نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا عن حادثة فريدة من نوعها تعرض فيها زوجان للسجن ظلمًا لأكثر من عقدين من الزمان لاتهامهما بارتكاب ممارسات شيطانية. وقعت هذه الحادثة في أواخر القرن العشرين، قبل وقت طويل من ظهور الإنترنت وانتشار النوبات اللحظية من الهستيريا الجماعية التي صاحبت ظهوره، عندما كانت المخاوف غير العقلانية تنتقل بسرعة أبطأ وتستمر لوقت أطول.

يطلق بعض الناس على هذه الفترة اسم «الهلع الشيطاني». بدأ الأمر في وقت ما من الثمانينات، عندما حذر مذيعو الأخبار ورسامو الكاريكاتير المسيحيون الأصوليون من شرور لعبة «دانجونز آند دراجونز» (سجون وتنانين) وامتد هذا الهلع إلى حقبة التسعينات، عندما تعامل ضباط الشرطة والأخصائيون النفسانيون مع آلاف من الاتهامات التي لا أساس لها بارتكاب انتهاكات جنسية شعائرية، ووصل الأمر إلى حد أخذ أطفال من آبائهم البريطانيين المتهمين بعبادة الشيطان، لكنَّ هذه القضية تبرز أكثر من غيرها في هذا المضمار.

فقد كتبت صحيفة «تكساس منثلي» عام 1994 حول الزوجين دان وفران كيلر اللذين كانا يديران حضانة، واقتيدا للسجن ذلك العام «لم تر هذه البلاد شيئًا يشبه تلك الحادثة منذ محاكمات ساحرات سالم».

أدين دان وفران كيلر بالاعتداء الجنسي عام 1992؛ إذ اتهمها الأطفال المسجلون في دار الحضانة بتقديم مشروبات تحتوي على دم، وارتداء عباءات بيضاء، وتمزيق قلب طفل، وإرسال الأطفال إلى المكسيك؛ حيث يغتصبهم الجنود، واستخدام ذراع الشيطان فرشاة طلاء، ودفن الأطفال أحياء مع الحيوانات، وإلقائهم في حوض سباحة مع القروش، وإطلاق النار عليهم وإعادتهم للحياة بعد إطلاق النار عليهم.

وبحسب واشنطن بوست، فلم يكن الزوجان دان وفران كيلر الوحيدين الذين اتهمهم الأطفال خلال تلك الفترة من الهلع. إذ بُرئ الكثيرون منذ وقت طويل، لكنَّهما عانيا لعقود، إذ قضيا في السجن 22 عامًا قبل إطلاق محكمة سراحهما عام 2013، بعد سنوات من العمل مع الصحافيين والمحامين لفضح ما ثبت أنها قضية لا أساس لها ضدهما.

اليوم (بعد أن أصبحت فران كيلر في الـ67 ودان في الـ75) حُكم لهما بـ3.4 مليون دولار من صندوق الدولة، في محاولة متأخرة لتعويضهما عن ربع قرن ضاع منهما بسبب أوهام أناس آخرين. قالت فران كيلر للصحيفة بعد إعلامها بنبأ الحصول على المكافأة: «الآن يمكننا أن نبدأ الحياة. لا مزيد من الكوابيس».

كوابيس

كانت دار الحضانة تبدو لطيفة حقًا، كما وصفتها مجلة تكساس منثلي في تقريرها. إذ كانت هذه الدار، التي افتتحت عام 1989، تحتوي على أقفاص للأرانب ومُهر صغير اسمه دانسر، وملعب وحمام سباحة، وكان مقرها حي أوستين المحاط بالأشجار.

عاش الزوجان في البيت ذاته. كانت فران في الأربعينيات من عمرها، ودان في الخمسينيات، وكانا يرعيان حوالي 15 طفلًا يوميًا، بما في ذلك بعض الأطفال الذين لهم تاريخ من المشكلات العاطفية والانتهاكات.

قالت فران، متذكرة ما حدث، إنَّ الشرطة طرقت بابهما، في إحدى أيام عام 1991، وجلس المحققون معها في المطبخ قائلين لها: إنَّ دان متهم بإيذاء طفل. قالت: «كنت أعلم أنَّ هذا الأمر لا يمكن أن يكون صحيحًا».

وهكذا تصاعد ما بدأ بصفته اتهامًا منفردًا من طفلة بعمر ثلاث سنوات، ذات مشكلات سلوكية معروفة ليتخذ أبعادًا رهيبة بعد أن أغلقت السلطات دار الحضانة، فأرسل الآباء القلقون أطفالهم إلى معالجين نفسيين، حيث عادوا مع حكايات مستمدة مباشرة من أفلام الرعب. من ذلك ما ادعته فتاة من أنَّ دان كيلر «قد جاء إلى منزلها وقطع مهبل كلبتها بمنشار حتى نزفت دمًا، ثم أخذها إلى مقبرة، حيث كان هناك رجل يرتدي زي الشرطة ألقى رجلًا في حفرة، ثم أطلق دانيل النار على الشخص الملقى في الحفرة وقطّع جسده بمنشار بمساعدة الأطفال».

وبدأ الآباء بإعادة تفسير الأنشطة اليومية في الحضانة باعتبارها علامات شؤم. من ذلك أنَّ الزوجين، دان وفران، قد أرسلا الأطفال إلى المنزل ذات يوم حاملين الأعلام الأمريكية. فقال أحد الآباء لمجلة «فانكوفر صن»: «كانت هذه الأعلام تذكير لهم بألا يحكوا ما رأوه».

اقرأ أيضًا: مترجم: 10 دروس نتعلمها من الأطفال

وقالت «واشنطن بوست» إنَّ موجة الذعر تلك كانت قد بدأت في الخفوت في أجزاء أخرى من العالم. إذ خلُص تقرير أجرته الحكومة البريطانية في أوائل التسعينات، واستمر ثلاث سنوات إلى أنه «ليس ثمة أي أساس على فيضان مزاعم الانتهاكات الشيطانية للأطفال» وذلك نقلًا عن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). كتبت نيويورك تايمز عام 1994: «هذه القصص ليست أكثر من مجرد حكايات من نسج الخيال»، واستدلت بدراسة أجراها المركز القومي لانتهاكات الأطفال والإهمال لم تجد دليلًا واحدًا يدعم أي حالة من بين أكثر من 11 ألف حالة سلمت إلى الأطباء النفسيين والشرطة. وبالرغم من كل ذلك، فقد أدين الزوجان بعد محاكمة استمرت ستة أيام عام 1992.

طبعًا لم تكن الاتهامات تقطيع مهبل كلبة بالمنشار، وإنما ارتكاب انتهاكات جنسية مشددة بناء على شهادة الأطفال والشرطة ودليل مادي واحد: جرح ظاهر على مهبل فتاة. وحتى هذا سوف يثبت خطؤه لاحقًا، لكن ليس قبل أن يقف الزوجان في المحكمة ليسمعا الحكم عليهما بالسجن 48 عامًا لكل منهما.

وقالت فران، التي أرسلت إلى سجن للنساء، حيث أصبحت مستهدفة بسبب مزاعم انتهاكها للأطفال، إنها قضت وقتها في تفادي المياه المغلية، أما دان فقد قضى وقته في كتابة القصائد ومحاولة «فهم ما جرى للحياة التي كان يعرفها يومًا ما».

وكذا عاش الزوجان لسنين، ولم يريا بعضهما في كل تلك الفترة، وغابا عن عناوين الأخبار مع نهاية القرن العشرين ونهاية الهلع الشيطاني معه.

لكن حدث أن نشرت مجلة «أوستين كرونيكل»، عام 2009، مقالًا من 10 آلاف كلمة بعنوان «تصديق الأطفال» مزقت فيه الجوانب التي لم تكن شديدة الإقناع من البداية. فالطبيب الذي شهد على الجروح في مهبل الفتاة الصغيرة قد أعاد التفكير في ذلك الأمر بعد أن تعلم أكثر حول التشريح الأنثوي، فقال لمراسل المجلة: «سوف أكون صريحًا معك، ربما أكون قد أخطأت».

وكان موظفون قد ذهبوا إلى المقبرة للتحقق من مزاعم أنَّ الزوجين قد أخذا أطفالًا إلى هناك لحفر قبر. وقد أظهرت نتائج الاختبار أنَّ الأرض هناك قد نبشت حقًا، لكنَّ عاملًا من عمال المقبرة أخبر المجلة أنَّ النعش في ذلك القبر على التحديد كان دائم الغور، وأنَّ ابن المتوفى كان يجيء باستمرار لإهالة المزيد من التراب عليه. وهذا ما يفسر النبش في المقبرة. وعلاوة على ذلك قالت مجلة «كرونيكل»: إنَّ الشرطة قد عرفت ذلك الأمر، لكنه لم يذكر في المحاكمة. واشتملت المقالة كذلك على الكثير من مثل هذه الأمثلة التي لم تصمد أمام التدقيق.

بدأ محامي أوستين، كيث هامبتون، في العمل لتبرئة الزوجين. فاستأنفت القضية عام 2013. وكانت شهادة الطبيب حاسمة؛ إذ قال، بعد أن وضعه هامبتون تحت القسم، بعبارات لا لبس فيها: «لقد كنت مخطئًا».

وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام، قرب عيد ميلاد دان الـ72 خرج هو وزوجته، بينما كانت محكمة استئناف تنظر في إبطال الحكم عليهما، وكان الزوجان لم يريا بعضهما منذ أكثر من عقدين من الزمان.

لكن كان كلاهما، رسميًا، ما يزالان متصفين بالاعتداء على الأطفال، ودائمي الترقب والاتهام من قبل الكثيرين بارتكاب الفظائع.

ساحرات

وحكمت محكمة استئناف، في العام التالي، بالإجماع، بإلغاء الحكم بإدانة الزوجين لاعتماده على شهادة زور. وكتب أحد القضاة: «لقد كان الأمر منذ البداية يشبه مطاردة الساحرات» في إشارة إلى قضية محاكمات ساحرات سالم في القرن الـ17 التي أعدمت فيها 22 امرأة شنقًا قبل أن تلغي محكمة ماساتشوستس الحكم بالإدانة.

لكنَّ المحكمة رفضت، دون إبداء أسباب، واحدًا من المطالب الأساسية للزوجين فرفضت إعلان براءتهما عام 2015. وما زال الكثير من الأطفال الذين اتهموا الزوجين يعارضون إطلاق سراحهما.

واستمر الزوجان في الضغط من أجل الحصول على التبرئة العامة، حتى أعلن أخيرًا أنهما «بريئان فعلًا» وقد جعلتهما هذه البراءة مؤهلين لبرنامج حكومي يدفع مبلغ 80 ألف دولار للأشخاص المدانين ظلمًا مقابل كل سنة قضوها في السجن، وهو مبلغ ضخم للغاية في حالة دان وفران كيلر بالنظر لعدد السنين التي قضياها في السجن.

وقد كان الزوجان حتى ذلك الوقت يعيشان على شيكات الضمان الاجتماعي ومساعدة الأصدقاء. وقالت فران: «لقد كان الأمر شديد الصعوبة. لا يمكنك الحصول على وظيفة إذا كنت متهمًا بالاعتداء على الأطفال».

ومع ذلك، فقد استغل الزوجان حريتهما في الانخراط في قضايا أشخاص آخرين يعتقدون أنهم سجنوا ظلمًا. وكان الزوجان يقفان خارج سجن في تكساس دعمًا لواحد من أولئك الناس يوم الثلاثاء، عندهما اتصل بهما محاميهما ليعلمهما أنهما صارا من أصحاب الملايين.

وقال المحامي:« لقد عًوض الزوجان الآن ولم يعودا يخشيان التشرد أو الافتقار للضمان الاجتماعي. إنهما يشتريان منزلًا الآن، وبإمكانهما أن يعيشا حياتهما في سلام وهدوء».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

الصورة الرئيسة: الزوجان دان وفران كيلر خارج مبنى المحكمة في مقاطعة ترافيس بمدينة أوستن. مصدر الصورة: أسوشيتيد برس.
عرض التعليقات
تحميل المزيد