في عصرنا هذا ازداد الدور الذي يؤديه الآباء في أسرهم، مثلما زاد انخراطهم في تربية الأطفال ورعايتهم بشكلٍ ملحوظ؛ ما جعل الكاتبين ديريك جريفيث مؤسس ومدير مركز أبحاث صحة الرجال بجامعة فاندربيلت وإليزابيث ستيورات الحاصلة على زمالة ما بعد الدكتوراة في الجامعة نفسها، يلاحظان إهمال الآباء صحتهم في خضم انشغالهم برعاية أطفالهم.

ويتناول الكاتبان في تقريرهما المنشور على النسخة الأفريقية من موقع «ذا كونفرزيشن» التغيرات التي تدخل على حياة الرجل حينما يصير أبًا وقُبيل ذلك، وكيفية مساعدته في الاعتناء بصحته أثناء ذلك.

يطرح الكاتبان في بداية تقريرهما السؤال التالي: إذا أُتيح لك الاختيار فأي الأمرين تفضل: أن تكون أبًا جيدًا، أم أن تكون أبًا يتمتع بصحة جيدة؟ ليجيبا بأن الدراسات تشير إلى أن الرجال عادة ما يختارون أن يكونوا آباء جيدين، عن أن يكونوا آباء يتمتعون بصحة جيدة.

ويوضح الكاتبان أن سبب ذلك هو أن الأبوة مرحلة فارقة في حياة الرجل، مرحلة تجعله في العادة يُبدل طريقة تفكيره فتصير «نحن» بدلًا عن «أنا» فقط. لكنّهما يشيران إلى أن الأبوة يمكن أن تغير كذلك من نظرة الرجل إلى صحته؛ إذ خلص بحثهما إلى أن مفهوم الآباء عن صحتهم أحيانًا ما يكون هو ثباتهم في وظيفتهم، أو رعايتهم لأسرتهم، أو حماية أطفالهم وتعليمهم وانتمائهم إلى مجتمع أو شبكة علاقات، بدلًا عن الذهاب إلى الطبيب أو تناول الخضراوات.

يدرس الكاتبان السبب في كون أعمار الرجال أقصر من النساء، ومواقفهم تجاه الأبوة، وكيفية مساعدتهم في تطوير سلوكيات أكثر صحية، بالإضافة إلى ما يمكن عمله للحد من خطر إصابة الرجال بالنوع الثاني من مرض السكري والأمراض القلبية.

العمل والجنس والصحة

يشير الكاتبان إلى أنهما من خلال العمل مع الرجال لمحاولة جعلهم أكثر نشاطًا، ويتناولون أطعمة صحية، ويحافظون على وزنٍ صحي، وجدا أن الصحة النفسية والجسدية ليست على رأس أولويات كثير من الرجال، إضافة إلى أن الرجال يتعاملون مع أجسادهم كأدواتٍ لأداء المهام.

وليست الصحة دائمًا شيئًا مهمًا يولونه اهتمامًا كبيرًا، إلا عندما يعيق اعتلالها قدرتهم على العمل، أو ممارسة الجنس، أو أي شيء آخر يهمهم. وتكون هذه الأدوار والمسؤوليات عادةً هي طريقتهم في تعريف أنفسهم كرجال، وكيف يُقيّمهم الآخرون من حولهم.

Embed from Getty Images

وتوصل الكاتبان كذلك إلى أن كثيرًا من الرجال لا يزالون يلاحظون أن ما يُحدد نجاحهم أو صلاحهم هو أن تكون لديهم وظيفة بأجر يكفي رعاية أطفالهم والتزاماتهم الأخرى، على الرغم من تغير نواحٍ عديدة متعلقة بالأدوار النمطية للجنسين.

إضافة إلى ذلك فالآباء عادةً ما يطمحون إلى أن يكونوا قادرين على الاعتناء بأطفالهم وزوجاتهم وشركائهم وأحبائهم؛ ما قد يعني حصولهم على ساعات نومٍ أقل، أو قضاء وقت أطول في العمل، أو عدم حصولهم على وقت كافٍ لممارسة هواياتهم والتمارين الرياضية.

قد تؤدي رغبة الرجل في أن يكون أبًا عظيمًا دافًعا للعمل ساعات أطول وبجدٍ أكبر مما اعتقد أنه ممكن، إلا أن لتلك الخيارات تكلفتها، وخاصةً إذا كانت مصحوبة بعدم تخصيصه وقتًا للإعتناء بصحته، بحسب الكاتبين.

ويلفتان إلى أنهما لاحظا ظهور علاماتٍ تدل على اليأس، مثل أعراض الاكتئاب والأفكار الانتحارية والإفراط في شرب الكحوليات وتدخين الماريجوانا، بين البالغين في العشرينات والثلاثينات. علاوة على هذا، فمعدلات هذه العلامات ترتفع بين الرجال والآباء في الفترة التي تسبق اقتراب انجابهم طفلهم الأول أو بداية مرحلة الأبوة.

وتماشيًا مع هذا النمط تُعتبر الإصابات غير المتعمدة وحالات الانتحار هي الأسباب الرئيسة في وفيات الرجال في عمر العشرينات والثلاينات بين الطوائف العرقية والإثنية المختلفة. بينما لا ينطبق هذا الأمر بين النساء.

وبداية من عمر الخامسة والأربعين، بحسب الكاتبين، تصير الأمراض القلبية والسرطان هي المسببات الرئيسة لوفاة الرجال في مختلف الطوائف. إلا أنه يمكن الوقاية من هذه الأمراض المزمنة بدرجةٍ ما، من خلال الامتناع عن التدخين وتناول أطعمة صحية أكثر والإقلال من المشروبات الكحولية. وكذلك فتحسين عادات النوم، وتقليل فترات الجلوس والتحرك أكثر، كلها سلوكيات مهمة في المساعدة على تحسين الصحة.

توصلت الأبحاث، حسبما ذكر الكاتبان، إلى أهمية حفاظ الآباء على العادات الصحية كجزء من حياتهم أثناء تقدمهم في السن، بدلًا عن محاولة استئنافها مرة أخرى بعد الانقطاع عنها عدة سنوات.

حياة مليئة مرهقة

بينما يتقدم العمر بالرجال، قد لا يختارون عمدًا تبني عادات غير صحية، إلا أن ما قد يدفعهم لتلك السلوكيات الضارة هو نمط حياتهم والبيئة المحيطة بهم التي تجعل اختيار العادات الضارة أسهل، وفقًا للكاتبين، اللذين أشار إلى أن ذلك يجعل من الواجب على صانعي السياسات أن يفكروا في طريقةٍ تُسهل الاختيارات الصحية على الرجال، وتُسهل اعتناءهم بصحتهم في الأوقات التي يقضونها مع أطفالهم وعائلاتهم أو في العمل.

Embed from Getty Images

لا تُتاح أمام الرجال فرص متكافئة في الحصول على أطعمة صحية أو في الذهاب إلى الطبيب، أو أن يكونوا نشطاء بدنيًا أو يملكون دخلًا كافيًا، ومع ذلك، يجيبون جمعيًا بأنهم يريدون أن يكونوا أصحاء ولهم تأثير إيجابي على أطفالهم وأسرهم.

وبناء على ما سبق، تساءل الكاتبان عما إذا كان هناك وقت بالأساس يتُاح للآباء فيه الاعتناء بصحتهم النفسية والجسدية في خضم حياتهم المليئة المرهقة. وأشارا إلى أنهما توصلا إلى أن الأمر يختلف من أب لآخر، إلا أن لأحبائهم دور في مساعدتهم في تحقيق ذلك. ويريان بناءً على البحث الذي أجرياه أن العائلات وتحديدًا النساء في حياة الرجل يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في التشجيع على تناول طعام صحي والاعتناء بالصحة بطريقة أفضل.

ويقول الكاتبان: «إن الزوجات على وجه التحديد عادةً ما يمنحن دعمًا عاطفيًا ويُقدمن النصيحة ويُيسرن عملية ذهاب الرجل إلى الطبيب وتشجيعه على السلوكيات الصحية. فالزوجات والبنات والنساء الأخريات في حياة الآباء هن مصادر مهمة للمعلومات المتعلقة بصحة الرجل، وعادةً ما يؤدين دورًا جوهريًا في مساعدة الآباء والرجال الآخرين على فهم الضغوط التي تواجهم والتعامل معها بشكلٍ أفضل».

ويختتمان تقريرهما بالإشارة إلى أنه بينما نحتفي بالآباء، علينا أن ندرك أنهم في العموم قد لا يضعون صحتهم على رأس أولوياتهم، وأن كثيرًا من الرجال قد يضحون بسرورٍ من أجل أن يروا أطفالهم سعداء وآمنين وناجحين. والمشكلة هنا هي أن الآباء إن لم يفكروا إلا في ذلك فقد تتضرر صحتهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s