في تحدٍ حقيقي لتقاليد وقيم وأعراف محلية وعربية، يترشح منير بعطور -وهو سياسي تونسي مثلي الجنس- في الانتخابات الرئاسية، ليكون بذلك أول رئيس عربي مسلم مثلي محتمل، في واقعة ربما تكون الأغرب والأكثر إثارة للجدل بالنسبة للمجتمعات العربية، لكنها لن تكون على مستوى الغرابة نفسه في الغرب.

وفي حوار مع منير بعطور أول مرشح رئاسي مثلي في العالم العربي الذي تندرج المثلية فيه ضمن المحرمات، تتناول صحيفة «الإندبندنت» أبعاد ذلك الترشح.

في مكتبه معتدل الحرارة، إذ يوفر تيار الهواء البارد المنبعث من مبرد الهواء راحة مؤقتة من الحر المستعر في شوارع تونس، جلس منير بعطور، وهو أول رجل أعلن مثليته الجنسية يترشح في الانتخابات الرئاسية، منكبًا على تحقيق مهمته المقبلة: حملة ترشحه للرئاسة، بحسب تقرير «الإندبندنت».

وتتوقع الصحيفة أن الطريق المؤدية للانتخابات المرتقبة في نوفمبر (تشرين الثاني) لن تكون سلسة على الأرجح بالنسبة لبعطور. وفي حين أن المثلية الجنسية شرعية في تونس، فممارستها ليست كذلك. هذا التمييز هو ما سمح للمحامي منير بعطور باتخاذ خطوات لإنشاء جمعية «شمس» الهادفة للضغط من أجل حقوق المثليين، والدعوة إلى إلغاء قانون الاستعمار الفرنسي الذي يجرم السدومية.

Embed from Getty Images

وبالمثل، فعادة ما تستخدم القيود القانونية التي تجرم «الخروج عن الآداب العامة» لمحاكمة المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيًّا (مجتمع الميم) في تونس، وفقًا للتقرير، الذي أشار إلى أن هذه القيود تظل حاضرة بقوة في ذهن بعطور ودعاة حقوق الإنسان الآخرين.

وذكر التقرير أنه يأتي على قمة هذه القيود، قوات الشرطة التي تبدو متلهفة لاستغلال المراسيم التي تسمح على سبيل المثال باستخدام الفحص الشرجي الإكراهي دليلًا على النشاط الجنسي، مشيرًا إلى أن تلك الممارسة تدعمها السلطة القضائية والمؤسسة السياسية التي لطالما دأبت على تجاهل الأمر.

وفي فبراير (شباط) الماضي، صدر حكم بحق شاب من مدينة صفاقس الساحلية بالسجن ثمانية أشهر للمشاركة في ممارسة جنسية مثلية بعد الإبلاغ عن تعرضه للاغتصاب على يد رجلين آخرين، بحسب التقرير.

ونقل تقرير«الإندبندنت» عن بعطور قوله: «أنا مثلي مجاهر (بالأمر)، أعلنت ذلك قبل 20 عامًا. سجنت لثلاثة أشهر بتهمة السدومية في 2013. الأمر ليس عارًا بالنسبة لي. وليس عارًا بالنسبة لأي منا».

وتقول الصحيفة إن بعطور وجمعيته وحزبه المهمش نسبيًّا «الحزب الليبرالي التونسي»، هم وليدو الثورة التونسية؛ ففي السنوات التي أعقبت مباشرة عام 2011، ظهر العديد من الجماعات المنادية بحقوق المثليين الجنسيين، تقودها جمعية «شمس» التي أسسها بعطور، ودعت إلى إلغاء القوانين المناهضة للمثلية الجنسية.

إلا أن الصحيفة أشارت إلى أن هذا المجال لم يخل من الانقسام المهيمن على تونس بطبيعة الحال، فقد تسببت تكتيكات جمعية «شمس» في شقاق بالائتلاف التونسي الذي يضم الجمعيات المدافعة عن حقوق المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيًّا، إذ أصدر الائتلاف العام الماضي بيانًا أعلن فيه أنه ينأى بنفسه عن جمعية «شمس» ورئيسها بعطور، وهو انفصال أرجعه بعطور إلى انفتاحه على تطبيع محتمل في العلاقات مع إسرائيل، وهو اقتراح يعتبره كثيرون من المنتمين لليسار التونسي «بغيضًا».

Embed from Getty Images

ورأت الصحيفة أن المفارقة تكمن في أن الفترة التي ظهر فيها كثير من هذه الجماعات المدافعة عن حقوق مجتمع الميم شهدت أيضًا توسعًا في التيار الإسلامي في أنحاء تونس، إذ تنافس حزب النهضة الإسلامي المعتدل إلى جانب جماعة أنصار الشريعة الأصولية لاستمالة الأغلبية المتدينة في تونس سياسيًّا.

غير أن أنصار الشريعة صنفت في عام 2013 جماعةً إرهابية، بينما تراجع الدعم لحزب النهضة منذ الدعم الشعبي الكاسح الذي شهد حصولهم على أغلبية الأصوات في أول انتخابات حرة في البلاد عام 2011، بحسب تقرير «الإندبندنت».

لكن التقرير أشار إلى أن القيم التي يحتفظ بها كثير من قطاعات المجتمع التونسي تميل عادة إلى التقليدية؛ ففي أغسطس (آب) الماضي خرج متظاهرون محافظون إلى الشوارع من كلا الجنسين للاحتجاج على تقرير لجنة رئاسية يوصي بحريات فردية أكبر، والمساواة بين الجنسين.

وبالنسبة للمثلية الجنسية، تمثل تلك النزعة المحافظة مشكلة أكبر، بحسب تقرير «الإندبندنت»، الذي أشار إلى أن استطلاعًا أجراه معهد استطلاعات الرأي الباروميتر العربي في يونيو (حزيران) الماضي ذكر أن 7% فقط من التونسيين ليست لديهم مشكلة مع المثلية الجنسية.

وتقول الصحيفة البريطانية إن مثل تلك النزعة المحافظة تنعكس في خطاب بعض منافسي بعطور الشعبويين على الرئاسة؛ إذ قال أستاذ القانون قيس سعيد، الذي احتل المركز الثاني في استطلاعات الرأي التي أجريت حول مرشحي الرئاسة الأوفر حظًّا: إن تشجيع انتشار المثلية الجنسية في البلد هو مؤامرة أجنبية.

ونقل تقرير الصحيفة البريطانية عن بعطور، الذي يعرف نفسه باعتباره مسلمًا لكنه لا يمارس الشعائر الدينية، قوله: «أعتقد أننا نحتاج لإجراء نقاش حول المثلية الجنسية في تونس»، موضحًا أنه لا يعني بذلك «التشجيع على المثلية الجنسية، بل فقط عدم تجريمها».

وقال: «المثليون لا يضرون أحدًا. يجب أن يتمتعوا بحرية فعل ما يريدونه بأجسادهم. إذا كانت المثلية الجنسية مرضًا، مثلما يقول قيس، فحتى لو قبلت ذلك، عليّ أن أسأل، لم يوضع المرضى في السجون؟»، مضيفًا: «عندما تزج بالمثليين في السجن لثلاث سنوات، هل سيصبحون مستقيمين؟ لا؛ لذا سيعودون حتمًا إلى السجن لثلاث سنوات أخرى ثم لبقية حياتهم».

Embed from Getty Images

وقالت «الإندبندنت» في تقريرها إن ما يطرحه بعطور ربما يكون أمرًا ثوريًا، لكنه مقترن بسابقة، إذ أشار رئيس جمعية شمس في حجته إلى أن الحبيب بورقيبة أول رئيس تونسي بعد الاستقلال، قدم في عام 1956 قوانين بارزة تحرم تعدد الزوجات، وتضع ميثاق قواعد لحقوق المرأة تظل قائمة إلى يومنا هذا.

وقال بعطور: «كان كل هذا آنذلك مثيرًا للجدل، قال كثيرون إن الأمر كان ضد الإسلام. غير أن بورقيبة كانت لديه الإرادة السياسية لفرض الأمر. في 1956، كانت تونس أكثر تحفظًا مما هي عليه الآن، لكن الناس تقبلوا الأمر ولا يزالون يتقبلونه».

ورغم تقبل بعطور لهذا التركيز الكثير المنصب على موقفه من حقوق مجتمع الميم، فهو يدأب على تأكيد أن ترشحه للرئاسة له أهداف تفوق ذلك الأمر؛ إذ يرغب في معالجة العديد من المشكلات الأساسية المتأصلة في تونس، بدءًا من مؤسسات الدولة التي تستمر في استنزاف الأموال، مرورًا بالاقتصاد غير الرسمي واسع النطاق، وصولًا إلى المشكلات البيئية التي تظل أولوية، بحسب تقرير «الإندبندنت».

لكن بعطور يقول، بحسب التقرير، إن التزامه بتعزيز الحريات المدنية والحقوق الفرد يأتي قبل كل شيء. ويرى بعطور أن خوض المعركة في حد ذاتها يظل أمرًا جديرًا بالاهتمام، بغض النظر عن نجاحه من عدمه. ويقول إن حملته، على أقل تقدير، تجبر المرشحين الآخرين على معالجة قلة التقديم المحرز على صعيد الحريات المدنية والحقوق الفردية في تونس. ويختتم بعطور حديثه قائلًا: «سأجعل هذا صميم حملتي الانتخابية».

بينهم ريتشارد «قلب الأسد».. هؤلاء الملوك أخفوا رغباتهم الجنسية المثلية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد