إذا كنت تحصل على معلوماتك عن شكل الحياة في أمريكا من خلال النيويورك تايمز، سيبدو لك أن كل شيء يسير بسلاسة ويسر. الأمريكيون طبقًا للصحف راضون عن حياتهم، ويبدو أن همهم الأول هو كيفية إحراز الثروات عن طريق الإنترنت، ربما يساعدهم هذا في الانضمام لصفوف الأثرياء الجدد.

تبدو السينما مرآة أصدق من الصحف، فمنذ بداية القرن الحالي تظهر أفلام تشير إلى أن الأمور ربما لا تسير كما تريدنا عناوين الصحف أن نعتقد. في الواقع، تشبه هذه الأفلام باريس -موطن الوجودية الفرنسية- بعد انتهاء الحرب. إنها تختلف كثيرًا عن النظرة المتفائلة للعالم التي تحاول وسائل الإعلام الأمريكية تصديرها على نطاقات واسعة. أفلام مثل: American Beauty ،Fight Club  وBeing John Malkovich تظهر أن الأمور ربما لا تسير على ما يرام، خصوصا بالنسبة للرجل الأمريكي.

عندما بدأت مجلة Philosophy Now (الفلسفة الآن) تقديم سلسلة مقالات فلسفية عن السينما، افتتح «توماس وارتنبرج» السلسلة بمراجعة حول هذه الأفلام. هذا المقال يعرض ما كتبه «وارتنبرج» عن American Beauty ،Fight Club  وBeing John Malkovich.

الجمال الأمريكي American Beauty

 

في هذا الفيلم الحاصل على خمسة جوائز أوسكار، يسبر المخرج «سام ميندز» أغوار الاغتراب الذي يعيشه «ليستر بورنهام» رجل الطبقة المتوسطة الذي يقوم بدوره «كيفين سبيسي». رجل في الأربعين من عمره، متورط في زواج لم يعد يمنحه أي نوع من المتعة، وأب لابنة يبدو أنها تكرهه. يعمل في وظيفة يراها مملة، ومثيرة للشبهات الأخلاقية، وكان يتوقع أن يُطرد منها بسبب الكفاءة.

خلال الفيلم يدرك «بورنهام» أنه ليس مضطرًا للخضوع  للروتين الذي يقيد حياته، وأنه ببساطة يمكنه قول لا لكل الأشياء التي تحاصره. لذلك يقوم بترك وظيفته (لكن ليس قبل أن يحظى بالكثير من المال الذي دفعه مديره مقابل السكوت عن ما يعرفه عنه من سقطات وفضائح). يحاول بعدها تغيير زواجه، وإصلاح علاقته بابنته، ثم يقع في غرام إحدى صديقات ابنته.

يظهر American Beauty خواء ما يسمى بالحلم الأمريكي. لأول وهلة، يبدو «بورنهام» رجلًا يمتلك كل شيء، وظيفة ذات دخل جيد، زوجة جذابة، ابنة ذكية، ومنزلًا جميلًا في ضواحي المدينة. لكن الفيلم يكشف بقسوة عن الحقيقة خلف هذه المظاهر؛ على سبيل المثال، «كارولين» زوجة «بورنهام» التي تلعب دورها «آنيت بنينغ»، لم تعد قادرة على تجربة المشاعر الأصيلة، لشدة تشبثها المستميت بالمظاهر. حتى عندما يحاول «بورنهام» استعادة المشاعر التي كانت بينهما يومًا، لم تتمكن «كارولين» من تأجيل اهتمامها العصابي بمظهر بيتها للتجاوب مع عاطفة تحتاجها. الحلم الأمريكي، على الأقل في هذا الفيلم، مصنوع من الخداع والأكاذيب الذي تدفع من يسعون خلفه للسير في حلقة مفرغة.

يدعي الفيلم أن موضوعه هو الاغتراب الذي يعايشه الرجل الأمريكي. لكنه يبدو أيضًا حريصًا على طرح إمكانية وجود شيء فاسد للغاية في صميم الحلم الأمريكي؛ مثل الخواء الذي يكتشف «بورنهام» أنه يملأ حياته، هذا الخواء الذي يؤدي إلى رغبة شديدة في الحصول على المزيد. يقترح الفيلم حلًا جماليًا للألم والقلق الذي يعيشه «بورنهام». يتعلم الرجل من صديق ابنته أن الحياة يمكن أن تصبح أكثر احتمالًا حين يقف المرء على مسافة كافية من نتائج أي حدث، ويكتفي بإدراك ما في الموقف من جمال وغموض، حتى لو كان ذاك الحدث موت المرء نفسه.

هذا «الحل» لمشكلة الاغتراب يحمل العديد من عوامل الجذب للأمريكيين. لذلك أحرز الفيلم نجاحات كبيرة على شباك التذاكر وفي المهرجانات. تبدو إمكانية تبني توجه مختلف في الحياة مغرية بشدة، إذا كان هذا التوجه يعترف بالاغتراب المتأصل في الحياة الأمريكية، ويتجاوزه في نفس الوقت. من خلال هذا، يحول الفيلم نقده من المؤسسات الاجتماعية إلى الرجل الأمريكي، والذي اعتبر مركز الاهتمام النقدي في هذه الحالة.

نادي القتال Fight Club

 

يبدو Fight Club في أوله كأنه مصنوع من نفس قالب American Beauty. هنا أيضًا، نجد رجلًا أمريكيًا تبدأ حياته في الانهيار. الشخصية الرئيسة في الفيلم هي شخصية الراوي -يؤديها إدوارد نورتون- الذي لا نعرف اسمه طوال الفيلم. يعيش الراوي حياة يرى أنها تفتقر إلى أي معنى. وظيفته هي أن يذهب إلى أماكن الحوادث لكي يحدد ما إذا كان الأرخص تسوية الأمر بشكل ودي مع الضحايا أو الوقوف ضدهم في المحاكم، تجسيد كامل لللامعنى. الخواء الذي يملأ حياته الشخصية يقوده إلى الادعاء بأنه مريض بسرطان الخصية، ليتمكن من حضور مجموعات الدعم النفسي والحصول على بعض التواصل الإنساني، حتى لو كان هذا التواصل مبنيًا على كذبة.

عندما يقابل الراوي الشخصية الغامضة «تايلر ديردن»، يتبين أن بين الاثنين الكثير من القواسم المشتركة. يقضيان بعض الوقت في حانة، ثم يكتشفان أن تسديد اللكمات لبعضهما في موقف سيارات يمنحهما ارتياحًا كبيرًا مقارنة بما تقدمه لهما حياتهما الفارغة من المعنى. يؤسس الرجلان «نادي القتال» في أماكن مهجورة تحت الأرض، يكتسب النادي شعبية كبيرة، وكأنه تعويض للرجل الأمريكي عن إحباطاته في كل مناحي الحياة. يتوافد المزيد من الرجال على النادي، باحثين عن المعنى الذي يجدونه من خلال مشاركتهم في طقوس القتال.

مرة أخرى، نجد فكرة الرجل الأمريكي الذي لا يستطيع أن يجد معنى لحياته من خلال الترقي المعتاد في السلم الوظيفي للشركات. لكن على نقيض American Beauty هذا الفيلم غير مهتم بالحلول الجمالية في الحياة. في الواقع، يؤكد الفيلم على أن ما يحتاجه الرجل الأمريكي لكي يعيش حياة مرضية وذات معنى، هو العودة إلى مستوى أكثر بدائية من الرغبات والغرائز البشرية. يفسر هذا الأمر توافد الرجال على نادي القتال، هناك فقط يتمكن الأعضاء من إيجاد مخرج للعنف الفطري الذي يضطرون لقمعه بسبب التقدم الحضاري.

بعدها يتطور نادي القتال ليصبح حركة تنوي تدمير الشركات الرأسمالية من خلال سلسلة من الجرائم والتفجيرات. بمجرد انتقال الفيلم إلى هذا الطريق، والتغير الغريب والمثير للاهتمام الذي يحدث في لهجة الراوي، يفقد الفيلم اهتمامه بمعاناة الاغتراب الذي يعيشه الرجل الأمريكي. لكن على الرغم من ذلك، تبقى المشاهد المروعة للرجال القادمين من كل مكان، بحثًا عن المعنى من خلال القتال في أقبية مهجورة، صورة مؤرقة لفترة طويلة بعد أن يتجاوزها الفيلم.

أن تكون جون مالكوفيتش Being John Malkovich

 

«كريج شوارتز» (جون كوزاك) بطل فيلم Being John Malkovich للمخرج «سبايك جونز»، هو رجل أمريكي آخرعالق في حياة يحصل فيها فقط على الحد الأدنى من متطلباته الأساسية. رغم أن حياته تتشابه في بعض النواحي مع حياة بورنهام والراوي إلا أن هناك فرقًا أساسيًا بينهم، «شوارتز» صانع ألعاب سحرية فاشل. نتيجة لهذا هو مضطر للعمل في وظيفة لا يحبها ويعيش في شقة غير مريحة في الطابق السفلي مع «لوت» (كاميرون دياز)، زوجته غريبة الأطوار التي تحب الحيوانات.

تتغير حياة «شوارتز» عندما يكتشف نفقًا يمنح الناس إثارة هائلة. من يدخل هذا النفق يمكنه احتلال وعي الممثل «جون مالكوفيتش»، كنوع من اختلاس النظرعلى الحياة الداخلية غير التقليدية لهذا النجم، ولو لوقت وجيز، قبل أن يجد الشخص نفسه ملقىً بطريقة غريبة على طريق نيوجيرسي. حوّل «شوارتز» وزميلته في العمل «ماكسين» (كاثرين كينر) هذا الاكتشاف إلى تجارة مربحة، عن طريق السماح للناس بدفع المال مقابل أن يكونوا «جون مالكوفيتش» ولو لدقائق.

يظهر الجانب الخبيث من رغبات «شوارتز» عندما يكتشف أنه يمكنه ببساطة أن يفعل أكثر من مجرد أن يسكن وعي «جون مالكوفيتش»، يمكنه أن يسيطر على جسده. عندما فعل ذلك، يصبح «شوارتز» صانع ألعاب سحرية لامعًا ومشهورًا جدًا، معتمدًا على شهرة جون مالكوفيتش بالإضافة إلى مواهبه ومهاراته.

عندما شاهد «وارتنبرج» هذا الفيلم لأول مرة، كان يعتقد أنه محاولة رائعة لتحليل القوة التي تملكها الأفلام للتأثير على المشاهدين. العديد من منظري السينما ادعوا أن المتعة التي نحصل عليها من الأفلام الخيالية هي متعة التماهي مع الشخصيات المصورة على الشاشة. إذًا لماذا لا نأخد الطريق حتى نهايته بأن تسمح التكنولوجيا للمشاهدين باختبار تجربة تماهٍ أكثر حميمية، كأن يصبح المرء حرفيًا جزءًا من وعي تلك الشخصيات. تبني هذه الفرضية، يسمح للفيلم أن يُظهر لنا حقيقة هوسنا بالنجوم وبحياتهم، وبالأفلام التي يقدمونها أيضًا.

لكن كلما فكر «وارتنبرج» أكثر في الفيلم، وجد أنه مرتبط بالفيلمين السابقين. فيلم Being John Malkovich هو أيضًا قصة رجل أمريكي تفتقر حياته للمعنى. مصدر الخواء هذه المرة هو عدم قدرته على النجاح باعتباره صانع ألعاب سحرية. يعرض الفيلم بعد ذلك إلى أي مدى يمكن لشوارتز أن يذهب لتحقيق ذاك النجاح، حتى لو عن طريق الاستيلاء على حياة إنسان آخر. المهارة والكوميديا في حبكة الفيلم تخفي حقيقية سوداء في أعماقها، أن الرجال الأمريكيين مدفوعون قسريًا بالرغبة في تحقيق النجاح لدرجة لا يسمحون فيها لأحد أن يقف في طريقهم.

مزيد من الخواء في قلب الحلم

يناقش «وارتنبرج» الصور التي تعرضها هذه الأفلام للحياة الأمريكية الحديثة والتي تختلف جذريًا عن الخطاب المتفائل السائد في الحياة السياسية. عندما كان بوش وآل جور يخبرون الأمريكيين أن الأمور ستكون على ما يرام، كانت هذه الأفلام تحمل رسالة مختلفة. تدفع هذه الأفلام الأمريكيين للاعتراف بأن الحياة في العالم الحديث ليست سهلة ولا مرضية بالطريقة التي يراد لها أن تبدو. يتربص الاغتراب بتلك المنازل البسيطة في الضواحي، والتي يعمل الكثيرون ليل نهار ليتمكنوا من السكن بأحدها.

في الوقت نفسه، تبدو الأفلام حائرة في نقدها، غير متأكدة من الدرجة التي يجب أن تنتقد بها المجتمع الأمريكي. في حين أنها كلها تصور الرجل الأمريكي مثقلًا بالقلق والملل، لكن يبدو أنها لا ترغب في عزو أسباب تلك المشاعر إلى المجتمع الذي شكل حياة الكثيرين بطريقة تدفعهم حتمًا نحو تدمير ذواتهم. بدلًا من توجيه النقد للمجتمع فقط، تميل الأفلام إلى تبني سرديات تضع هذه المشاكل على عاتق شخصياتها الرئيسية.

بالنسبة للفيلسوف، فإن فكرة فقدان المعنى عند الحياة في مجتمع، تبدو فكرة مألوفة. إنها الفكرة المركزية التي تحرك الفلسفة الوجودية، والتي ظهرت فيما بعد الحرب العالمية الثانية في باريس، لكن جذورها تعود للقرن التاسع عشر في ألمانيا. تعتبر الفلسفة الوجودية أن العصر الحديث جلب معه أزمة الخواء واللامعنى. حاول «سارتر» و«كامو» و«ميرلو-بونتي» و«سيمون دي بوفوار» وآخرون، تقديم إجابات منصفة تتعامل مع عمق المشكلة، وظلوا صامدين متمسكين بالأمل في بناء حياة ذات معنى للإنسان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد