أحرز الديمقراطيون انتصارًا كبيرًا في الانتخابات النصفية الأخيرة بالولايات المتحدة الأمريكية؛ مما أكسب الحزب الأزرق سلطة رئاسة اللجان، وممارسة الرقابة على الفرع التنفيذي للسلطة، بعد فوزهم بغالبية المقاعد في الكونجرس الجديد، وفوز الديمقراطية نانسي بيلوسي برئاسة المجلس.

وتُشير صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية إلى أنَّ بعض المُتهكمِّين يتنبأون بحالةٍ من الهرج والمرج الحزبي، لكنَّها تعتقد في الوقت نفسه أنَّ رقابة الكونجرس هو أمرٌ جللٌ، وله تأثيرٌ ضخم على سياسات الحكومة.

إلَّا أنَّ هناك بعض الأساطير المُتداولة عن رقابة الكونجرس على السلطة التنفيذية. وفي تقريرها عن المسألة، أوضحت الصحيفة خمسًا من تلك الأساطير:

الأسطورة الأولى: رقابة الكونجرس هي وسيلةٌ لكسب النقاط السياسية

بحسب الصحيفة، في أعقاب الانتخابات النصفية الأمريكية حذر ميتش ماكونيل، النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، من أنَّ الديمقراطيين «سيضطرون لتحديد المدى المناسب استراتيجيًا لملاحقة الرئيس. ولستُ مُتأكِّدًا من نجاح الأمر بالنسبة لهم».

وعلى غرار ماكونيل، كتب الرئيس ترامب في تغريدةٍ نُشِرَت في نوفمبر (تشرين الثاني) «احتمالية ملاحقة الديمقراطيين للرئيس تسببت في صداعٍ كبير للبورصة!». واشتكى في وقتٍ سابقٍ من أنَّ مجلس النُوَّاب «سيُهدِرُ أموال دافعي الضرائب في التحقيق معه»، مُهدِّدًا «بأنه يمكن أن يتعامل معهم بالمثل».

«ذي أتلانتك»: هل ترامب هو نقيض أوباما في الشرق الأوسط أم أنه أوباما 2؟

لكنَّ صحيفة «واشنطن بوست» ترى أنَّ الرقابة ليست لُعبة، بل آلية دستورية رئيسة، وحجر زاويةٍ في نظام الضوابط والموازين الهيكلي الذي بُنِيَت عليه الحكومة الفيدرالية. ولا يُمكِن للكونجرس أن يضطلع بمهامه الدستورية دون سلطة التحقيق في مدى تنفيذ قوانينه بدقةٍ وإنفاق الأموال التي خصَّصها في محلها. وأيَّدت المحكمة مرارًا وتكرارًا ممارسة الكونجرس للرقابة، ويتضمَّن ذلك سلطة اللجان لإصدار مذكرات الاستدعاء؛ لأنَّ الرقابة «هي جزءٌ مُتأصِّلٌ في العملية التشريعية».

ومنذ عام 1792 حقَّق الكونجرس في الإخفاقات العسكرية بالمناطق الغربية، وكشف عن المخالفات المالية في ظل إدارتي جرانت وهاردينج، وكان له الفضل في كشف فضيحة ووترجيت. ومَهَّدت رقابة الكونجرس الطريق أمام الإنجازات التشريعية البارزة، مثل إصلاحات التعاقدات الحكومية والرقابة على ممارسات وكالات الاستخبارات، وتنظيم تجارة التبغ.

وترى «واشنطن بوست» أنَّه من الوارد تعرُّض تلك السُلطة لإساءة الاستخدام من أجل أغراضٍ حزبيةٍ في بعض الأحيان، كما يظهر في تصريح كيفين مكارثي، النائب الجمهوري عن ولاية كاليفورنيا وزعيم الأغلبية السابق في مجلس النُوَّاب، بأنَّ لجنة بنغازي البرلمانية (تشكَّلت للتحقيق في الهجوم على قنصلية بنغازي) كانت ناجحةً؛ لأنَّها دمَّرت أرقام استطلاعات هيلاري كلينتون، لكنَّ الصحيفة تؤكد أنَّ إساءة استغلال السلطة أمرٌ وارد في أي فرعٍ داخل الحكومة. وبعيدًا عن ملاحقة الرئيس، الرقابة هي وظيفة الكونجرس.

الأسطورة الثانية: إذا كانت بيلوسي جادةً فستقوم بتعيين لجانٍ برلمانية

تُشير «واشنطن بوست» في تقريرها إلى مقطع الفيديو الذي صدر عام 2017 على يد مجموعةٍ من الجمهوريين الكارهين لترامب، تحت قيادة إفان ماكمولين المُرشَّح الرئاسي السابق، والذي دعا الكونجرس إلى «اختيار لجنةٍ حزبيةٍ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي من أجل الوصول إلى الحقيقة» بشأن علاقات ترامب المزعومة بروسيا. وفي الآونة الأخيرة، أعلنت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب، في استجابةٍ لمطالب التقدُّميين، أنَّ مجلس النواب سيُعيد تشكيل لجنةٍ برلمانية مُختصَّةٍ بأزمة المناخ. ويستقي هذا النوع من اللِّجان الإلهام من تحقيقات لجنة ووترجيت التي قادها النائبان سام إرفين (النائب الديمقراطي عن كارولاينا الشمالية) وهوارد بيكر (النائب الجمهوري عن ولاية تينيسي).

نانسي بيلوسي – رئيسة الكونجرس

لا تُشكِّل اللجان البرلمانية بديلًا لعمل لجان الكونجرس الدائمة، رغم قُدرتها على تسليط الضوء على قضايا تحظى باهتمامٍ وطني. فضلًا عن أن المُشرِّعين المُعيَّنين بها يتمتَّعون بخبرةٍ كبيرةٍ في القضايا التي تقع ضمن نطاق صلاحية لجانهم، ويمتلكون معرفةً وثيقةً بوكالات السلطة التنفيذية التي يُشرفون عليها. وفضلًا عن ذلك، تمتلك اللجان الدائمة سلطة تحويل نتائج الرقابة إلى تشريع، بخلاف بعض اللجان البرلمانية. فعلى سبيل المثال، عمل إيليا كومينجس، النائب الديمقراطي عن ولاية ماريلاند والرئيس القادم للجنة الرقابة والإصلاح الحكومي بمجلس النواب، مع رئيس اللجنة السابق جاسون تشافيتز، النائب الجمهوري عن ولاية يوتا، على كشف عيوب الإدارة في وكالة الخدمة السرية، وعملت اللجنة على حماية المُبلغين عن المُخالفات في إدارة أمن وسائل النقل.

الأسطورة الثالثة: صلاحيات السلطة التنفيذية تتفوَّق على رقابة الكونجرس

خلال العام الماضي، أشار ستيف بانون، المُساعد السابق لترامب، إلى صلاحيات السلطة التنفيذية بوصفها أساسًا كافيًا لرفض الإجابة عن أسئلة لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، بما فيها الأسئلة حول تسلُّم ترامب للمنصب، وهو ما سبق تعيينه في السلطة التنفيذية.

وأشار ترامب، وفقًا لما أفادت به صحيفة «واشنطن بوست» في سبتمبر (أيلول)، إلى تلك الصلاحيات بوصفها مُبرِّرا لرفض السماح بنشر آلاف الصفحات من سجلات فترة عمل بريت كافانو المُرشَّح للمحكمة العليا كموظفٍ في البيت الأبيض.

لكنَّ الصحيفة ترى أنَّ تلك الصلاحيات تحمي الاتصالات التي يجريها الرئيس ومُستشاروه المُباشرون فقط، وليس المسؤولين الأقل شأنًا أو المستشارين المؤقتين أثناء فترة انتقال السلطة. ولا يُعَدُّ ذلك الامتياز مُطلقًا؛ إذ يُقاس بالمقارنة مع حاجة الكونجرس للحصول على معلوماتٍ تُمكِّنه من تنفيذ واجباته الدستورية.

وتشير «واشنطن بوست» في ذلك الصدد إلى بعض السوابق. إذ شكَّكت المحاكم الفيدرالية في تلك الصلاحيات التنفيذية المطلقة حين سعت اللجنة القضائية بمجلس النواب لتنفيذ مذكرات الاستدعاء للحصول على شهاداتٍ بشأن إقالة وكلاء وزارة العدل في عهد إدارة جورج بوش الابن، وكذلك سعت لجنة الرقابة بمجلس النواب في عهد أوباما للحصول على وثائق وزارة العدل المُتعلِّقة بالتحقيقات الفاشلة في الإتجار غير المشروع بالأسلحة.

مترجم: تعرف إلى قصة الـ300 «ساندويتش هامبرجر» التي اشتراها ترامب للبيت الأبيض

وفي مواجهة تلك السوابق وعدم الرغبة في المخاطرة بصدور حكمٍ نهائيٍ من المحكمة العليا، تسعى السلطة التنفيذية عادةً إلى استيعاب طلبات الرقابة التشريعية عوضًا عن مقاومتها. وفضلًا عن ذلك يمتلك الكونجرس أدواتٍ أخرى لإجبار السلطة التنفيذية على التعاون مع طلبات الرقابة، ومنها سلطة المحفظة. فوفقًا لإيرفين ناثان، المستشار العام السابق في مجلس النواب، يُمكن للمجلس تعليق تمويل بعض الوكالات التنفيذية حتى تمتثل لطلباتها.

الأسطورة الرابعة: يُمكن للشهود دائمًا اللجوء إلى التعديل الخامس للدستور

تروي صحيفة «واشنطن بوست» قصةً حدثت في عام 1987، حين قال المُقدِّم البحري أوليفر نورث، أثناء الإدلاء بشهادته أمام لجنةٍ مُشتركةٍ في مواجهة تُهَمٍ مُتعلِّقة بقضية إيران-كونترا، إنَّه «يرفض باحترام» الإجابة على أسئلةٍ بعينها «استنادًا إلى حقوقي في التعديل الخامس للدستور». وتتطرَّق الصحيفة أيضًا إلى جلسة استماعٍ أُخرى أُجريت عام 2013 بشأن تدقيق دائرة الإيرادات الداخلية في أوضاع المنظمات التي تسعى للحصول على إعفاءٍ ضريبي. إذ استغلَّت لويس ليرنر، المسؤولة الكبيرة في دائرة الإيرادات الداخلية، حق التعديل الخامس للدستور للامتناع عن الشهادة بمعلوماتٍ قد تدينها، وقالت لأعضاء لجنة الرقابة بمجلس النواب: «لن أُجيب على أي أسئلةٍ أو أُدلي بشهادتي اليوم».

نورث أثناء الإدلاء بشهادته في الكونجرس

ترى الصحيفة أنَّ تلك السوابق توضح فاعلية التعديل الخامس للدستور في الكونجرس بالفعل، لكنَّ رؤساء اللجان يمتلكون سلاحًا مهمًا ضد هذا الأمر. إذ يسمح قانونٌ فيدراليٌ للكونجرس باستصدار أمرٍ قضائيٍ يُجبر الشاهد على الإدلاء بشهادته مع حصانةٍ محدودةٍ من المقاضاة الجنائية، وبالتالي تجاوز الصلاحيات التنفيذية التي تحمي أي شاهدٍ من الإدلاء بمعلوماتٍ قد تُجرِّمه. ويستغل الكونجرس تلك السلطة باقتصاد (إذ يُمكن أن تُؤثر تلك العملية على المحاكمات اللاحقة، كما حدث حين أجبرت لجان إيران-كونترا نورث على الإدلاء بشهادته)، لكنَّها سلطةٌ يضمنها الدستور. وفضلًا عن ذلك، تُعد الاستعانة بالتعديل الخامس للدستور كارثة علاقاتٍ عامةٍ لأي مسؤولٍ في السلطة التنفيذية والإدارة التي يخدم فيها، لهذا تكون عادةً الملاذ الأخير.

الأسطورة الخامسة: الرقابة وحدها ستنجح في إسقاط ترامب

تشير «واشنطن بوست» إلى أنَّه قبل أكثر من عام، توقَّعت جنيفر روبين، كاتبة الأعمدة في الصحيفة، أن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس عام 2018 «ستكون خطوةً فتَّاكةً سياسيًا بالنسبة لترامب». وفي العام المنقضي، أعلن سام نونبيرج حليف الرئيس أنَّ «عام 2018 يدور حول إنقاذ رئاسة ترامب». وفي الأسبوع الماضي ارتأى كريس سيليزا، مُعلَّق شبكة «سي إن إن»، أنَّ رقابة كونجرس الديمقراطيين «ستُحوِّل حياة ترامب إلى جحيم».

لندسي جراهام.. الجمهوري الذي يسعى لإطاحة ابن سلمان ويشكل «صداعًا في رأس ترامب»

وترى الصحيفة أنَّ الرقابة تُعَدُّ أداةً قوية بالفعل، لكنَّها تنفي كونها حلًا سحريًا؛ إذ ربما تضاءل الاهتمام الشعبي بجلسات الاستماع، ويُمكن أن تؤدي عملية الرقابة تلك التي تهدف إلى كشف المخالفات المحتملة إلى عواقبَ غير مقصودةٍ إذا حازت أهدافها التعاطف، كما حدث حين أصبح نورث بطلًا في بعض الدوائر لمماطلته لجان إيران-كونترا. فضلًا عن ذلك نجح عددٌ من الرؤساء مؤخرًا في التغلب على التحقيقات التي ظنَّ المُحلِّلون أنَّها ستُضعِفُهم، مثل تحقيق الكونجرس في الجدل الدائر بشأن فضيحة «ترافيل جيت» وفضيحة «وايت ووتر» خلال فترة رئاسة بيل كلينتون الأولى.

وحتى إذا أدَّت نتائج الرقابة في النهاية إلى نجاح مجلس النُوَّاب الذي يُسيطر عليه الديمقراطيون في إدانة ترامب، وهو الاحتمال الذي قالت بيلوسي إنَّها لا تستبعده، تعتقد «واشنطن بوست» أنَّ الحصول على أغلبية الثلثين اللازمة لإدانته في مجلس الشيوخ الذي يُسيطر عليه الجمهوريون ستكون مهمةً شاقة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد