تحدث جون بومفريت، مدير مكتب صحيفة واشنطن بوست السابق في بكين، في مقال له في الصحيفة عما أسماه «أساطير» يجري الترويج لها حول العلاقة بين واشنطن وبكين.

يقول جون إن العلاقات بين الصين وأمريكا اتسمت بالتعقيد دومًا، وأن البلدين تعاونا بشق الأنفس في حل المشكلات في العالم. ومع انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، يسود اعتقاد بأن العلاقة ستشهد المزيد من التوتر. وقد مثّل الاتصال الذي تلقاه ترامب من رئيس تايوان لتهنئته بالفوز في الانتخابات مؤشرًا على المنحى الذي ستتخذه العلاقات بين البلدين. ولكن ما لبث ترامب أن خالف التكهنات واختار حاكم أيوا تيري برانسدت، المقرب من الرئيس الصيني تشي جين بينج، سفيرًا لأمريكا في بكين. وقد شاعت الكثير من الأساطير حول العلاقة المتشابكة بين البلدين، إليكم خمسًا منها.

1-التبادل التجاري وتوطيد العلاقات بين البلدين سيدفع الصين نحو الديمقراطية

استُخدمت هذه الأسطورة لتبرير التعامل مع الصين منذ زيارة ريتشارد نيكسون في عام 1972. وقد اعتُبرت الصين الشريك التجاري المفضل لواشنطن في 1980، وزعم بعض النواب في الكونجرس أن ثمرة هذه العلاقات هو نمو الديمقراطية في الصين. وفي 2001، ادعى وزير الخزانة آنذاك، روبرت روبين، أن انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية سيمنح الحرية لأكثر من مليار صيني.

تحققت بعض من تلك المزاعم، يقول جون، فقد أصبح الاقتصاد الصيني أكثر انفتاحًا، وارتفع سقف الحريات للمواطن الصيني. إلا أن الصين لا تزال خاضعة لحكم الحزب الواحد، الذي زاد قمعه بشدة عما كان عليه قبل عقود مضت. ولا تزال بكين تفرض حظرًا على استثمار الشركات الغربية في بعض قطاعات الاقتصاد الصيني، وتخشى من انتشار القيم الغربية في البلاد.

2-اتصال رئيس تايوان بترامب يهدد الوضع القائم

تسبب الاتصال في قلق لدى المسئولين عن الشئون الخارجية في الولايات المتحدة. وحذرت بعض وسائل الإعلام الأمريكية من كارثة دبلوماسية.

يقول جون إن الوضع الحالي بين البلدين يتطور منذ عقود. كانت الصين قد تعهدت بالحد من تداعيات انسحاب أمريكا من فيتنام والتصدي للاتحاد السوفييتي. وفي المقابل، تعهدت أمريكا بالسماح للصين بالاستحواذ على الجزيرة التي تعتبرها الصين جزءًا لا يتجزأ منها.

إلا أن الإدارات الأمريكية اللاحقة وطدت علاقاتها مع تايوان بعد أن أدركت أن الأجواء السياسية في الصين لم تتغير كثيرًا. فاستمر تدفق السلاح من واشنطن إلى تايوان بكثافة، ورُفع مستوى العلاقات الدبلوماسية. ويتنقل مواطنو تايوان بين بلادهم وواشنطن دون تأشيرة. ويُعتقد أن العلاقات ستتطور أكثر بعد وصول ترامب إلى سدة الحكم. لكن ما يثير القلق هو أن تتذرع الصين بذلك وتزيد من مضايقاتها لتايوان وأن يسعى ترامب للتصدي لها.

3-حاولت الولايات المتحدة احتواء صعود المارد الصيني

هذا هو الاعتقاد السائد لدى الصينيين، كما يقول التقرير. فهو مذكور في كتب التاريخ الصينية، ويستخدمه الحزب الحاكم كوسيلة دعائية للتعبئة، وهو الأساس الذي تستند عليه بكين في تعاملاتها مع واشنطن.

إلا أن المتمعن في تاريخ العلاقات بين البلدين سيكتشف أن الولايات المتحدة كانت السبب الرئيسي في صعود المارد الصيني. فالثراء الأمريكي وحرية المجتمع وتعاقب مئات الآلاف من الصينيين على الدراسة في الولايات المتحدة كانت كلها عناصر حاسمة في تحول الصين إلى قوة عظمى. ولولا وساطة الولايات المتحدة في عام 2001، لما التحقت الصين بمنظمة التجارة العالمية وحدث تطور هائل في صادراتها نتيجة ذلك. كما كان للولايات المتحدة دور في تدريب العلماء الصينيين، ونقل خبرات إدارة البنوك المركزية إلى الصين.

ويعتقد جون أن الشكوك الصينية لها ما يبررها. على سبيل المثال، ردت أمريكا بحماقة على إنشاء الصين بنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوية في 2015. إلا أن قادة الحزب الشيوعي الصيني، رغم عدم اعترافهم بذلك، حريصون على تعليم أبنائهم في الصين، وهو إقرار ضمني بأن صعود الصين نحو القمة لن يأتي من دون تبنٍّ لبعض القيم الأمريكية.

4-الصين تدمر الاقتصاد الأمريكي

كان شعار الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة هو كيفية منع سيطرة الصين على العالم. يعتقد الكثيرون في أمريكا، وعلى رأسهم ترامب، أن الصين تسعى لتدمير أمريكا والهيمنة على التجارة الدولية، وأن سيطرة الصين على حوالي تريليون دولار من الديْن الأمريكي يمنحها نفوذًا على واشنطن.

لكن هذا غير صحيح، يرد الكاتب. فسوق الخزانة الأمريكية تتمتع بالسيولة الشديدة بما يتجاوز 11 تريليون دولار. وإذا أقدمت الصين على التخلص من تلك السندات، التي تمتلك اليابان حصة توازيها، سيلحق ذلك الضرر باقتصادها، حيث ستنخفض قيمة الاستثمارات الصينية.

وقد أظهرت دراسات أن الاعتماد على الآلة في الصناعة بدلًا من جلب عمال صينيين كان هو السبب في تناقص الوظائف في قطاع الصناعة في أمريكا. لكن صناعة الأثاث والمنسوجات تضررت بشدة بسبب الصين.

أما من ناحية المنافسة بين البلدين، فتعاني الصين من ارتفاع شديد في معدل دين الشركات بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، وإن لم تعالجه سريعًا، فقد يتسبب في أزمة مالية.

وتعاني المدن الصينية من نسب تلوث هي الأعلى في العالم، ما دفع السلطات إلى وقف نشر إحصائيات تتعلق بمتوسط أعمار الشعب. وبسبب سياسة الطفل الواحد، ارتفع متوسط الأعمار في البلاد بسرعة كبيرة، وارتفعت معها تكلفة العمالة دون أن يقابلها ارتفاع في الإنتاجية بنفس الوتيرة، وسيؤدي ذلك إلى مزيد من البطء في نمو الناتج المحلي الإجمالي.

5-الدعاية الصينية ضد الولايات المتحدة لا أثر لها

يقول جون إن الدعاية الشيوعية ضد أمريكا ذات تأثير سيء على واشنطن. وهذا عكس ما زعمته القيادة الصينية حين اشتكى هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، خلال زيارته التاريخية إلى الصين في عام 1971.

ولا تزال الدعاية الصينية ضد أمريكا هي أداة رئيسية في العلاقة بين البلدين. وقد أظهر مسؤولون أمريكيون قلقهم من تجاهل هذا الأمر أو السماح للصينيين بالعمل داخل أمريكا بما يتعارض مع القيم الأمريكية. ويذكر الكاتب أنه في عام 1974، أرادت الصين إقامة معرض للكنوز الأثرية في أمريكا، واشترطت عدم حضور مراسلين من دول لا تقيم علاقات مع الصين إلى المؤتمر الصحفي الخاص بالمعرض الوطني للفنون، فاضطر المسؤولون الأمريكيون إلى إلغاء الموجز الصحفي، ما أغضب جورج بوش الأب، الذي كان يشغل مدير مركز الاتصال في بكين وقتئذٍ، فكتب إلى وزارة الخارجية خطاب احتجاج جاء فيه «يجب علينا ألا نتهاون في مسائل كهذه، وألا يفرضوا أسلوبهم علينا في بلادنا».

ويرى الكاتب أن عدم تصدي الولايات المتحدة لهذه التصرفات قد أضر بشدة بالعلاقات بين البلدين. ففي مقابل قمع السلطات الصينية الصحفيين الأمريكيين، تمنح الولايات المتحدة مطلق الحرية للصحفيين الصينيين أثناء عملهم على أراضيها.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد