بعد تصعيد الصراع بين بين شركة أبل ومكتب التحقيقات الفيدرالي، لا يسعنا سوى التساؤل هل للشركة الحق في رفض أمر المحكمة، أم أن رفضها الخضوع له ربما يأتي بعواقب أو حتى بنتائج عكسية؟ وهل اختار تيم كوك وقتًا وقضيةً غير مناسبة لمحاربة الحكومة؟ وهل سيندم تيم كوك على هذا التصعيد أم أن ندمه بالأساس يكون لقبول أبل مبدأ تدخل الحكومة منذ 2008؟

صراع مبادئ وقيم

أسئلة حاولت الواشنطن بوست الإجابة عليها في مقال نشرته الأسبوع الماضي، كمحاولة منها لتحليل أزمة الصراع بين أبل ومكتب التحقيقات الفيدرالي، إذ تصاعدت وتيرة الصراع عقب صدور أمر من المحكمة يجبر الشركة على الخضوع لمطلب مكتب التحقيقات. بالطبع رفضت أبل –وانضم لصفها وادي السيليكون-، وقدمت طعن على أمر المحكمة أمام المحكمة العليا. فصار صراع حتى النهاية من أجل مبادئ سامية وقيم وطنية. الأزمة لم تعد حربًا بين شركة أبل ومكتب التحقيقات؛ وإنما صارت صراعًا بين وادي السيليكون كله، ووكالات الاستخبارات وأجهزة الشرطة جميعها.

تقول الواشنطن بوست إنه بالتأكيد كلا الطرفين يمثلان مبادئ وقيم، فشركة أبل ومؤيدوها من جانبهم أعلنوا أن مستقبل التشفير وأمان خصوصية المستخدمين يعتمدان على مآلات الصراع القائم، بينما من جانب آخر أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي ومعه في ذلك وكالة الأمن القومي ومسؤولين في الشرطة آخرين أن مسارات التحقيقات للقبض على المجرمين ربما تواجه طريقًا مسدودًا إذا ما نجحت أبل وعمالقة الكمبيوتر في وادي السيليكون في هذا الصراع.

مبالغة في المخاطر وحجج زائفة

لكن لم تغفل الواشنطن بوست ذكر أن كلا الطرفين يبالغ في المخاطر، وكلاهما ربما يسوق حججًا زائفةً. ومع ذلك يذكر الكاتب أن تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة أبل، والذي وصفه أنه إما مختال وإما شجاع، ربما أخطأ في تقدير الموقف. و ربما أخطأ في اختيار تلك القضية تحديدًا ليعارض المحكمة -والتي من المقرر أن يصل الطعن  فيها إلى المحكمة العليا- ففي نهاية المطاف تعتبر قضية ضعيفة. ومن غير المحتمل أن تقضي المحكمة لصالحه، لذا فهو على وشك أن ينزع فتيل صراع سياسي.. على الأغلب سيخسره هو وكل المبادئ التي يدافع عنها.

تتلخص القضية في أن مكتب التحقيقات الفيدرالية يريد الولوج الكامل إلى هاتف آيفون 5C الذي استخدمه سيد فاروق، أحد المتهمين في أحداث سان برناردينو، كاليفورنيا.

لكن تتمثل المشكلة الأساسية أن مكتب التحقيقات لم يطلب من شركة أبل أن تفتح الجهاز الخاص بالمتهم. فبرمجيات الشركة الحالية تسمح للمستخدمين بضبط نظام حمايتهم الخاص، وعليه لن يستطيع المبرمجون في أبل الولوج للجهاز حتى لو أرادوا ذلك. لكن يظل هناك حل ذكي؛ وهو بالتحديد ما يطلبه مكتب التحقيقات، فقد طلب من شركة أبل أن تلغي خاصية أساسية في أجهزتها مؤقتًا، وهي أن في حال إدخال كلمة السر 10 مرات خاطئة، يمحو الجهاز كل ما عليه من بيانات. لكن تقول أبل إنه إذا تحقق ذلك سيتمكن مكتب التحقيقات الفيدرالية من استخدام برامج يمكنها توليد آلاف التخمينات من توليفات الأرقام والحروف في الثانية الواحدة، وبالتالي يمكنها فك رمز الحماية. وبالتالي يمكن لأي جهة متاح لديها نفس الأجهزة فك شفرات الأمان لآلاف الأجهزة، مما يعرض الشركة ومستخدميها للخطر.

بالطبع رفضت أبل الخضوع لطلب مكتب التحقيقات الفيدرالي، فتوجه المكتب للمحكمة لاستصدار أمر منها بذلك، وبالفعل أمر قاض من المحكمة بامتثال الشركة والتعاون مع المكتب بتلك الطريقة. يوم الثلاثاء الماضي كتب كوك رسالة مفتوحة لعملاء أبل معلنًا أن الحكومة قد تمادت كثيرًا في طلبها كتابة برمجيات جديدة من شأنها إضعاف أحد أنظمتها من حيث الأمان وحماية خصوصية المستخدم. فطلب مكتب التحقيقات يعرِّض مستخدمي أبل في العالم كله لمخاطر ضعف الأمان والحماية على أجهزتهم الخاصة. وكتب كوك في خطابه: “فذلك النظام الذي تطلبه الـ FBI يضع جميع أجهزة الآيفون في خطر محتمل”.

بينما صرح مسؤولو المكتب أنهم لم يطلبوا من أبل فتح  باب خلفي لهم يمكنهم من الولوج لجميع أجهزة أبل؛ إنما طلبوا طريقة تؤثر فقط على هذا الهاتف تحديدًا. وإذا ما أخذت أبل احتياطاتها فلن تتسرب الطريقة بالضرورة للأيدي الخاطئة.

كما أوضح مسؤول متقاعد في المخابرات له خبرة في أمن المعلومات والبرمجيات أن المبرمجين في أبل لن يضطروا لإجراء تغيرات أساسية لنظام فك الشفرات أو رمز التشغيل، فببساطة بإمكانهم إعادة ميزة الأمان القائمة الآن بعد الولوج للجهاز. كما أن بإمكان المهندسين في أبل إعادة تعيين ميزة في مختبرهم الخاص، من خلال جهاز تحكم سلكي بدون أي تمثيل حكومي، ويمكنها أيضًا أن تستخدم بنفسها أحد برامج توليد الشفرات، ومن ثم تسلم المحتويات التي وجدتها لمكتب التحقيقات الفيدرالي وتدمر الهاتف بعد ذلك.

يقول الكاتب إنه سأل بعض المسؤولين المتقاعدين من مكتب التحقيقات الفيدرالي، وبعض متخصصي الأمن: هل هذه الخطة ممكنة أم لا؟ بالفعل ظنوا أنها ممكنة. وقام بعرض رأيهم على مديرٍ تنفيذي لأحد شركات أمنيات برامج الحاسب، وعلى الرغم من انحياز الأخير لموقف أبل، يظن أنه من الممكن الوصول لطريقة آمنة لمعالجة البيانات كما ذكر الخبراء المتقاعدون.

وعلى الرغم من أن هذا المدير التنفيذي مثله مثل كوك ما تزال تؤرقه الأبعاد الأكبر للقضية؛ ففكرة  أن تُجبَر على فتح أحد الأجهزة حتى تتمكن الحكومة من الوصول لما داخله من بيانات شخصية أمر، وأن  تقوِّض حماية وأمن أحد الأنظمة هو أمر مختلف تمامًا.

تاريخ أبل يطاردها الآن

لكن، هل هناك حقًّا اختلاف بين الأمرين؟ يقول شين هاريس في الديلي بيست، بالفعل قامت أبل بفتح هواتف من قبل، حوالي 70 مرة منذ 2008، وكان بناءً على طلب من الحكومة، وأمر المحكمة. وبفعلها هذا هي قبلت ضمنيًّا مبدأ حق الحكومة في طلب الولوج لأحد الهواتف وبأمر المحكمة المبني على بعض الملابسات. وليتجنب كوك الاضطرار للخضوع لمزيد من طلبات الحكومة، في 2014 صمم نظام iOS8 للحماية، والذي بموجبه يمكن للمستخدم أن يحدد رمز حماية الهاتف، وإذا ما طلبت الحكومة من أبل الولوج للهاتف، يمكنهم ببساطة الرفض لأنهم حقًّا لا يستطيعون.

لكن الآن ابتدع مكتب التحقيقات الفيدرالي فكرة ملتفة حول نظام الأمان؛ أن تعطل أبل مؤقتًا ميزة محو البيانات بعد 10 محاولات خاطئة لتتمكن من فتح الجهاز. قد يكون الأسلوب مختلفًا، لكن النتيجة النهائية واحدة وهي ولوج مكتب التحقيقات لأحد هواتف أبل. ربما غيَّر كوك رأيه في حق الحكومة في الولوج للهواتف التي تنتجها شركته، لكنه أيضًا ربما يندم طوال عمره أنه تعاون مع الحكومة في أي وقت مضى.

فمهما كان موقف الشركة الحالية، لا يمحو حقيقة أن أبل قبلت المبدأ في الماضي.

ولعل أحد نقاط الضعف في حجة كوك من الناحية القانونية أن فاروق لم يشتر الهاتف بنفسه، إنما اشتراه له صاحب عمله: مركز الصحة العامة بسان برناردينو. وعليه فإن مالك الهاتف وهم مسؤولون في الدولة قد وافقوا بالفعل على طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي لفتح الهاتف. أي بعبارة أخرى كما يقول أورين كير أستاذ القانون بجامعة واشنطن، كمحاولة منه للوصول لتحليل متوازنٍ معقول: “لا يوجد أي خرق للمادة الرابعة من الدستور في تلك الحالة”. وهي مادة في القانون الأمريكي تحمي الأشخاص وممتلكاتهم من التعرض للتفتيش أو المصادرة غير المشروعة  أو بدون تفويض قانوني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد