نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي تقريرًا أعدَّته ناتاليا ميخالشينكو، باحثة مشاركة بجامعة ليدز. ويورج ويجراتس، باحث ومحاضر في الاقتصاد السياسي للتنمية العالمية بجامعة ليدز، تناولا فيه تدابير مكافحة جرائم الاحتيال في دول القارة السمراء، وسلَّطا الضوء على 10 سمات أساسية تميَّزت بها هذه التدابير.

الاحتيال في زمن كوفيد-19

وفي مستهل التقرير أشار الباحثان إلى أن جائحة كوفيد-19 أدَّت إلى خنق عدد من قطاعات الاقتصاد العالمي. لكنها أنعشت – على ما يبدو – ممارسات المحتالين وأعمالهم. ويُلاحظ عدد من الخبراء أن بعض المحتالين استغلوا الفرص الجديدة لاقتصاد الجائحة، وأنهم – المحتالين – أصبحوا على ما يبدو أكثر تطويرًا لأساليبهم الخاصة بالاحتيال. وفي الوقت نفسه أصبحت تدابير مكافحة الاحتيال أيضًا أكثر تطورًا؛ إذ تُؤدي التكنولوجيا دورًا مهمًا، فضلًا عن زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الاحتيال.

العالم والاقتصاد

منذ 3 سنوات
تزوير أرقام التنمية وتعطيش الفقراء.. ماذا تعرف عن الوجه المرعب للبنك الدولي؟

ويرصد التقرير عددًا من المبادرات التي طُرِحت خلال السنوات الأخيرة باسم «مكافحة جرائم الاحتيال، والحد من أشكاله المختلفة، وتقليل الجرائم الأخرى التي يُعاني منها الاقتصاد العالمي». لكن هل أثبتت هذه التدابير فعاليتها بالفعل في احتواء جرائم الاحتيال والحد منها؟ وهل ستنجح الحزمة النموذجية من تدابير مكافحة الاحتيال في القضاء على جرائم الاحتيال في عصر جائحة كوفيد-19؟

ويُوضح الباحثان أنهما أجريا بحثًا يتناول السمات الأساسية التي تتميز بها تدابير مكافحة الاحتيال في عدد من دول أفريقيا، وأنهما درسا هذه السمات في الدول الواقعة جنوبي القارة، مثل مالاوي، وبوتسوانا، وجنوب أفريقيا، وزامبيا، وجمعا معلومات عن الدول الواقعة في شرقها مثل كينيا، ورواندا، وتنزانيا، ومدغشقر، وغرب غانا، ونيجيريا، وسيراليون.

وفي هذا البحث سلًّط التقرير الضوء على الوسائل المختلفة للتصدي لجرائم الاحتيال لتحديد الديناميكيات والمباحث الأساسية. واستخدما بعض البيانات المتوفرة على شبكة الإنترنت المستقاة من وسائل الإعلام الإخبارية، بالإضافة إلى استخدام بعض التقارير المتوفرة على المواقع الإلكترونية لبعض الشركات الخاصة، والوكالات الرسمية لتحليل سمات تدابير مكافحة الاحتيال عبر 11 دولة. ووجدا أنه جرى إدراج مجموعة متنوعة من التدابير لمكافحة الاحتيال، وتمكن الباحثان من تحديد 10 سمات مهمة.

الرؤية العامة.. سمات مهمة

لفت التقرير إلى أن السمة الأولى البارزة التي توصل إليها البحث أن هناك انتشارًا ملفتًا للنظر لوكالات مكافحة الاحتيال، وأن هناك تعاونًا مشتركًا، وتحالفًا بين هذه الوكالات. ويظهر هذا التعاون بين الوكالات الحكومية الرسمية، والحكومة، والوكالات الخاصة، وفي بعض الأحيان يظهر هذا التعاون أيضًا مع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني، مثل وكالات حماية المستهلك.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى ذلك وُقِّع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والشراكات بين هذه الوكالات لتشجيعها على جمع البيانات ومشاركتها فيما بينها، وتبادلها داخل الحدود، وعبرها، مع تجميع مختلف الجهات الفاعلة للتصدي لـ«العدو المشترك».

وعلى صعيد المستوى الوطني، رصد الباحثان إنشاء وكالات وفرق عمل، وألوية، وشبكات جديدة لمكافحة الاحتيال بصورة منتظمة. ومنها على سبيل المثال وحدة التحقيقات لمكافحة جرائم الاحتيال التابعة للشرطة الكينية. ناهيك عن إنشاء عدد من الوكالات التنظيمية، وضمت هذه الوكالات بعض الهيئات المعنية بالمنافسة، وحماية المستهلك على المستويين الوطني والإقليمي.

أهمية التوعية والتكنولوجيا لمكافحة الاحتيال

وحدَّد الباحثان السمة الثانية التي تُميز تدابير مكافحة الاحتيال – والتي تتمثل في التوعية، والمشاركة، و«إشراك» المستهلكين – التي لعبت دورًا رئيسًا. وفي هذه السمة أدَّى التثقيف، والتوعية، وزيادة الوعي (بين الجهات الفاعلة في قطاع الأعمال أيضًا) دورًا قويًّا، بوصفها إحدى وسائل تعميم مكافحة الاحتيال، ونشرها بين عامة المواطنين.

ودعمت مجموعة من الجهات الفاعلة – ومنها البنوك، ومقدمي خدمات التأمين الصحي، والمكاتب الخاصة للاستشارات، والمنظمات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، ووكالات المعونة، بالإضافة إلى المنظمات غير الحكومية – هذا الأسلوب، ورَّوجت له. وشملت أيضًا المنظمات الإقليمية، مثل «السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا)».

أما السمة الثالثة فهي استخدام التكنولوجيا الواسعة النطاق بدرجة كبيرة في تدابير مكافحة الاحتيال. واستخدمت هذه تحديدًا في الخدمات المالية والمصرفية. وبرز بقوة استخدام برمجيات مكافحة الاحتيال بأشكاله المختلفة. ومنها على سبيل المثال: اكتشاف المعاملات الاحتيالية وفضحها. وتضمنت الحلول التكنولوجية الإضافية استخدام تقنيات حماية رقم التعريف الشخصي، وتكنولوجيا شريحة التعريف المحسَّنة لبطاقات الائتمان، وتقنية المصادقة لهوية المستخدم. واستخدمت التكنولوجيا أيضًا في الكشف عن المنتجات المزيفة، أو دون المستوى المعياري المطلوب.

الاحتيال مثل العدو

ونوَّه الباحثان إلى أن السمة الرابعة لتدابير مكافحة الاحتيال تصاحبها بانتظام خطابات ولغة شديدة اللهجة، لإعطاء إحساس بالذعر، والخطورة. كما أُظهرت جرائم الاحتيال (والفساد) على أنها «حشائش ضارة» ينبغي «استئصالها». وأشير إليها على أنها فيروس، أو مرض ينبغي «القضاء عليه». وفي أحيانٍ كثيرة استخدمت إحدى لغات الحرب، وهو ما يعني أن الاحتيال مثل العدو ينبغي «قتاله».

وكانت السمة الخامسة التي تُميز تدابير مكافحة الاحتيال أنها ذات طبيعة سياسية على نحو منتظم، مثل الوعود والتعهدات التي ظهرت خلال الحملات الانتخابية لمكافحة جرائم الاحتيال.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى استخدام ارتفاع مستوى جرائم الاحتيال، أو تدنِّيه، باعتباره مقياسًا لتحديد هل كان السياسيون وموظفو الخدمة العامة فعَّالين ومؤثرين في أدوارهم. وفي بعض الأحيان تستخدم الحكومة تدابير مكافحة الاحتيال لاستهداف خصومها من السياسيين، أو قطاع الأعمال. وأفادت بعض التقارير أن بعض الجهات الفاعلة ذات النفوذ في قطاع الأعمال التفَّت على اللوائح والتنظيمات.

ولاحظ الباحثان أن السمة السادسة برز فيها أيضًا: الفساد، والمعارك الداخلية، والنزاعات، والتوترات، والصراع من أجل السلطة داخل الوكالات الحكومية المكلفة بتدابير مكافحة الاحتيال، وفيما بينها. على سبيل المثال: مكتب المعايير الكيني. إذ وُجِّهت اتهامات بالكسب غير المشروع إلى عدد من المديرين الإداريين للمكتب في السنوات الأخيرة.

مكافحة الاحتيال واستهداف الربح

وتتميز تدابير مكافحة الاحتيال بسمة سابعة تتمثل في أن عددًا من تلك التدابير تُنفِّذها جهات خاصة هادفة للربح. ولهذا السبب يُمكن القول إنها تشكلت من خلال المصالح التجارية، والتنافس على عقود تدابير مكافحة الاحتيال، وديناميكيات الصناعات والأسواق.

وتوصل بحثنا أيضًا – بحسب الباحثَين – إلى أن الشركات الدولية المتخصصة في اللوائح والمعايير يكون لها في أغلب الأحيان دور ما لتلعبه. إذ نشطت هذه الجهات التي تتخذ توجهًا تجاريًّا في تعزيز انتشار تدابير مكافحة الاحتيال بوجه خاص.

وفي السمة الثامنة كانت الاعتقالات، ومصادرة الأموال، وتدمير البنود، منتشرة على نطاق واسع في التقارير عن نشاط مكافحة الاحتيال.

ورصد الباحثان أن تدابير مكافحة الاحتيال تتميز بسمة تاسعة، وهي انتشارها في الجهود المبذولة لزيادة الإيرادات الضريبية، ومنع التدفقات المالية غير المشروعة. وأكدت مبادرات مختلفة على الحاجة إلى زيادة الامتثال للأهداف. وفي بعض الأحيان اكتشف الباحثان عن وجود توترات في التحركات لخلق بيئة أعمال «تمكينية» لجذب الاستثمار الأجنبي، مثل الضرائب المنخفضة، والمناشدات المطالبة بحماية القواعد الضريبية على المستوى الوطني.

ولاحظ الباحثان في بحثهما أن هناك تعاونًا دوليًّا، ومشاركةً من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني في الجهود المبذولة لمعالجة التهرب الضريبي، وغسيل الأموال عبر الحدود الوطنية. ومنها على سبيل المثال: شبكة العدالة الضريبية.

Embed from Getty Images

وخلُص الباحثان إلى أن الجهات الفاعلة في المجتمع المدني لها دور محدود، أو ليس لها دور على الإطلاق في مختلف تحالفات تدابير مكافحة الاحتيال، وهذه هي السمة العاشرة. لكن في بعض الحالات بدا أنهم يؤدون دورًا مهمًا، مثل وكالات حماية المستهلك.

تحديات وانتقادات

أكدَّ الباحثان على أن التحدي يتمثل في أنه يُمكن إطلاق تدابير مكافحة الاحتيال، واستدامتها، لأسبابٍ تتخطى – ببساطة – الاهتمام بمكافحة الاحتيال. ويشمل ذلك المصالح التجارية للشركات المتخصصة في مكافحة الاحتيال، وهي شركات تمارس عملها على مستوى العالم في أغلب الأحيان. ويشمل أيضًا مصالح أخرى للحكومات التي استخدمت منصات مكافحة الاحتيال للحصول على الشرعية، أو مصالح الوكالات الرسمية في الحصول على تمويل حكومي، بالإضافة إلى مجالات جديدة لعمليات الإيرادات وتدفقاتها.

ويُشير التقرير إلى أن الباحثَين واجها أيضًا انتقادات في بعض الحالات بسبب تصميم التدابير وتكاليفها، وعدم قابليتها للتطبيق والبيروقراطية. وكانت هناك أيضًا مخاوف بشأن الطريقة الشديدة القاسية التي نُفِّذت بها بعض التدابير. وأُثيرت بعض المزاعم بشأن ما يلي:

  • التحيُّز (على سبيل المثال: ضد الجهات الفاعلة المحدودة، مثل التجار، وضد القطاعات البائسة من المستهلكين) لصالح الشركات الأجنبية المتعددة الجنسيات الواسعة النطاق.
  • الغموض والمخالفات.
  • مشاكل الفعالية.

مخالفة القانون أصبح أمرًا روتينيًّا

وألمح الباحثان إلى أن تدابير مكافحة الاحتيال تبدو – في الوقت الحاضر – إلى حد كبير ذات شأن بين الدولة والشركات (بما في ذلك جمعيات قطاع الأعمال) والمستهلكين. ويشغل المستهلكون غالبًا مكانة الطرف «المتلقي» لتدابير مكافحة الاحتيال، بالإضافة إلى تشجيعهم بانتظام على أداء دورهم، ويشمل الاتصال بالخط الساخن لمكافحة الاحتيال – على سبيل المثال – والتحقق من السلع المشتراة، وعدم الإسهام في تسهيل الاحتيال. ولعبت وكالات المعونة أيضًا دورًا حاسمًا في بعض حالات تدابير مكافحة الاحتيال.

العالم والاقتصاد

منذ 3 شهور
علم نفس الاقتصاد.. هكذا يمكن أن يتحكم التحليل النفسي في اقتصاديات الدول

وفي الغالب تضع بعض الجهات الفاعلة النافذة الخطوط العريضة لتدابير مكافحة الاحتيال، والشكل الذي تظهر به. وتشمل هذه الجهات شركات قطاع الأعمال الكبرى، لا سيما الشركات العابرة للحدود الوطنية، بدلًا عن المنظمات الشعبية أو العاملة. وهي متفاوتة عبر القطاعات (على سبيل المثال: يحظى القطاع المالي فيها باهتمام كبير)، ويبدو أنها أصبحت في حد ذاتها وسيلةً لتوليد الأعمال التجارية وكسب الإيرادات.

ويختتم الباحثان تقريرهما بالتأكيد على أهمية الإقرار بأن بعض تدابير مكافحة الاحتيال تُؤثر بالتأكيد تأثيرًا إيجابيًّا، وأن الوكالات المختلفة في مجال مكافحة الاحتيال تبذل جهودًا مضنية لمعالجة العيوب الداخلية وغيرها، ومن ثم تحسين فعالية التدابير.

لكن السؤال المتبقي: كيف يُمكن للدول أن تقضي إلى حد كبير على «المخالفات» في بعض الحالات التي أصبحت فيها الممارسات المخالفة للقانون واسعة الانتشار، وروتينية، ومؤسسية؟ خاصةً أن الأجندات المهيمنة والضغوط اليومية، مثل النمو الاقتصادي، والمكسب، والتسويق التجاري، تُفضي بقوة إلى الاحتيال.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد