يشهد العالم في الآونة الأخيرة العديد من الاحتجاجات وأعمال الشغب التي دائمًا ما تكون مصحوبة ببعض الاشتباكات مع قوات الأمن، كان آخرها أعمال الشعب التي شهدتها مدينة بالتيمور، يوم الإثنين الماضي، عقب جنازة الشاب الأسود “فريدي جراي” الذي توفي إثر الاعتداء عليه من قِبل قوات الشرطة الأمريكية.

أثار مقتل “فريدي جراي” حالة من الغليان والغضب بين المحتجين؛ مما تسبب في اندلاع مواجهات عنيفة بين قوات الأمن وبعض الشباب.

لم تكن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها فقد سبقها في شهر أغسطس ونوفمبر الماضيين أعمال شغب أخرى في مدينة فرجسون الأمريكية نتيجة مقتل مواطن آخر على يد قوات الشرطة في حادثة مشابهة لحادثة بالتيمور.

وفي ظل كل هذه الأحداث يتجدد في الأذهان بعض المفاهيم المغلوطة والأكاذيب عن الذين يقومون بهذه الأعمال وأسباب القيام بها.

وقد عرضت الكاتبة “كاثى شنايدر” في مقالها بصحيفة “واشطن بوست” بعضًا من هذه الخرافات والأكاذيب:

المحرضون الخارجيون والنشطاء هما السبب وراء أعمال الشغب

ففي حادثة بالتيمور الأخيرة قامت عمدة بالتيمور “ستيفاني رولينجز بليك” بإلقاء اللوم على بعض الأشخاص القادمين من خارج بالتيمور مُدعيةً أنهم وراء اندلاع أعمال الشغب، وهو الأمر نفسه الذي أصرّت عليه قوات الشرطة.

جدير بالذكر أن هذه لم تكن الحادثة الأولى التي يتم فيها إلقاء اللوم على المحرضين الخارجين باعتبارهم السبب في أعمال شغب وعنف، فقد شهدت مدينة نيويورك أحداث شغب وعنف عام 1964، وألقي فيها باللوم على بعض المحرضين من خارج المدينة وأنهم السبب وراء اندلاع الأحداث، كذلك الأمر حدث مؤخرًا في نهاية 2014 مع اندلاع أحداث فيرجسون عندما وُجهت أصابع الاتهام لبعض النشطاء.

وقالت الكاتبة، في محاولة منها لكشف بعض الحقائق، إنه في أحداث فيرجسون عام 2014 كان هناك حوالي 21% من المقبوض عليهم فقط من خارج ولاية ميسوري التي تقع فيها مدينة فيرجسون، بينما 76% منهم كانوا من مدينة فرجسون أو بعض المدن المحيطة بها، كذلك الأمر في بالتيمور حيث ألقت الشرطة القبض على 31 شخصًا بينهم 3 فقط من خارج ولاية الميرلاند.

وتشير بعض الأبحاث التي قامت بها الكاتبة أن من يقومون بأعمال الشغب دائمًا من الشباب الصغير الذي يعيش في الأحياء الفقيرة والمحرومة التي يتم السطو عليها والتحكم فيها من قبل قوات الأمن، فهؤلاء الشباب لديهم شعور دائم بالضعف وعدم القدرة على فعل شيء أمام عنف وقسوة قوات الشرطة، ولكن عندما تندلع أعمال الشغب يتغير ميزان القوى ويشعر هؤلاء الشباب بالقوة والحرية لمواجهة قوات الأمن والشعور بلذة الانتصار عليهم.

وعلى العكس من ذلك فإن النشطاء نادرًا ما يشاركون في أعمال الشغب وذلك لشعورهم بأن لديهم القدرة على إحداث تأثير في المجتمع ودائمًا ما يقوم النشطاء ذوو الخبرة بتحويل الغضب إلى رد فعل جماعي غير عنيف وهذا يعني أنه كلما زادت مشاركة النشطاء كلما قلت أعمال الشغب.

القمع واستخدام قوات الشرطة يعتبران أفضل وسيلة لإيقاف أعمال الشغب

في أحداث بالتيمور الأخيرة كانت استجابة قوات الشرطة للمحتجين دائمًا ما تكون عن طريق إطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، وهو نفس الرد الذي تم استخدامه في أحداث “أنهايم” 2012 وأحداث فيرجسون أيضًا.

ولكن عنف الشرطة وخصوصًا قتل الشباب السلميين العزل من السلاح دائمًا ما يأتي برد فعل عكسي، ويكون الشرارة التي تتسبب في أحداث الشغب والعنف ويُرجح بعض الباحثين أنه كلما زاد استخدام الأسلحة والقمع كلما زاد العنف والشغب، ولذلك فإن استخدام العنف والقمع من قوات الشرطة دائمًا يطيل أمد الصراع، ففي أحداث “أنهايم” عام 2012 قامت الشرطة بالاعتداء على بعض المتظاهرين مما تسبب في انحراف المسيرة عن مسارها السلمي وحدوث أعمال عنف وشغب.

وأوضحت الكاتبة أن نشر قوات الشرطة ليس الحل الأمثل لتفادي أعمال العنف والشغب، ففي عام 1968 عقب اغتيال “مارتن لوثر كينج” ،اندلعت بعض الاضطرابات وأعمال العنف في كل من ديترويت، وشيكاغو، ونيويورك وواشنطن فيما ساد الهدوء والأمن في نيويورك، ويرجع ذلك إلى أن عمدة نيويورك “جون لينزى” – والذي كان يشغل منصب نائب رئيس اللجنة الرئاسية للاضطرابات المدنية– كان على علم بأن معظم أعمال الشغب كانت تحدث نتيجة العلاقة غير الجيدة بين الشرطة والمجتمع، ولذلك وبعد توليه المسئولية في منتصف عام 1960 توصل إلى أن مهمة حفظ الأمن أهم بكثير من أن تترك لقوات الشرطة وحدها؛ مما دفعه إلى إعطاء الأقليات الشعور بالمشاركة في الحكم عن طريق إعطاء بعض الشباب مهمة حفظ السلام في بعض المناطق الساخنة في مدينة نيويورك عن طريق التواصل بين هؤلاء الشباب والمسؤولين في هذه المناطق وذلك لإبقاء المسؤولين على علم دائم ببعض القضايا المتفجرة، والتي يمكن أن تدفع البعض إلى عمل تظاهرات.

مثيرو الشغب يدافعون عن مرتكبي الجرائم

دائمًا ما تكون الإصابات أو الوفيات على يد قوات الشرطة هي السبب في إشعال أعمال الشغب، ولكن دائمًا ما يتهم الضحايا بأن لديهم سجلًا إجراميًّا، وأن عليهم الاستسلام لقوات الشرطة دون مقاومة، وألا ينبغي عليهم الوصول للأسلحة التي تستخدمها قوات الشرطة وهكذا.

ولكن ردود أفعال مثيري الشغب تجاه قوات الأمن تكون نِتاج فترة كبيرة من الأوضاع المتأججة وليس رد على حادث فردي قام به أحد أفراد قوات الأمن، ويعتبر هذا من أهم الأعراض التي تبين أن هناك مشكلة في النظام في حد ذاته وينذر بحدوث كوارث في المستقبل.

في أمريكا ومنذ التحذير بأن استخدام العنف القاتل غير مرغوب فيه في فض الاشتباكات، فإن قوات الشرطة تحاول التبليغ عن أي حادث ينطوي على حيازة أسلحة واحتمالية حدوث تبادل لإطلاق النار، وبالرغم من كل هذا فإن هناك العديد من الدعاوى القضائية التي تُقام نتيجة أعمال القتل غير المُبرر وسوء التصرف والتي تكلف ملايين الدولارات. ففي التسعينيات قامت مدينة نيويورك بدفع أموال طائلة في التعويضات الناتجة عن استخدام الوحشية والعنف في التعامل من قبل قوات الشرطة والتي كانت تكلف الولاية حوالي 25 مليون دولار سنويًّا، وظل هذا الرقم في ازدياد إلى أن وصل إلى 100 مليون دولار في الآونة الأخيرة.

احتجاز وحبس السود أدى إلى انخفاض أعمال الشغب

من منتصف إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي حدث انخفاض حاد في أحداث الشغب داخل الولايات المتحدة ويُرجع البعض ذلك إلى حقيقة أن معظم رجال الأقليات متواجدون داخل السجون.

ولكن لا يمكن الاعتماد على أن فكرة الحبس والاحتجاز الهائل – والتي كانت لها آثار مدمرة على حياة السود واللاتينيين وبعض الأقليات الأخرى- هي السبب وراء انخفاض معدلات أعمال الشغب في السبعينيات، ففي خلال العقود التي سبقت السبعينيات كانت معدلات السجن في ازدياد هائل.

في عام 1992، شهدت ولاية كاليفورنيا انتفاضة كبرى وذلك عندما ارتفعت معدلات السجن والاحتجاز عن المعدل الطبيعي، وأيضًا كان هناك زيادة في معدلات السجن في ميسوري وهي الولاية التي يوجد بها مدينة فيرجسون وهي تحتل المرتبة رقم 10 من حيث معدلات السجن، وبالمثل مدينة بالتيمور والتي تعتبر من أعلى المدن من حيث معدلات السجن والاحتجاز وهذا يوضح أن استخدام الجانب العقابي فقط في مجال العدالة الجنائية أدى إلى حدوث فجوة سلبية بين الشرطة والشباب ولم يساهم في تخفيض معدلات أعمال الشغب.

أعمال الشغب لا تحقق شيئًا

هذا الرأي كثيرًا ما يتداوله المحللون والسياسيون وكتاب الأعمدة والنقاد، و يأتي هذا في ضوء إصرار عمدة مدينة بالتيمور أن أعمال الشغب التي حدثت شتت الانتباه عن المشاكل الأساسية التي يجب حلها مضيفًا أنه من الغباء الاعتقاد بأن تدمير المدينة سوف يجعل حياة الناس أفضل حيث إن العديد من الأشخاص على مر الأجيال ساهموا في بناء المدينة وبعد ذلك يأتي مجموعة من البلطجية عديمي المسئولية والإحساس ويحاولون تدمير كل هذا.

ولكن هذا الكلام يأتي على عكس ما قاله مفوض لجنة التواصل الفيدرالية “نيكولاس جونسون” بعد انتفاضة عام 1968 في واشنطن حيث قال: «إن أعمال الشغب تعني أن هناك من يحاول توصيل صوته للمسؤولين، وأن هناك من يبكي مستعطفًا يحاول توصيل صوته لمن لا يسمع، وللأسف فإن أعمال الشغب هي السبيل الوحيد لإيصال الصوت للمسئولين في معظم المناطق الفقيرة المهمشة».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد