مع هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) شبه النهائية في سوريا والعراق، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، والاتجاه نحو تقليص الوجود الأمريكي في الخارج بوجهٍ عام، تتخذ الحرب العالمية على الإرهاب منحًى مختلفًا.

وفي هذا الصدد، نشر موقع مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الأمنية والاستراتيجية تحليلًا يضع فيه تصورًا لشكل المعركة مع التنظيمات المسلحة في المستقبل، مشيرًا إلى أنَّه في حين تُقلّل الولايات المتحدة الأمريكية وشركاؤها العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق، وتنظر في الانسحاب من أفغانستان، سيتحوَّل تركيز النشاط الجهادي العالمي إلى أفريقيا. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد مكافحة الإرهاب انخراطًا لقوى أخرى غير تقليدية، نظرًا إلى أنّ القوى الخارجية لا تتمتّع بنفس المصالح في أفريقيا كما هو الحال في الشرق الأوسط.

«ذي أتلانتك»: ما لم يخبرك به الإعلام الغربي عن «داعش»

أوضح الموقع أنَّه عندما أطلقت أحداث 11 سبتمبر (أيلول) شرارة الحرب العالمية على الإرهاب، كان التركيز الرئيسي لجهود مكافحة الإرهاب على الجماعات العاملة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا المرتبطة بتنظيم القاعدة. وتواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها الانخراط في الجهود الرامية إلى قمع تنظيم القاعدة وفلوله في العراق وأفغانستان بعد مرور ما يقرب من عقدين من الزمان، وإن كان ذلك لن يستمر لمدةٍ أطول.

وبعد جهدٍ مرهق، تشير الولايات المتحدة إلى انتقال المعركة ضد القاعدة إلى أماكن أخرى، حيث يعاني تنظيم داعش (الذي انبثق من رماد تنظيم القاعدة في العراق) تراجعًا في سيطرته، في حين أجرت واشنطن محادثاتٍ مع طالبان في إشارة إلى تنفيذ انسحابٍ محتمل للقوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها من أفغانستان خلال السنوات القليلة المقبلة.

لكن، وفقًا للموقع، مع انحسار ​​النشاط المتطرف على نحوٍ نسبي في الشرق الأوسط وأفغانستان، ازدادت النزعة القتالية للجماعات الإسلاموية المُتطرّفة في أجزاءٍ مختلفة من أفريقيا، لا سيما عقب انهيار حكومة معمر القذافي في ليبيا، الأمر الذي أوجد فراغًا في السلطة أدَّى إلى إثارة نشاطٍ جهادي متزايد في منطقة الساحل والصحراء بأفريقيا.

وأدّى تصاعد الصراع في مالي عام 2012، عندما برز الجهاديون المُتبقّون من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى جانب قبائل الطوارق المحلية، إلى وضعٍ تعمل فيه العديد من الجماعات المسلحة التابعة الجديدة من الجزائر وليبيا إلى بوركينا فاسو. لكن قبل صعود هذه الجماعات في منطقة الساحل والصحراء، كانت هناك جماعتان أخريان نشطتان بالفعل، وهما «حركة الشباب» في الصومال، التي ظهرت في عام 2006، وجماعة «بوكو حرام» في نيجيريا، التي ظهرت في عام 2009، قبل أن تتطوّر إلى تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا.

ولا تزال هاتان الجماعتان تلاحقان القارة الأفريقية بعملياتهما المسلحة بعد مرور أكثر من عقدٍ من الزمان. ونتيجةً لذلك، أصبحت أفريقيا حاليًا موطنًا لبعض أنشطة الجماعات الجهادية في العالم. ويبدو أنَّ هذا بدوره يقود إلى تحويل التركيز، بالنسبة لكلٍ من المقاتلين المُتشدّدين وأولئك الذين يحاربونهم، إلى القارة السمراء، حتى لو كانت العوامل المحلية من المرجح أن تجعل المعركة هناك مختلفة للغاية عن تلك الموجودة في الشرق الأوسط.

معركة مختلفة

يشير تحليل مركز «ستراتفور» إلى أنَّ أفريقيا، من منظور الجماعات الجهادية وعلى رأسها تنظيم داعش المُتقهقر، قد تمنحها فرصًا جديدة، إذ أنَّ منطقة الساحل والصحراء وشرق أفريقيا قد تجذب عددًا متزايدًا من المقاتلين الأجانب. والأكثر من ذلك، ربما تتلقى الجماعات العاملة هناك أيضًا دعمًا متزايدًا من الممولين الأجانب، الذين وجّهوا أموالهم في السابق إلى الشرق الأوسط.

لذا، فإنَّ بروز أفريقيا باعتبارها وجهةً للتّطرف المسلح جاء في معظمه بسبب قمع نشاط تنظيم القاعدة وداعش في الشرق الأوسط وأفغانستان، أكثر من كونه بسبب تصاعد وتيرة العمليات الجهادية في القارة.

ورغم أنَّ أفريقيا شهدت أكبر طفرة في التطرف المسلح بين عامي 2006 و 2012، لكن ذلك كان في وقتٍ اجتذبت فيه أنشطة الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في العراق واليمن وأفغانستان المزيد من موارد العالم.

وأوضح الموقع أنَّ تنظيم داعش، بطبيعة الحال، استأثر باهتمامٍ عالمي أكبر عندما برز على الساحة واستولى على مدينة الموصل في عام 2014. لكن حتى لو لم يتصدر الجهاديون في أفريقيا عناوين عددٍ كبير من الصحف الدولية مثل إخوانهم في الشرق الأوسط، فقد أثبتوا على الدوام قدرتهم على المناورة والصمود على مدار السنوات في مواجهة عددٍ من العمليات الأمنية التي تقودها حكوماتٌ أفريقية، فضلًا عن التدخلات الغربية.

ويتنبأ الموقع بأنَّه مع تراجع الحاجة إلى موارد مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط أو أفغانستان، من المرجح أن تستقطب حركات التمرد العنيدة في أفريقيا مزيدًا من موارد القوى الخارجية، بالإضافة إلى أنَّها ستصبح نقطة جذبٍ للمقاتلين الأجانب الذين لم يعودوا قادرين على القتال في بلاد الشام. ومع ذلك، هذا لا يستلزم متابعة الصراع بين المسلحين المُتشدّدين والدول التي تعتزم القضاء عليهم في أفريقيا بنفس النمط الذي حدث في الشرق الأوسط، إذ يرتبط نمط العمليات الغربية لمكافحة الإرهاب بمتطلباتٍ جيوسياسية أخرى.

وبناءً على ذلك، وفقًا للموقع، عملت دول غربية مع حلفائها المحليين ومن خلالهم من أجل تعزيز مكانتها الإقليمية وضمان بيئة مستقرة للمصالح الاقتصادية. لكن لا تنطبق نفس تلك المصالح ببساطة على الساحة الأفريقية.

فأولًا، تُعد الأهمية الاقتصادية العالمية لمنطقة الساحل والصحراء والصومال أقل كثيرًا من أهمية منطقة الشرق الأوسط، التي تُعد مركزًا لانتاج النفط وأنشطة النقل والعبور. وهذا يعني أنَّه بمرور الوقت، ستبرز أسماء دول في مجال مكافحة الإرهاب في أفريقيا تختلف عن تلك الدول التي قادت أنشطة مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع وجود مجموعة مختلفة من المصالح الإقليمية يتضمنها القتال العالمي ضد التشدّد، قد لا تجذب ساحات القتال في أفريقيا نفس درجة الاهتمام في عمليات مكافحة الإرهاب العالمية المستقبلية.

أكثر من مجرد معركةٍ محلية

يسلط الموقع الضوء على أنَّ القتال ضد المتشددين المسلحين في منطقة الساحل والصحراء لطالما قادته قوى أخرى غير الولايات المتحدة. فقد كانت فرنسا أبرز قوة خارجية في الصراع منذ تدخلها في مالي في عام 2013. إذ ساهمت العلاقات التاريخية العميقة لباريس مع منطقة الساحل والصحراء، بالإضافة إلى خبرتها العسكرية الثمينة في المنطقة، في وضعها في موقع القيادة عندما يتعلّق الأمر بجهود مكافحة الإرهاب في معظم مناطق القارة، على الرغم من أنّها تلقَّت دعمًا أيضًا من الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين.

ونظرًا لامتلاكها إجمالي موارد أقل من الولايات المتحدة، شاركت فرنسا أيضًا في دعم الحكومات المحلية من خلال تعزيز القدرات المحلية والإقليمية، على سبيل المثال من خلال القوات المشتركة التابعة للمجموعة الخماسية لمنطقة الساحل G5 Sahel. ومع ذلك، أجبرت نقاط ضعف قوات الأمن الأفريقية باريس في بعض الأحيان على التدخل مباشرةً من خلال عملية «برخان».

ولفتت «ستراتفور» إلى أنَّ هذا الدور الفرنسي المحوري في أفريقيا لا يحول دون انخراط الولايات المتحدة في القارة. إذ كانت الولايات المتحدة نشطةً بشكلٍ خاص في منطقة القرن الأفريقي، حيث تحتفظ بالقدرة على المشاركة سريعًا في عمليات مكافحة الإرهاب من قاعدتها في جيبوتي. وكذلك دعمت الولايات المتحدة، بفضل هذا الوجود العسكري، عمليات مستمرة ضد حركة الشباب المجاهدين وتنظيم داعش في الصومال.

ومن المرجح أن تُكثَّف مثل هذه الجهود في السنوات المقبلة. في الوقت نفسه، واصلت القيادة العسكرية الأمريكية في غرب أفريقيا تطوير قدراتٍ لوجستية إقليمية، مما يشير إلى التزامٍ طويل الأمد بدعم عمليات مكافحة الإرهاب هناك.

وعلى الرغم من هذه المشاركات، من غير المرجح أن تتصدر الولايات المتحدة جهود ملاحقة الجهاديين في أفريقيا أو توليها اهتمامًا كبيرًا. إذ أظهر المخططون العسكريون الأمريكيون عزوفًا عن الانخراط بقوة، لا سيما بعد مقتل جنود أمريكيين من القوات الخاصة (القبعات الخضراء) في هجومٍ شنّه مسلحون في النيجر.

ويرجع ذلك إلى أنَّ واشنطن تنظر إلى بعض هذه الجماعات باعتبارها لا تُشكّل تهديدًا مباشرًا قويًا بالنسبة للولايات المتحدة، مما يعني أنَّها قد تُفوض إلى فرنسا الجزء الأكبر من مسؤولية عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة.

ويختتم الموقع تقريره التحليلي بالإشارة إلى أنَّ منطقة الساحل والصحراء وشرق أفريقيا قد تصبح الوجهة المفضلة للمقاتلين الأجانب بعد انتهاء أسطورة دولة الخلافة الآن، وهي حقيقة من غير المرجح أن تغيب عن أذهان القوى الخارجية.

ومن ثمَّ، قد تجد الجماعات المسلحة في نهاية المطاف الوقت والمكان اللازمين لصقل قدراتها، خاصةً إذا كانت القوى الخارجية لا تشعر بضرورة ملحة من الناحية الجيوسياسية لتكريس الموارد لتحقيق الاستقرار في مناطق أفريقيا، التي يتصاعد فيها خطر التهديد الجهادي. وهذا شيءٌ من شأنه أن يزيد من زعزعة استقرار دولٍ محلية، بل وحتى يلحق الضرر بأوروبا والولايات المتحدة من خلال الشبكة الجهادية الدولية.

«ذي أتلانتك»: «جبهة النصرة» مثالًا.. لماذا تحول «الجهاد» من العالمية إلى المحلية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات