتضمنة في مبادرة السلام العربية. ولم تتبنَّ إسرائيل الاقتراح أبدًا. لكن الآن رفضت الإمارات ودول أخرى التسلسل في جوهره. ونهجهم الجديد لم يحل الجانب الفلسطيني من المشكلة. وعلى الرغم من أن إسرائيل والإمارات عززتا علاقاتهما، فإن القضية الإسرائيلية الفلسطينية أصابها الركود. إذا تُركت حركة قومية دون معالجة، لا سيما تلك التي تتمتع باعتراف دولي قوي مثل الحركة الفلسطينية، فإنها لا تتلاشى ببساطة.

التطبيع على الرغم من الاحتلال

لم يؤدِّ التطبيع إلى تلطيف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وكانت أحداث أبريل (نيسان) ومايو خير دليل على ذلك. وفي بداية شهر رمضان، منعت الشرطة الإسرائيلية الفلسطينيين من الصلاة عند باب العامود في البلدة القديمة بالقدس. وفي غضون ذلك، كانت جهود إسرائيلية قانونية وسياسية لإخراج الفلسطينيين بالقوة من منازلهم في حي الشيخ جرَّاح بالقدس تتجه نحو نتيجة لصالح المستوطنين الإسرائيليين.

وحاولت قوات الأمن الإسرائيلية قمع الاحتجاجات الفلسطينية التي تلَت ذلك. ودخل الضباط المسجد الأقصى وأطلقوا الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية على المصلين الفلسطينيين. وداخل حدود إسرائيل ما قبل عام 1967، اندلعت اشتباكات عنيفة في الشوارع بين المواطنين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وأظهرت تلك الحوادث مدى بُعْد الحل. أولًا، كل جزء من جغرافية فلسطين التاريخية مشكوك في وضعه. إن التهجير الإسرائيلي للفلسطينيين ليس مجرد احتمال في الضفة الغربية وغزة فقط، بل في القدس وداخل حدود ما قبل عام 1967 أيضًا، يستمر السعي لتحقيق التفوق الديموجرافي والتفوق في حيازة اليهود للأراضي.

القضية الفلسطينية لن تندثر

ولفت الكاتب إلى أن الاضطرابات أظهرت أيضًا أن فلسطين لن تضيع في هدوء. إن الاحتجاجات والقمع في القدس، وإلغاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس للانتخابات، وهجوم حماس، وحملة القصف الجوي الإسرائيلي، كلها تثبت أن هذه القضية تظل حية ومشحونة. كما أنها لا تزال تحتفظ بصدًى دولي، فقد نظمت احتجاجات لدعم الفلسطينيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك في لبنان والأردن، وفي أجزاء أخرى من العالم.

Embed from Getty Images

وانتشرت صور القمع الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما أثار تعبيرات صاخِبة عن التضامن. وأثبت ذلك أن اتفاقيات التطبيع ليست الطريق الصحيح للقوى الإقليمية للتقليل من حجم القضية الفلسطينية.

وخلال كل ذلك، لم يوجِّه الموقِّعون على اتفاقيات أبراهام سوى انتقاداتٍ باهتة لإسرائيل. وخلال الاحتجاجات الأولى في حي الشيخ جرَّاح، دعا بيان صادر عن وزارة الخارجية الإماراتية إسرائيل إلى «تحمل المسؤولية تجاه وقف التصعيد و(إنهاء) جميع الاعتداءات والممارسات التي تديم التوتر والعداء». ومع اشتداد حدة الاشتباكات، ردد وزير الدولة الإماراتي، خليفة شاهين المرر، الدعوة إلى وقف التصعيد وضبط النفس و«الحفاظ على الهوية التاريخية للقدس المحتلة».

وأوقفت الخطوط الجوية الإماراتية الرحلات الجوية إلى إسرائيل مؤقتًا. وانضمت دول أخرى، حيث ناشدت البحرين إسرائيل وقف «الاستفزازات ضد أهل القدس»، وأعرب المغرب عن «قلقه العميق». وصرح رئيس الحكومة الانتقالية السودانية بأن «ما يحدث في غزة ضد المدنيين العزل أمر مؤسف» لكنه أكد أن التطبيع والسعي نحو إقامة دولة فلسطينية أمران منفصلان.

وألمح الكاتب إلى أن حالة الإمارات كاشفة على نحو خاص. ولم يتفوق الاهتمام بالفلسطينيين على مصلحة الإمارات الأساسية في إقامة علاقات أقوى مع إسرائيل. وفيما يخص الإماراتيين، تعمل هذه العلاقة بمثابة ثقل موازن للنفوذ الإيراني، وعامل مسهل للوصول إلى الأسلحة الأمريكية، ومصدر بديل للأمن في حالة تقليص الولايات المتحدة وجودها الإقليمي.

دولي

منذ 3 شهور
مترجم: المال مقابل الصمت.. هكذا تؤثر الإمارات في صناعة القرار الأمريكي

وأثناء اشتباكات القدس وضرب غزة، لم تقطع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل ولا أدانتها بشدة. ولم تحاول التراجع عن اتفاقات أبراهام أو إعادة تقييم علاقتها مع إسرائيل، واستمرت الشراكة الإماراتية الإسرائيلية في التطور. وبعد أيام فقط من انتهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بوقف إطلاق النار وقَّعت إسرائيل والإمارات معاهدة ضريبية، واستضافت دبي منتدى استثمار عالمي برعاة إسرائيليين ومتحدثين إسرائيليين رفيعي المستوى، كما افتتحت دبي معرضًا للمحرقة النازية. وعززت المكاتب الدبلوماسية واتفاقيات التعاون الجديدة العلاقات الثنائية على نحو أكبر خلال الصيف.

العادي الجديد

وذات يوم كان التعايش بين التطبيع العربي الإسرائيلي الرسمي والاحتلال الإسرائيلي يبدو غير مرجح، لكنه أصبح الآن حقيقة واقعة. وقد يستمر التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية الآن متحررًا من وضع فلسطين، على الرغم من أنه من غير المرجح أن يغير الوضع على الأرض أو الحركة الوطنية الفلسطينية. وسوف يستمر الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية له.

Embed from Getty Images

ولكن إذا زاد نطاق أو شدة أو تواتر قمع الفلسطينيين، أو تصاعدت المواجهات بين الجيش الإسرائيلي وحماس أكثر، فإن الدافع للتطبيع وواقع الاحتلال يمكن أن يتعارضا؛ مما يجعل التوازن الحالي غير مستدام. ولا يزال من الممكن تغيير خطوات العام الماضي نحو علاقات طبيعية.

وليست كل الدول العربية على متن سفينة التطبيع أيضًا، لا سيما السعودية، التي قاومت هذا العام ضغوطاتٍ من جانب الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية للمضي قدمًا في التطبيع. وحتى الآن يبدو أن نموذج «التطبيع رغم الاحتلال» غير مقبول لدى الرياض. ولم تقدم إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، الحوافز نفسها التي قدمتها الإدارة السابقة. وفي حين ضمنت الإمارات الحصول على طائرات مقاتلة متقدمة، وحصل المغرب على الاعتراف بالأرض المتنازع عليها، لا يمكن للحكومات العربية الأخرى أن تتوقع صفقات جذابة مماثلة مع واشنطن لتسهيل مشاركتها.

وفي نهاية مقاله، يخلص الكاتب إلى أن تحقيق علاقات طبيعية بين الدول هو بحد ذاته تطور إيجابي. ولكن في حالة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، سيكون من الخطأ اعتبار التطبيع دواءً لكل داء. وقد لا يكون للقضية الفلسطينية الثقل نفسه في المنطقة الذي كان لها يومًا ما، لكنها لم تُحَل. وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته إسرائيل في بناء علاقات مع بعض الدول العربية، فإن الاحتلال يظل قضية قوية ومصدرًا لعدم الاستقرار. وتجاوز الاحتلال من خلال الدبلوماسية الإقليمية لن يكون سببًا في اختفائه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد