نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني تقريرًا أعده الصحفيان كوينتن مولر وسيباستيان كاستيلير عن الدور الذي تلعبه عمان في الوساطة والحوار في منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد استقطابًا متناميًا، ويقول المحللون إنها تواجه ضغوطًا متزايدة للانحياز إلى أحد الجانبين.

في مستهل التقرير، ذكر مولر وكاستيلير أن عمان على مدار تاريخها الحديث، عادة ما كانت تدعو للحوار والتعاون والاستقرار الإقليمي. وتابعا: «في أعقاب سلسلة الضربات على منشآت نفطية في السعودية، في وقت سابق من سبتمبر (أيلول) الماضي، والتي ألقي فيها باللائمة، إلى حد بعيد، على إيران، رغم إعلان المتمردين الحوثيين مسؤوليتهم عنها، أكدت سلطنة عمان مجددًا على السمة المميزة لسياستها الخارجية وهي القيام بدور المُيَسِّر».

ونقل الموقع عن وزير الخارجية العماني، يوسف بن علوي، قوله خلال مقابلة أجراها معه موقع «المونيتور» السبت الماضي: «هناك العديد من الأصوات التي تقول إن حل هذه الأزمة سيتم من خلال استغلال الدبلوماسية»، وذلك بعد تصريحات سابقة له لصحيفة «تايمز أوف عمان» قال فيها: إن الهجمات كانت «تصعيدًا غير ضروري».

وأضاف بن علوي: «كلا الطرفين، أو حتى جميع الأطراف، عبرت بطريقة أو بأخرى عن رغبتها في اللجوء للدبلوماسية، سواء الدبلوماسية المعلنة أم الدبلوماسية خلف الأبواب المغلقة، وهذه أمور جيدة»، وأكد أن عمان ستقدم المساعدة، قائلًا: «لا نلعب دور الوسيط، إننا نختار لأنفسنا دور المُيَسِّر».

وقال الصحافي العماني فهد المقرشي لموقع «ميدل إيست آي»: «إن الجميع في عمان يرحب بتخفيف حدة التوترات بين الرياض وحلفائها من جانب، وطهران من جانب آخر»، واستطرد «جميع العمانيين يرغبون في إنهاء هذه التوترات، لقد طفح الكيل. إنه أمر محزن حقًّا، ما الهدف من الحرب؟ الجميع سيخسرون».

وأوضح المقرشي أن سلطنة عمان لطالما لعبت دور الوسيط في النزاعات الإقليمية. لافتًا إلى أن هذا دور عمان، وهو يشعر بالفخر الشديد بهذا.

لم تكن على الحياد دومًا.. حين قرر السلطان قابوس أن تشارك عمان في غزو إيران

وترفض الأجهزة الرسمية العمانية باستمرار التعليق علانية على العلاقة المتوترة بين جيرانها الخليجيين الأكبر؛ سعيًا منها للحفاظ على حياد الدولة. رغم ذلك، قال حسين ياري رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة السلطان قابوس: «إن الكثيرين داخل الحكومة يتفقون سرًّا مع وجهة النظر التي تقول إن إيران حرضت على الهجمات الأخيرة».

في الواقع، في الأوساط غير الرسمية، فإن التعليقات الحادة ليست شائعة، ويشير حسن ياري أيضًا إلى أن غالبية طلابه يرون أن السياسات التي قادتها السعودية والإمارات، في السنوات الأخيرة، في جميع أنحاء الخليج عدائية للغاية.

وقال ياري «هم يعتقدون أن البلدين تتبعان سياسة مزعزعة للاستقرار تجاه عمان». ويتشارك عمانيون – أجرى موقع «ميدل إيست آي» مقابلات معهم- في وجهة النظر القائلة بأن الصراع في اليمن، حيث يقاتل التحالف الذي تقوده السعودية المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران، يؤجج التوترات الإقليمية، التي قد تهدأ في حال انتهى الصراع. وقال أحدهم «إذا ألقيت حجارة على جيرانك، فسيردون ويتصرفون بعدوانية ضدك».

التعامل مع الأفيال

مع وقوعها على الساحل الشرقي لبحر العرب، وحدودها البرية الطويلة المشتركة مع السعودية والإمارات، وخط ساحلي يتضمن أراضيَ تواجه إيران على الجانب الآخر من مضيق هرمز، ترفض عمان بشكل عام أن تنحاز لطرف أو طرف آخر.

Embed from Getty Images

كان الاستثناء في حرب الثمانينيات بين إيران والعراق، عندما خطط السلطان قابوس، حاكم البلاد منذ عام 1970، للسماح للقوات العراقية بالانطلاق من عمان لشن هجمات على قواعد بحرية إيرانية.

يعلق حسن ياري أنه في حال اندلعت حرب، فستجد عمان نفسها في موقف صعب، وستكون مضغوطة بين حرب إيران والخليج، والصراع في اليمن، لكن مع المخاوف الأمنية، يتساءل الكثير من العمانيين عن الوضع المستقبلي للبلاد في منطقة مضطربة.

وقال محلل عماني كان يعمل في مجلس الوزراء، في تصريحات لميدل إيست آي، تحدث شريطة عدم الإفصاح عن هويته: «ينبغي أن تتصرف عمان بحذر وسط التوترات الإقليمية المتزايدة». وأضاف: «عندما تتعامل مع الأفيال، عليك أن تكون ذكيًّا وإلا ستدهسك».

ووفقًا للمحلل العماني، فإن سلطنة عمان تدرك جيدًا أن إيران خطيرة والسعودية أيضًا. ويعتقد أن كلا البلدين لديهما أذرع في كل مكان، في إشارة منه إلى النفوذ السياسي والاقتصادي والديني، الذي يمارسه البلدان في شتى أنحاء الشرق الأوسط.

لذا، تحاول السياسة العمانية احترام مصالح جميع الأطراف. في العام 2016، انضمت سلطنة عمان إلى تحالف الدول الإسلامية الذي تقوده السعودية لمحاربة الإرهاب، وهي مبادرة كانت تستهدف بشكل أساسي تنظيم داعش، الذي كان يسيطر حينها على أراضٍ داخل سوريا والعراق.

أشار التقرير إلى أن العلاقة الوثيقة لعمان بإيران تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما ساعدت طهران مسقط في إلحاق الهزيمة بتمرد في محافظة ظفار الجنوبية، وحتى بعد قيام الثورة الإيرانية، واصل البلدان التمتع بعلاقات تجارية، وأمنية، ودبلوماسية، واجتماعية مزدهرة، ومنذ عام 2014، تُجرى مناورات عسكرية مشتركة بين البلدين في مضيق هرمز.

وأردف التقرير «علاوة على ذلك، عقد المسؤولون الأمريكيون ونظرائهم الإيرانيون محادثات سرية في مسقط، قبل الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، مما عزز المكانة التي تحتلها كميَسِر».

«معنا أم علينا»

يرى البعض الأزمة الحالية بمثابة تهديد للمجال الدبلوماسي الفريد بين إيران والسعودية، الذي أوجدته عمان لنفسها على مدار عقود، وقال الأكاديمي العماني عبد الله باعبود لميدل إيست آي: «نحن نعيش في عصر يشهد الكثير من الاستقطاب: فإما أن تكون معنا وإما علينا».

ونوه التقرير إلى أن عمان رفضت خلال الأعوام الأخيرة الانضمام للتحالف الذي يقاتل الحوثيين في اليمن، لتغدو الدولة الوحيدة من دول مجلس التعاون الخليجي التي تفعل ذلك، حتى مع انضمام قطر في البداية للجهود التي تقودها السعودية في عام 2015.

بعد ذلك بقيت مسقط بعيدة عن الحصار الذي فرضته السعودية وحلفاؤها على قطر في عام 2017، بينما ضاعفت صادراتها غير النفطية إلى الدوحة، وحافظت على علاقات وثيقة مع إيران، مما أغضب تحالف الرياض وأبوظبي.

أيضًا، اتهِمت عمان في عام 2016 بغض الطرف عن أسلحة هُربت عبر أراضيها إلى الحوثيين، وهو الاتهام الذي نفته وزارة الشؤون الخارجية العمانية.

ويرى باعبود أن السعودية والإمارات تحاولان «شيطنة عمان أمام الشركاء الدوليين» عن طريق الدفع بالرواية التي تفيد بأن عمان «ليست معنا لكنها ضدنا»، ويرافق ذلك الهجوم الدبلوماسي ضغوطًا اقتصادية.

ووفقًا لباعبود، فإن الكثير من العمانيين يعتقدون أن الإمارات تسببت في تأخير إنشاء شبكة سكك حديدية مع عمان عمدًا؛ من أجل عرقلة تطوير ميناء الدقم، الواقع على بحر العرب، والذي تسعى عمان لتطويره بديلًا إقليميًّا عن ميناء جبل علي الإماراتي.

في غضون ذلك، زاد مؤخرًا اعتماد عمان على الاقتراض، مع تجاوز ديونها 50% من الناتج المحلي الإجمالي. وقال الأكاديمي إن «عمان تدفع ثمنًا باهظًا بسبب حيادها، لكنها تعتقد أنه يستحق ذلك الثمن».

ما بعد «قابوس»

ويتابع التقرير: في سياق الخلافة التي تلوح في الأفق لما بعد السلطان قابوس البالغ من العمر 78 عامًا، والذي يُعد أطول الحكام بقاء في منصبه في العالم العربي، تخشى أصوات داخل السلطنة من أن تمارس السعودية والإمارات ضغوطًا على خليفته للتخلي عن موقف عمان المحايد والانحياز إليهما في نهجهما المعادي لإيران.
Embed from Getty Images

ويتوقع باعبود أن تفشل محاولات التلاعب بالسياسة الخارجية للسلطنة، إذ إن موقفها الحيادي الفريد يعتمد على مزيج دقيق من العوامل الثقافية، والسياسية، والاجتماعية المتأصلة بعمق في الهوية العمانية، والمتمثل أيضًا في آراء السلطان قابوس وقراراته.

ويقول محللون إنه بعيدًا عن كونها مسألة مبدأ، فلا يوجد خيار آخر أمام عمان. وأضافوا أن حياد عُمان السياسي أمر أساسي في سبيل الحفاظ على استقرارها ومكانتها المتميزة على الساحة الدولية.

ويقول حسن ياري إن السياسة الخارجية لعمان أصبحت أفضل حماية لها ضد القوى المهيمنة في المنطقة، في وقت يتزايد خلاله الاستقطاب. وقال المحلل الذي عمل لصالح مجلس الوزراء العماني «إذا حدث أي ضغط، فسيأتي من الإمارات».

وتشير أحداث سابقة إلى احتمالية أن تكون مخاوفه منطقية: ففي العام 2011 كشفت السلطنة عن شبكة تجسس تتبع جهاز أمن الدولة في الإمارات، وكانت تستهدف العائلة المالكة في عمان. وبعد ستة أعوام، اخترق عملاء يعملون لصالح الإمارات هاتف آيفون خاص بوزير الشؤون الخارجية العماني.

وقال سلطان الكعبي أستاذ الاتصالات العماني في حديثه لموقع «ميدل إيست آي»: «إن العلاقات الاجتماعية بين العائلات العمانية والإماراتية متشابكة منذ قرون»، مطالبًا صناع القرار بالحذر لضمان عدم «هدم تلك العلاقات». وأضاف «نحن عائلة واحدة».

«جيش السلطان».. القوات المسلحة العمانية تحت المجهر

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات