عندما يتم إهدار دماء فصيل بعينه وتصمت الأغلبية فاعلم جيدًا أنك حتمًا في طريقك بالقطار السريع إلى الفاشية.

جاء عبد الفتاح السيسي وذهبت مصر لطريق اللارجعة. في ظرف سبعة أسابيع فقط جاءت لتفصل رأس الأمل عن الجسد المصري.

وكانت المذبحة الأولى خمسة أيام فقط بعد ذهاب مرسي ومعها انطلقت السفينة إلى قناة احمرت مياهها في زمن قياسي. ٥٤ قتيلًا وأكثر من ٣٠٠ مصاب حسب ما نقلت النيويورك تايمز واصفة الوضع بالمتمزق. ولكن مع استمرار المجازر ظل اهتمام الشارع المصري والإعلام متعلقًا برفض تسمية الحدث باسم الانقلاب والتأكيد على فكرة الثورة. وسط ضباب المعركة حدث ما لا يمنطقه عقل ولا يبرره دين: حلل دم فصيل سياسي بأكمله من خلال حملة إعلامية لا يصح تلقيبها إلا ببروبجندا الهدف منها السيطرة التامة على الرأي العام. ثم جاء الحديث عن ما سمي بخارطة الطريق وسرعان ما كشر النظام عن أنياب هذه الخطة: إقصاء الإخوان سياسيًا وجسديًا من المشهد المصري. وفي يوم ٢٦ يوليو ٢٠١٣ عندما طلب السيسي تفويضه “لمحاربة الإرهاب” جاءت نقطة التحول وولد نوع خاص من الفاشية المصرية.

بالوقوف خلف السيسي كرر المصريون خطأ ونستن شرشل التاريخي عندما أيد الحصان الخاسر موسيليني في ١٩٢٧. “لو كنت إيطاليًا لوقفت بجانبكم أمام الآمال الوحشية اللينانية”. وكما أخطأت شعوب أخرى قبله وقف “نور عيني” السيسي خلفه رغم تدفق نهر دامٍ. وفي ٢٧ يوليو قتل ٧٢ مصريًا في مذبحة جديدة في هجوم ضارٍ كما أكدت النيويورك تايمز. في ظل نجاح الحملة الإعلامية الشرسة، بدلًا من صراخ ونقد حاد بعد مقتل عدد مؤلم من الإسلاميين المصريين قابل الشعب المجازر بالأحضان وجاء ما جاء.

مع انفجار العنف في ١٤ أغسطس ٢٠١٣ سطعت شمس جهنم على القاهرة وكانت نقطة التحول الحاسمة في تاريخ مصر المعاصر. قتل ما يقرب من ١٠٠٠ في أكبر مجزرة عرفتها مصر في تاريخها الحديث. ولكن ما اعتقد المحللون أنه صراع بين طرفين كان أشد تعقيدًا وكان في الواقع مسرح الأيدي الخفية. في حقيقة الأمر ميلاد الفاشية لا يأتي بين يوم وليلة وهو قد بدأ في عصر مرسي الذي فشل فشلًا ذريعًا في إعطاء كل المعسكرات انطباع أنه رئيسهم. مع تصلب شرايين الحكم، مع مجيء السيسي، جاء الصوت الواحد الذي يناصره بالتأييد المباشر أو بالصمت من الغالبية العظمى من المصريين: صوت بنادق العسكر والداخلية.

للعين المجردة كان الحاكم السيسي ولكن الواقع السياسي كان ولا يزال يتسيده معسكرات عديدة هي طوب بناء الدولة العميقة. الدولة العميقة كما سبق ولقبها الروائي العظيم جورج أرويل “الأخ الأكبر” لا وجود لها إنما توجد المخابرات العامة، المخابرات العسكرية، وزارة الداخلية، أمن الدولة ودائرة وزارية مقربة من الرئيس، وجود هذه الكوادر بالتحديد قريبًا من مقعد الحكم يلعب دورًا حيويًا في رؤيته للإخوان نظرًا لتعاملهم مع الإخوان سابقًا كجماعة أسفل الأرض سياسيًا و”إرهابيين” خلف القضبان. على صعيد آخر تلقين درس للإخوان كان بمثابة ضرب عصفورين بحجر كتوصيل رسالة لمعسكر ٢٥ يناير الثوري وإرجاع الساعة لما قبل ٢٥ يناير.

لكن الثقة المبالغ فيها هي عدوة النظام وقد بدأ السحر في الانقلاب على الساحر. على المستوي العملي، خطة الثورة المضادة، وباختصار، هي تدمير الهيكل النظامي لجماعة الإخوان من خلال استخدام  القتل، الاعتقال، والنظام القضائي مع القضاء على أية مكاسب، مهما كانت ضئيلة، للثورة. ولكن القمع والظلم يولدان العنف الذي يزداد يومًا بعد يوم في ظل حل أمني فاشل. وهذا الوضع في غياب برلمان وحلول سياسية واقتصادية يضع مصر على حافة جبل من القلقلة الأمنية والسياسية. في ظل سيطرة السيسي على المشهد المصري وحفنة من المجازر كل منها يعد الأكبر في تاريخ مصر منذ ١٩٥٢ وقبضة حديدية على ما يفوق ٤٥٠٠٠ سجين سياسي، طبقًا لمعظم الإحصائيات، مصر ليست دكتاتورية فحسب ولكنها في طريقها إلى شيء أفظع.

رغم إعرابه عن رغبته، منذ ٨ أسابيع، في انتخاب برلمان جديد مع مجيء العام الجديد هناك جزئيتين تناقضان هذا الموقف المعلن: مع مرور كل يوم يصدر السيسي قوانين ولوائح تفيد فقط حكمه الأوتوقراطي ومعسكره ومع انتهاء هذا الشهر تكون مصر دون برلمان لمدة عامين مع الانتباه لقانون جديد أصدره السيسي هذا الأسبوع يمكنه من حل أي برلمان جديد دون الاحتياج للمحكمة الدستورية. ضع هذه النقاط على حروف مسرح أمني يتضمن استخدام الاغتصاب بطريقة ممنهجة ضد المعتقلين السياسيين من الرجال والنساء وتصبح اللوحه الفاشية شبه كاملة.

وقد يكون الأمر الأخطر هنا هو استمرار الغالبية العظمى من الشعب في الوقوف خلف هذا المسلك الفاشي أيًا كان نمط التعبير: بالصمت، التجاهل أو التصفيق الحاد. لن تضطر أن تبحث كثيرًا وستجد نفسك أمام مذبحة مصغرة في مدينة ٦ أكتوبر، يوم واحد بعد هجوم ضارٍ على القوات المسلحة في سيناء يوم ١ يوليو عندما – طبقًا للرواية غير الحكومية – تم تصفية ٩ من كوادر الجماعة دون أي نقد حاد في المنافذ الإعلامية. ولكن ما ستجده وبكثرة هو تخوين أي صوت مناهض للحكم لدرجة أن التخوين يأتي في أحيان عديدة من أسر المعارضين أنفسهم.

من الواضح أن هؤلاء المصريون قد وضعوا دروس التاريخ في مكان آخر غير ذهنهم ومن أهمهم درس “لقد جاءوا في البداية” الذي علمه لنا قديس بولندي باسم مارتن نوملر عارض هتلر بكل عزمه. من سابع المستحيلات أن تجد مصريًا يفكر بمنطق هذا الدرس الذي يقول لا تصمت عن الظلم والظالم فلو جاء الظالم لجارك الآن فإنه قادم، دون محالة، لسجنك بعده، بل إنه صمتك الذي يؤكد حتمية تكرار الظلم معك.

وهذا هو وضع مصر، في البداية كان الهجوم فقط على الإسلاميين ولكن مع السكوت المدوي اقتنصوا شيماء الصباغ، سجنوا علاء عبد الفتاح، ودمروا براءة يارا سلام وجرموا ٦ أبريل. كل يوم يأتي بجريمة جديدة مثل الاختفاء القسري وفصل أي طالب يجرؤ أن يمارس أبسط حقوقه: حق التظاهر في حماية الحرم الجامعي.

وإن كانت هناك مؤشرات لتدني المؤازرة لعبد الفتاح السيسي فإنه لو تم افتتاح القناة بالتوفيق، بمشيئة الله، فإنه حتمًا سيستمر هذا النجاح السياسي في حقن المجتمع بمزيد من العسكرية والعنف المقنن. العيد بدلًا من أن يأتي بالفرحة وضحك الأطفال في شوارع مصر جاء بدماء المصريين تسيل مرة أخرى وبعد صلاة العيد مباشرة عندما قتلت الداخلية ٧ في ضواحي الجيزة. وشهد اليوم الثاني موقفًا قد يظهر ضئيلًا ولكنه معبر عن قانون الغابة الذي يتسيد الشأن المصري: يقبض بعض المواطنين على متحرش ويتم تسليمه لشرطية مصرية وما كان بها إلا أن تنهال عليه بوابل من الشتائم، الصفع، اللكم والصعق بالكهرباء. في مصر السيسي القانون يختفي عند الحاجة والشرطة – في أغلب الأحيان – لا تحاسب لأنها الذراع الذي يبطش به النظام.

 

هذه الموجة من الغضب، الكراهية والعنف لا تقل عن خطر وجودي على الدولة المصرية. الخطأ ليس خطأ السيسي أو الدولة العميقة فحسب، الخطأ خطأنا. التاريخ عرف أنظمة أجرمت من قبل ولكن لكي تتوحل أقدام الشعوب بالفاشية لا بد أن يكونوا شركاء في الجريمة. لقد وجد السيسي في الشعب المصري شريكًا نشطًا بصمته، بتطبيله وبتجاهله.

لو لم يتوقف القطار المصري فستصبح كل من العراق وسوريا نزهة بالمقارنة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد