«كان الديكتاتور الأطول حكمًا في القرن العشرين مصممًا على التحول الراديكالي بديلًا عن التنمية العالمية، ومن المفارقة أنه –مع ذلك – ترك بلاده منغلقة فقيرة ومعزولة» هكذا لخص «هافيير كوراليس» فترة حكم «فيدل كاسترو».

كتب «هافيير كوراليس» تقريرًا على «فورين بوليسي» يعرض بعض أهم جوانب حكم «فيدل كاسترو»، بعضها كان جحيمًا وبعضها كان ظاهره التقدم وباطنه جحيمًا، وبالأخص النظام التعليمي الذي لطالما تباهى به، هناك بعض الجوانب السيئة التي فتت في عضد النظام التعليمي نفسه. قام بمعونة الكاتب في بحثه «جوشوا تومبسون» و«لورينزو فيليجاس».

توارث الديكتاتورية

يقول الكاتب: تُوفي فيدل كاسترو يوم الجمعة عن عمر يناهز التسعين، كان الديكتاتور الأطول حكمًا في القرن العشرين، إذ حكم كوبا رسميًا لمدة 49 عامًا، منذ عام 1959 حتى عام 2008، بالإضافة لثلاث سنوات إضافية قضاها رئيسًا للحزب الشيوعي للبلاد حتى عام 2011. يعد ذلك الوقت الطويل مثيرًا حقًا للدهشة، إذ تعرف أمريكا اللاتينية بأنها بلاد الكثير من المستبدين، بينما لم يقترب أحد من السلطة إلا ألفريدو ستروسنر ديكتاتور باراجواي، حتى إنه لم يقترب كثيرًا.

تعني فترة الحكم الطويلة لكاسترو، أنه كان لديه الكثير من الوقت والفرص لتحقيق الرخاء والتنمية لبلاده إذا جاز التعبير، ولكن بدلًا من ذلك، فقد ترك كوبا أسوأ – على الأقل نسبيًا مما كان عليه الوضع عندما تولى السلطة.

كانت كوبا واحدة من أغنى البلاد في الأمريكتين قبل أن يتولى السلطة، بينما بحلول الثمانينيات من القرن العشرين، أصبحت كوبا من بين أفقر البلاد، وفي حين تضاعف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة في الفترة من 1958 حتى أواخر العقد الأول من القرن 21، زاد نصيب الفرد في كوبا زيادة بسيطة بنسبة 5% خلال نفس الفترة، إذ صارت هاييتي وحسب، وربما هندوراس أسوأ من كوبا.

لم يزدد الحنق على ضعف أداء كاسترو بسبب ما آلت إليه الأوضاع مقارنة بوضع كوبا الجيد عندما استلم زمام السلطة فحسب، بل أيضًا بسبب المساعدات الضخمة التي تلقاها من الخارج، إذ دعمه الاتحاد السوفيتي بحجم هائل من المساعدات منذ أواخر الستينيات حتى 1990، ويقدر إجمالي هذه المساعدات 62 مليار دولار.

وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انضمت كل من فنزويلا والصين وإسبانيا سددت جميعهم الديون لكوبا، فضلًا عن الكوبيين الأمريكيين الذين بلغت تحويلاتهم من الخارج أرقامًا قياسية، حقيقة يتطلب الأمر عدم كفاءة شديدة في ضياع كميات الأموال الهائلة، فضلًا عن تضييع نقطة بداية جيدة لانطلاق البلد، وتحويل كل المساعدات إلى رماد.

التعليم ظاهره تقدم باطنه تكريس قمع

سوف يخبركم كاسترو أن أعظم إنجازاته جاء في شكل «بديل عن التنمية» لا يمكن قياسه وفقًا للدخل والسلع الاستهلاكية، ربما مثاله المفضل هو ما حققته بلاده في مجال التعليم.

مما لاشك فيه أن كوبا حققت معدلات مرتفعة في التعليم وأداء الطلاب في اختبارات القراءة والرياضيات، ولكن هناك الكثير من الجوانب فشلت تلك الإحصاءات في إظهارها.

يتعلم الطلاب الكوبيون القراءة والكتابة والرياضيات في المدارس، لكن أصبح أهم شيء هو تلقين الطلبة، وفي النهاية، يجب أن يتعلموا أن يحبوا كاسترو بمقدار ما يحبون ماركس. أما في الجامعات، فالعلوم الاجتماعية غير محبذة على الإطلاق، إذ تقتصر دراستهم فقط على الأفكار الماركسية الاجتماعية، مما أدى إلى اتجاه الطلاب المتفوقين إلى اختيار مهن أخرى، وخاصة الطب.

عندما ينهي الطلاب الكوبيون دراستهم، تفرض الدولة قيودًا عليهم في استخدام المهارات التي اكتسبوها، إذ لا توجد حرية اختيار المكان الذي يريد الخريج العمل فيه، فضلًا عن أنهم غير مصرح لهم بالانضمام إلى الاتحادات المستقلة أو المشاركة في الإضرابات.

في ظل حكم فيدل، لم يكن هناك أماكن للتوظيف على الإطلاق عدا ما توفره الدولة، حتى العمال الكوبيون الذين يعملون في الشركات الأجنبية، كانوا يتلقون أجورهم عن طريق الحكومة. لا يمكن للمرء حتى أن يقرأ بحرية، إذ إن المكتبات ومنافذ بيع الكتب ووسائل الإعلام كلها تخضع لرقابة السلطات، لذلك يجب وضع كافة هذه السمات للنظام التعليمي في كوبا في الحسبان عندما نعتبره تتويجًا لإنجازات كاسترو.

القمع السياسي وجاسوسية المواطنين

كانت لكاسترو بصمة حقيقية في إنهاء الاضطراب السياسي في بلاده، إذ كان متوسط سنوات حكم الرؤساء الكوبيين قبله، سواء جاؤوا بانتخابات أم لا؛ أقل من سنتين ونصف، حتى أهم زعيمين كوبيين تولوا السلطة قبل فيدل، «جيراردو ماتشادو» و«فولجنسيو باتيستا»، استمروا فترة قصيرة نسبيًا في مقعد الرئاسة، فقد استمرت ديكتاتورية «باتيستا»، والتي توصف بأنها أكثر فترات كوبا تسلطًا أكثر من أي وقت مضى، قرابة السنوات الست، وبعد تمرد «إسكامبير» والثورة المستمرة المناهضة لكاسترو، والتي انتهت عام 1965، أصبحت كوبا المكان الأكثر استقرارًا في أمريكا اللاتينية.

قد يتصور شخص ما أن الاستقرار ربما يكون ميزة اقتصادية، إذ يتفق علماء الاقتصاد مثل «ماكس ويبر» و«تشارلز تيلي» و«مانكور أولسون» و«دوجلاس نورث» أن استقرار النظام شرط أساسي لتحقيق الرخاء الاقتصادي، بينما لم يرَ النظام السياسي في كوبا أي ربيع اقتصادي؛ يرجع ذلك للطريقة التي أخمد بها كاسترو جزيرته، عن طريق السجن والإجبار والنفي، ولم يكن كاسترو أول من فرض هذه الممارسات، ولكنه استخدمها بمستويات غير مسبوقة.

لم يكن لكاسترو منافس في تطبيق عقوبة السجن في الأمريكتين، إذ بلغ عدد السجناء السياسيين في كوبا منذ أوائل الستينيات ما بين 40 ألفًا و60 ألف سجين. بوضع ذلك الرقم في الحسبان، لم يتجاوز عدد السجناء 1600 سجين عندما أطيح «باتيستا» عن كرسي السلطة.

وقد ازدادت حالات السجن القسري المشدد.

استخدمت كوبا في ظل حكم كاسترو جميع التكتيكات القمعية المرتبطة بالأنظمة الشمولية في القرن العشرين.

استخدمت كوبا في ظل حكم كاسترو جميع التكتيكات القمعية المرتبطة بالأنظمة الشمولية في القرن العشرين، كما قُدر عدد القتلى إبان حكمه بين ستة آلاف و17 ألف قتيل، وقد منع إنشاء الشركات الخاص أو المدارس الخاصة أو المعاهد الخاصة أو الصحف الخاصة أو أي نوع من أنواع المنظمات المستقلة غير الحكومية.

لم يستطع الكوبيون أن يفلتوا من قبضة الدولة، أو يكتسبوا لقمة عيشهم من أي صاحب عمل آخر، كانوا دائمًا مراقبين من بعض الجواسيس، ليصل بهم الأمر في نهاية المطاف على الجانب الخاطئ من الثورة، ويعني ذلك أنهم أصبحوا منبوذين من المجتمع تمامًا، وحتى إن لم يحتجزوا في السجن من قبل، فهم يتركون بدون وظيفة؛ أي بلا مستقبل، وهو ما لم يفعله أي نظام آخر في أمريكا اللاتينية في تهميش ومحاصرة مواطنيه كما فعل فيدل.

لكن القهر في عهد فيدل كاسترو تجاوز كونه وحشية توجهها الدولة، فنجد أحد أهم موروثات كاسترو هو اختراع آلية مميزة تجعل المواطنين الكوبيين أنفسهم يتعاونون طوعًا مع الحكومة من خلال المؤسسات «الأورويلية» – أو ما يطلق عليها لجان الدفاع عن الثورة – التابعة للدولة.

على الورق، كانت تقارير لجان الدفاع عن الثورة تديرها الجهود التطوعية في مؤسسات الأحياء التي تم تصميمها لمعالجة المشكلات المحلية. بالطبع اعتبرتهم الحكومة إنجازًا في الحكم الديمقراطي، لكن في الحقيقة صارت تلك المؤسسات واللجان آلية للرقابة العامة. عمل على التقارير لتلك اللجان المتطوعون من كل حي وكانت مهمتهم الأساسية مراقبة كل ما يدور في شوارع الأحياء. وكانت أي إشارة أو بادرة للعصيان في الشوارع أو عدم الولاء للنظام تبلغ على الفور للسلطات.

زادت تلك التقارير بمعدل مفجع عن بداية تأسيسها في عام 1961. وبحلول عام 1964، بلغ عددها 110000 لجنة في جميع أنحاء كوبا، وقد زادت عقب تنحي فيدل كاسترو ليبلغ عددها 133000. توسعت تلك المنظمات بسرعة بالغة بسبب الحوافز المغرية التي كان من المستحيل رفضها أو مقاومتها. فقد آتى التطوع في اللجان والقبض على شخص ما يقوم بفعل أمر خاطئ مخالف (على سبيل المثال شراء بضاعة من السوق غير الرسمي) ثماره، ومكافآت عدة. إذا أبلغ فرد عن مخالفة للسلطات يحصل على نقاط مميزة لدى الحزب الشيوعي تشمل بضائع استهلاكية وترقيات أو حتى الإعفاء من العمل التطوعي. وإذا قرر شخص أن يتأخر في التبليغ عن تلك المخالفات، يمكن أن يستغلها الفرد في ابتزاز جيرانه، وبكل الأحوال، لطالما كان الفوز من نصيب الجواسيس، لذلك تكاثر الجواسيس وانتشروا. وكانت تلك الآلية الثالثة التي تمكن من خلالها كاسترو من محاصرة الجزيرة ونفيها.

منع الهجرة

صورة لمجموعة من المواطنين الكوبيين المهاجرين على قارب عام 1980، فيما عرف بهروب ماريول، هجرة غير شرعية

وكما هو الحال في البلدان التي لا تنتج ثروات، أسست الدولة نظامًا صارمًا في استخراج تأشيرات الخروج من البلد، والتي ترمي إلى منع «هجرة العقول»، إلا أن نظام التأشيرات الصارم كان أكثر مرونة عن نظام استخراج تأشيرات الخروج في دول أوروبا الشيوعية. فبينما فعل الاتحاد السوفيتي كل ما في وسعه لمنع هجرة العقول، لدرجة تشييده حائطًا حول برلين، استغل كاسترو نظام التأشيرات كصمام نجاة يتم تعديله حسب الحاجة. في الفترات عندما تزايد السخط وزادت الضغوط، عدله بحيث سمح للبعض بالخروج. كان هناك على الأقل خمس موجات غضب تحت حكم كاسترو، وبحلول الوقت الذي تنحى فيه عن الحكم كان حوالي 8 إلى 10% من المواطنين الكوبيين في المنفى.

خدم هذا النظام كاسترو جيدًا، إذ قضى معظم المواطنين الساخطين وقتهم في محاولة الفرار عوضًا عن تغيير النظام. فكانت النتيجة أن أهم صادرات كوبا – بخلاف تقديم المشورات الفنية لحرب العصابات بالخارج – هي تصدير المعارضة الداخلية.

كان نظام تأشيرات الخروج نظامًا ذا اتجاه واحد، خروجًا بلا عودة، ونادرًا ما رحبت الدولة بالعائدين، فضلًا عن أن المنفيين لم يهتموا بالأساس بالعودة. وكان لهذا أيضًا فوائده لكاسترو، فلو كان المهاجرون من كوبا والذين بلغ عددهم في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مليون كوبي ظلوا في كوبا، لنجحوا في تشكيل حزبٍ معارضٍ للحزب الشيوعي.

تغييرات اضطرارية طفيفة

الظن بأن حكم كاسترو في كوبا كان ثابتًا طوال فترة حكمه هو اعتقاد غير دقيق؛ فانهيار الاتحاد السوفيتي في 1990، وبالتالي نهاية المساعدات السوفيتية، دمر الاقتصاد الكوبي. ولتجاوز تلك «الفترة الخاصة» والنجاة منها، أدرك كاسترو أن الأوضاع تحتاج تغييرًا.

في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، تصالح مع الكنيسة الكاثوليكية، التي قام بتدميرها في فترة سابقة. وتوقف عن اضطهاد المثليين والمثليات والشواذ الذين كان يحتجزهم في معسكرات الاعتقال أو قام بطردهم أثناء «هروب ماريول الجماعي». سمح بالقليل من أشكال العمل الحر، حتى إنه حرر تداول الدولار في بعض الفترات، ومع ذلك كان يحتقر التحفيز المالي. بدأ في تشجيع السياحة، بما فيها السياحة الجنسية، وذلك على الرغم من أنه قام قبلًا بتأميم الفنادق العالمية بحجة أنها – حسب قوله – هي بؤر الفسق. كما أوقف تجريم الاستثمارات الأجنبية الخاصة، ومع ذلك، على عكس ماركس لم يلق إطلاقًا ثناءً من الرأسماليين.

لكن، في النهاية، كان التحسن في حكم كاسترو محدودًا وقصير الأجل. إذا ما قورن نظام كاسترو بالتحولات التي هزت الدول الشيوعية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في شرق أوروبا وآسيا، نجد أن كوبا لم تغير مطلقًا نظامها الاقتصادي أو سياساتها غير الليبرالية. في الحقيقة، في عام 2008 عندما تنحى كاسترو عن الحكم، بدأت تظهر علامات العودة لأقسى أشكال القمع.

عادت الدولة من جديد لسياسة تقليص العمل الحر، والحد من الاستثمارات الأجنبية الخاصة، وتضييق الخناق على المعارضة. إذ قُمِعَت حملة فاريلا وصدر حكم محكمة بإيقافها عام 2003، وهي حملة تدعو إلى إجراء إصلاحات دستورية من شأنها أن تسمح بإجراء انتخابات حرة. صدر حكم على خمسة وسبعين من الأفراد المناصرين لتلك الحركة الديمقراطية بالحبس بمتوسط 20 عامًا عقب محاكمة استمرت يومًا واحدًا. وبدأت «ذوات الرداء الأبيض»، وهي مجموعة من زوجات المسجونين، بالقيام بمظاهرات شعبية، والتي تعد من أبرز الاحتجاجات الشعبية التي قامت في كوبا حتى يومنا هذا. وشمل تقرير لمنظمة العفو الدولية سجن ما لا يقل عن 62 مسجون رأي، واعتقال ما يقرب من 50 شخصًا، والحكم على حوالي 40 شخصًا بالإعدام في العام الأخير فقط من فترة حكم كاسترو.

راديكالية انتهت بالمحافظة

باختصار، لم يفِ فيدل كاسترو بوعوده لتحقيق أهداف الثورة الاشتراكية كما الحال في ثورة هوبز. إذ قام بتحويل كوبا إلى دولة قمعية. كان إرثه الأكثر ديمومة قدرته على تخدير وإخماد ما كانت تعرف بالجزيرة المتغطرسة قبل قدومه.

كانت المشكلة مع «باكس فيدليا» هي كيف تحولت؛ بعض قادة العالم يحققون النظام في بلدانهم من خلال تلبية مطالب مواطنيها ومنحهم الحريات اللازمة لتحقيق طموحاتهم. أما بالنسبة لكاسترو فالتهدئة لها معنى واحد وهو القمع.

بطبيعة الحال، لم تكن لدى تلك السياسة أي فرصة ممكنة لتخليص كوبا من الفقر. ومن هذا المنطلق، لم يكن حكمه انتقاليًا. ولكن بمنظورٍ آخر، كان حكم كاسترو تاريخيًا لأنه كان حكمًا استقطابيًا للغاية. أسلوبه الخانق أغضب الكثير من الكوبيين – ربما الغالبية العظمى. كان حكم فيدل جحيمًا بالنسبة للكوبيين. أما بالنسبة للدول الأخرى فكان حكمه يمثل انتصارًا. لا يزال الكوبيون ممن هم في السلطة يخافون من تداعي حالة السلام التاريخي في بلادهم؛ هم لا يريدون المخاطرة بالعودة بكوبا للفوضى مرة أخرى، ففي اعتقادهم أن أي مناخ سياسي تنافسي سيؤدي للفوضى.

على الرغم من أن كاسترو جعل أغلب الكوبيين يائسين وغير راضين، إلا أنه جعل أيضًا قلة من الكوبيين راضين بسياساته. ويبقى اتجاههم المحافظ واحدًا من أكثر العقبات خطورة في الانتقال الديمقراطي في كوبا. ومن قبيل المفارقة المحزنة أن الفكر المحافظ بالأصل جاء إلى كوبا بفضل ذلك الزعيم الذي قضى أطول فترة حكم عالميًا ممارسًا لأيديولوجيات تعد الأكثر راديكالية في عهده.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد