بسماحها ببقاء أحد لاعبي كرة القدم اللاجئين عالقًا في تايلاند، فإن الهيئة المنظمة لكرة القدم في العالم تحرز هدفًا عكسيًا جديدًا.

عندما هبط لاعب كرة القدم حكيم العريبي في مطار بانكوك رفقة زوجته في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لم يكن يتوقع قضاء شهر العسل في السجن، أو أنه سيصبح الشخصية الرئيسة في أزمة دولية تختبر العلاقات بين تايلاند، والبحرين، وأستراليا، وتختبر قدرة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على تقديم مصلحة الرياضيين على سياساته الداخلية، أو حتى على مصالحها المادية، كما يناقش الكاتب ماثيو هول في مقاله الذي نشره على موقع مجلة «فورين بوليسي».

هذا ما يواجهه العريبي الآن

يذكر هول أن العريبي هو لاجئ يبلغ من العمر 25 عامًا مقيم بصفة دائمة في أستراليا. فر العريبي من البحرين عام 2014 بعد اعتقاله وتعذيبه بسبب دوره المزعوم في احتجاجات عام 2011 في دولة البحرين الخليجية. وقد حكم أحد القضاة البحرينيين على العريبي بالسجن 10 سنوات غيابيًا.

وقفة احتجاجية لمجموعة من الحقوقيين للمطالبة بالإفراج عن حكيم العريبي – سيدني- يناير (كانون الثاني) 2019

استندت إدانة العريبي على اعتراف – يُقال إنه تحت الإكراه – من شقيقه عماد الذي قال إنه وشقيقه كانا جزءًا من مجموعة مكونة من 150 متظاهر قاموا بتخريب مركز للشرطة، لكن بحسب الكاتب، هناك عيب خطير يشوب مرافعة الادعاء، وهو أن العريبي كان يلعب مباراة لكرة القدم تم بثها مباشرة على شاشة التلفاز في نفس الوقت الذي يُتهم فيه بالمشاركة في الهجوم على مركز الشرطة.

كان العريبي يلعب ضمن صفوف أحد الأندية الأسترالية قبل اعتقاله في بانكوك. لقد وجدت الحكومة الأسترالية – التي تشتهر برفض منح حق اللجوء لكثير من طالبي اللجوء الذين يبدو أنهم يستحقونه – أن ادعاء العريبي بالخوف من العيش في وطنه صادقًا بدرجة كافية لمنحه حق اللجوء في عام 2017.

ألقت السلطات التايلاندية القبض على العريبي في مطار بانكوك استجابة لمذكرة حمراء – وهي في الواقع أمر اعتقال دولي – أصدرها الإنتربول بناء على طلب السلطات البحرينية. طالب البحرينيون بتسليم العريبي إلى بلده الأم، على الرغم من أنه كان مسافرًا إلى تايلاند بوثائق سفر لاجئ أسترالية الإصدار. وما عقد الأمور أكثر هو أن تايلاند ليست من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بأوضاع اللاجئين لعام 1951؛ مما يعني أنها لا تقع عليها – فعليًا – نفس الالتزامات القانونية الدولية لحماية اللاجئين التي تلتزم بها أستراليا وغيرها من الدول الموقعة على الاتفاقية.

مع ذلك لا يزال العريبي رهن الاحتجاز إلى أن تقرر السلطات التايلندية الوجهة التي سترسله إليها: البحرين أو أستراليا. في هذه الأثناء رفع الإنتربول المذكرة الحمراء وسط تساؤلات حول شرعية إصدارها من البداية؛ إذ تنص سياسة الإنتربول على أنه لا يمكن إصدار أي مذكرة ضد لاجئ من قبل بلد فر منها. وقد دعت أستراليا إلى إعادة العريبي إلى أراضيها لكن دون جدوى إلى الآن. كان العريبي قد صرح لصحيفة «الجارديان» بعد احتجازه في بانكوك قائلًا: «لا أريد البقاء هنا، أنا لاجئ في أستراليا. أنا خائف من الحكومة البحرينية؛ سوف يقتلونني. لا أعرف تحديدًا ما الذي سيحدث لي هناك. ستنتهي حياتي إذا ذهبت إلى البحرين».

وصرحت الحكومة البحرينية لصحيفة الجارديان أن التهم الموجهة إلى العريبي «تتعلق بالإرهاب»، لكن المخاوف على حياته لا أساس لها من الصحة. وقال متحدث باسم الحكومة البحرينية: «يفترض النشطاء الذين يزعمون أنَّهم يتحدثون نيابة عنه أن حياته ستكون في خطر إذا عاد إلى البحرين، لكنه محكوم عليه بالسجن فقط».

تايلاند.. المخرج الأول للفارين من الخليج

لقد أصبحت هذه القضية ضمن أولويات الحكومة الأسترالية، إذ قام مسؤولون من سفارتها في بانكوك بزيارة العريبي في عدة مناسبات منذ اعتقاله في نوفمبر، كما أثارت وزيرة الخارجية ماريزه باين القضية خلال لقاء جمعها في بانكوك مع نظيرها التايلاندي دون برامودويناي في أوائل يناير (كانون الثاني).

وقالت ماريزه: «نحن قلقون للغاية بشأن احتجازه ونشعر بقلق بالغ إزاء أي احتمالية لعودة السيد العريبي إلى البحرين»، فهي تعتقد أنه إذا أعادت تايلاند العريبي إلى البحرين فإنها ستنتهك بذلك الحقوق الممنوحة له بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. لكن نظرًا لعدم توقيع تايلاند على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بأوضاع اللاجئين فقد تقول بأنها ليست ملزمة بحماية حقوقه.

«ميدل إيست آي»: أكثر من ألف حالة.. لماذا تهرب النساء من السعودية؟

هذه هي المرة الثانية في الأشهر الأخيرة التي تتورط فيها السلطات التايلاندية في محاولات الإعادة القسرية للأشخاص الفارين من دول الخليج هربًا من الاضطهاد. إذ كانت المراهقة السعودية رهف محمد القنون في طريقها إلى أستراليا مستخدمة تأشيرة سياحية بعد أن خططت للحصول على حق اللجوء بها عندما تمكن دبلوماسي سعودي من مصادرة جواز سفرها في مطار بانكوك.

في نهاية المطاف سُمح لرهف بمغادرة تايلاند إلى كندا خوفًا من قتل عائلتها لها لارتدادها عن الإسلام حيث مُنحت حق اللجوء هناك. لكن العريبي – رغم حصوله بالفعل على حق اللجوء – لم يحظ بنفس القدر من الوضوح في المعاملة من قبل التايلانديين. ويبدو أن البحرين مصممة على استيفاء مطالبها معتمدة على العلاقات الشخصية القوية بين العائلتين الحاكمتين في تايلاند والبحرين.

من ينقذ العريبي؟

أحد اللاعبين المحوريين في هذه القضية هو الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة رئيس الاتحاد الأسيوي لكرة القدم (AFC) -المنظمة التي تدير وتنظم شؤون كرة القدم في قارة آسيا – ونائب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). ووجهت الفيفا دعوة لإعادة العريبي إلى أستراليا، بالإضافة إلى دعوات من اتحادات لاعبي كرة القدم المحترفين حول العالم لتناول هذه القضية التي قوبلت بالصمت من الشيخ سلمان والاتحاد الآسيوي لكرة القدم.

حكيم العريبي

لا يمكن اعتبار هذا التقاعس مصادفة – بحسب الكاتب؛ فالشيخ سلمان بحريني الجنسية، وهو أحد أفراد الأسرة الحاكمة في البحرين، وقد تعرض للانتقاد المباشر من العريبي لعدم حمايته للرياضيين الذين تم اعتقالهم وتعذيبهم من قبل السلطات الحكومية لتورطهم في احتجاجات عام 2011. يملك الشيخ سلمان ما يكفي من النفوذ لكي يتنازل المسؤولون البحرينيون عن مطالبهم أو لحشد دعم الاتحاد الآسيوي لقضية اللاعب، لكنه قال بشكل خاص إنه في هذه القضية بالذات «يجب أن لا تختلط الرياضة والسياسة». لذلك يحب على العريبي وأولئك الذين يقاتلون لإطلاق سراحه ألا يتوقعوا أي مساعدة من الشيخ البحريني أو الاتحاد الآسيوي.

ويعتقد الكاتب أن الشيخ سلمان يستخدم صمته العام من أجل طموحاته السياسية، سواءً في الداخل أو الخارج. فقد سعى الشيخ ليحل محل سيب بلاتر – رئيس الفيفا الذي استقال عام 2015 –  إلا أن حملته الدعائية تضررت بسبب الحديث عن تقاعسه عن حماية الرياضيين، بل الادعاءات عن مشاركته عام 2011 في تحديد الرياضيين الذين شاركوا في الاحتجاجات الشعبية، وهي الادعاءات التي قام بنفيها. وهو يستعد في الوقت الحالي لإعادة انتخابه رئيسًا للاتحاد الآسيوي لكرة القدم في وقت لاحق هذا العام، كما يُعتقد أنه ما زال يطمح للحصول على منصب رئيس الفيفا خلفًا للسويسري جياني إنفانتينو؛ فالوصول إلى قمة كرة القدم العالمية سيكون إنجازًا كبيرًا لمملكة البحرين.

لكن التقاعس عن أزمة العريبي قد يكون له ثمن على الشيخ سلمان وغيره من كبار المسؤولين في كرة القدم العالمية. لقد حذر بريندان شواب المدير التنفيذي للرابطة العالمية للاعبين – مجموعة تضم اتحادات تمثل لاعبي كرة القدم المحترفين، ولاعبي الرجبي، وكرة القدم الأمريكية، وكرة القدم الأسترالية – من عواقب وخيمة، إذا لم يعد العريبي إلى أستراليا.

وقال شواب لمجلة فورين بوليسي: «إن العالم ينظر ليرى كيف يتعامل كبار المسؤولين في فيفا والاتحاد الآسيوي لكرة القدم واتحادات كرة القدم في تايلاند والبحرين مع أزمة حقوق الإنسان هذه» مشيرًا إلى أن المسؤولين الرياضيين سيواجهون ردود أفعال من اللاعبين المحترفين حول العالم إذا لم يدعموا عودة العريبي إلى أستراليا، وكذلك قد تواجه اتحادات كرة القدم المحلية في تايلاند والبحرين عقوبات بدورها. وأضاف: «إن فشل مسؤولو اللعبة في التصرف لحماية حكيم يعني خذلان رياضة كرة القدم، وسيضعهم في موقف لا يمكن الدفاع عنه بكل تأكيد».

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات