رفض المواطنون اليونانيون يوم الأحد الماضي خطة الإنقاذ التي وضعها الدائنون, الأمر الذي جعل المراقبين يُدينون الشعب اليوناني بأنهم كسالى وغير شاكرين للمجهودات التي تُبذل من أجلهم، وبأنهم غير راغبين في تقبل النتائج المترتبة على طرقهم المبذرة.

ولكن يبدو أن اليونانيين كانوا على حق في قولهم لا، فكل ما كان المقرضون يحاولون فرضه على اليونان كان مدمرًا للاتحاد الأوروبي نفسه. إن المشكلة الحقيقة على الأغلب تكمن في اتباع منطقة اليورو، وتعامل المنطقة مع اليونان وكأنها الابن المراهق الذي ينبغي توبيخه دائمًا.

1- التقشف ليس حلًّا لأي مشكلة اقتصادية

يريد الدائنون وخبراء الصرافة في الاتحاد الأوروبي وصانعو السياسة بالطبع استمرار اليونان في برنامج التقشف والذي نتج عنه 25% من البطالة. ولكن اليونان قالت لا وكانت على حق تمامًا, فهل من المنطقي أن يكون حل المشكلة الاقتصادية هو طرد الناس من وظائفهم؟ فأنت إذًا كنت غارقًا في الديون واستدعاك البنك ليقدم لك الخيارات المتاحة، فهل من الممكن أن يكون من ضمن هذه الخيارات أن تترك وظيفتك؟

هذا هو بالضبط ما يطلبه الدائنون من اليونان. فاليونان مدينة لهم بقدر عظيم من المال وبالتأكيد لن يكون حل هذه المشكلة بزيادة عدد المواطنين الذين لا يساهمون بأي شيء من أجل زيادة الإنتاج أوالخدمات. فلا يوجد أي منطق اقتصادي ذكي وراء عملية التقشف بالدرجة التي تجعلها تبدو وكأنها حرب مجنونة.

2- البرامج الاجتماعية اليونانية أقل كثيرًا من تلك الموجودة في فرنسا أو ألمانيا

بعد الأزمة التي تعرضت لها اليونان تم إتهام شعبها بالكثير من الاتهامات الغريبة، مثل أنه شعب كسول فاسد، وتم الزعم بأن البرامج الاجتماعية اليوناينة سخية تمام السخاء، وبناءً على هذا الزعم يظن الجميع أن اليونانيين يفضلون الجلوس والاستفادة من هذه البرامج على الخروج والحصول على وظيفة.

ولكن هنا تكمن المفارقة فمنذ عام 2001 (سنة دخول اليونان في نظام اليورو) حتى عام 2007 (بداية الأزمة المالية العالمية) خصصت اليونان 20.6% من الناتج المحلي الإجمالي للبرامج الاجتماعية فقط، في حين تخصص ألمانيا وفرنسا 26.7% و28.7% وهذا فرق شاسع. وبذلك فإن هذه النسب لا تدعم فرضية أن الشعب اليوناني شعب كسول أبدًا.

3- ارتفاع إنتاجية العمالة اليونانية بصورة أسرع من الألمانية

في الواقع فإن الأمر لا يقتصر على إنفاق اليونان أقل نسبة على البرامج الاجتماعية، ولكن أيضًا تتميز اليونان بارتفاع إنتاجية العاملين لديها أسرع من الألمان، وبالتالي تقوم اليونان بتحويل تلك الزيادة في الإنتاجية إلى العمال على شكل أجور أعلى، وهو عكس ما يحدث في ألمانيا مثلًا، حيث تم إدخال قوانين صعبة خاصة بالأجور إلى سوق العمل الألماني عام 2002. هذا القمع في الأجور الألمانية يعني أن مستوى المعيشة في اليونان مرتفع (ويعتبر هذا السبب أحد أسباب انضمام اليونان لمنظمة اليورو في الأساس).

4- الأزمة اليونانية هي نتاج العجز التجاري وليست نتاج سياسة الإنفاق الاجتماعي للحكومة

من أجل فهم الطبيعة الحقيقية للأزمة الاقتصادية اليونانية من المهم للغاية أن نفهم أن ما حدث في اليونان تتعلق أسبابه بالعجز التجاري، وليس عجز ميزانية الحكومة اليونانية. فإذا اشترت اليونان بضائع وخدمات من ألمانيا أكثر من التي تشتريها ألمانيا من اليونان فمن المؤكد يجب تغطية هذا، إما عن طريق بيع أصول مالية أو الاقتراض، ومن هنا ينشأ الدين الخارجي، والعكس صحيح فإذا باعت اليونان لألمانيا أكثر مما تشتريه ألمانيا منها فعلى ألمانيا أن تمول هذا إما ببيع الأصول المالية أو الاقتراض من اليونان. وهذا صحيح بغض النظر عن توازن ميزانية الحكومة.

جدول

يوضح هذا الجدول متى يصبح هناك دين خارجي للدول.

5- الأزمة اليونانية كان من شأنها ابتكار قواعد جديدة لمنظمة اليورو

فالمشكلة التي تواجه اليونان ليست مشكلة تواجها هي فقط، ولكن مشكلة تواجه أوروبا كوحدة نظامية كاملة، فأولئك الذين يحاولون فهم مشكلة اليونان على أنها انعكاس لخصائص وطنية فردية سوف يغيب عنهم تمامًا تلك النقطة التي سنوضحها، وأي سياسة ستصدر نتيجة لمثل هذا الفهم سوف تكون سياسات عاجزة إن لم تكن مدمرة. ببساطة, المسألة الرئيسية هنا هي أن نظام منطقة اليورو يعاقب على النجاح, وسنوضح ذلك من خلال ثلاثة عوامل مترابطة هي:

تتميز الواردات بتجاوب شديد مع التغيرات التي تطرأ على الدخل القومي، فعندما يزدهر الاقتصاد تزداد الواردات، وعندما يضمحل الاقتصاد تنخفض الواردات. ولنأخذ على سبيل المثال تأثيرالأزمة المالية على مشتريات الولايات المتحدة من السلع والخدمات الأجنبية فقد انخفضت من 838 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2008 إلى 579 مليار دولار في الربع الثاني من عام 2009، ويعتبر هذا انخفاضًا حادًا خلال فترة قصيرة من الزمن. والعكس بالطبع يشهده الاقتصاد إذا ما انعكست التأثيرات (تحدث زيادة كبيرة في الواردات خلال التوسعات).

يجب تمويل العجز التجاري من خلال بيع الأصول المالية أو الاقتراض. ولا يمكن التقاعد عن تسديد الديون، حيث فوائد تلك الديون ستزداد.

يفتقر نظام اليورو إلى آلية للحد من العجز التجاري تلقائيًّا. فلو كان لكل دولة عملة خاصة بها فإن العجز التجاري من شأنه أن يخلق ضغطًا يجعل عملة الدولة تنخفض مع العجز التجاري، الأمر الذي يجعل سلعها وخدماتها أكثر جاذبية. في حالة اليونان لو أنهم كانوا ما يزالون يستخدمون الدراخما (العملة القديمة لليونان) وليس اليورو فإن العجز التجاري مع ألمانيا كان من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض قيمة الدراخما ما قد يؤدي إلى انخفاض في العجز التجاري، وبالتالي تباطؤ تراكم الديون الخارجية. ولكن هذا لم يحدث كون الجميع يمتلكون نفس العملة، لذلك فإن العجز التجاري سيستمر نظريًّا إلى الأبد (وبالتأكيد كان سيستمر مدة أقل لو أنه لكل دولة عملتها الخاصة).

هذه الأسباب مجتمعة سويًّا من شأنها خلق طريق للتدمير الذاتي: نمو اقتصادي متفوق<< يؤدي إلى ارتفاع العجز التجاري<< الذي يؤدي بدوره إلى ديون متصاعدة.

هذا هو بالضبط ما حدث لليونان، لقد نمت أسرع بكثير من ألمانيا وعوقبت على نجاحها. فمنذ دخولها إلى منظمة اليورو عام 2008 بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 3.6% في الوقت الذي كان متوسط معدل النمو في ألمانيا 1.3% (ما يقارب ثلاث مرات أقل من اليونان)، وليس من المستغرب وبناءً على الأسباب المذكورة سابقًا ارتفاع واردات اليونان بكثير عن ألمانيا، وفي النهاية تراكمت الديون على اليونان والتي أدت إلى هذه الأزمة التي لم يكن سببها أبدًا أنهم كسالى أو أنهم يعتمدون على المعاشات السخية وتعويضات البطالة، ولكن لأنهم ومنذ دخولهم منظمة اليورو كانوا أكثر نجاحًا من ألمانيا في توسيع الاقتصاد والإنتاجية والدخل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد