كتب دان نوزويتس مقالًا في مجلة «أطلس أوبسكورا» عن تاريخ الأعلام، والاحتجاج بإحراق العَلم الوطني في العديد من الدول، ورد فعل الحكومات عليه. ويلاحظ بصفة عامة أن الدول الأكثر ديمقراطية تتسامح مع إهانة مثل تلك الرموز خلافًا للدول الاستبدادية.

ويستهل الكاتب مقاله بقوله: «أي رمز يستخدم لتمثيل شيء قوي أو مؤثر – سواء كان شخصًا أو فريقًا رياضيًا أو دينًا – يجعل نفسه عرضة للتدمير. ليس من السهل – على سبيل المثال تدمير بلد ما – ولكن يمكنك تدمير رمز تلك البلد بسهولة نسبية، ولا يوجد رمز أكثر ارتباطًا بأمة، ومن ثم أكثر عرضة للحرق والتمزيق خلال الاحتجاجات، من العَلم الوطني».

حرق العلم في أمريكا حق للمواطن

في الولايات المتحدة، كانت المحكمة العليا واضحة ومتسقة في الرأي حيال كون تدنيس العلم ذي النجوم والأشرطة حق أمريكي، منصوص عليه في التعديل الأول للدستور. وتغيير هذا، وفقًا للاقتراحات المستمرة بهذا الشأن، سيكون أمرًا بالغ الصعوبة، إذ يتطلب – من الكونجرس المنقسم انقساما عميقًا – تصويت ثلثي الأصوات على تعديل دستوري، يتبعه تصديق 38 ولاية على الأقل من الولايات المنقسمة. باختصار يستبعد حصول ذلك.

Embed from Getty Images

تختلف طريقة تعامل الدول مع تدمير رموزها الوطنية في أنحاء العالم. وكون الولايات المتحدة توفر حماية قوية لمن يحرق العلم يجعلها دولة استثنائية إلى حد ما. أما معظم الدول الأخرى، ومن بينها العديد من الدول التي يُنظر إليها عمومًا على أنها تقدمية ومتسامحة، فلديها نوع من القوانين التي تتناول قضية تدنيس العلم في تشريعاتها. وغالبًا ما تكون هذه القوانين مزيجًا لما يبدو أنه تعسف ورغبة في قمع الاحتجاج المشروع.

تاريخ أعلام الدول

مفهوم العلم الوطني، أو حتى الأمة بشكل عام، ليس قديمًا. فالدولة بهذه الصورة التي نراها لم تكن موجودة أصلًا حتى القرنين السابع عشر والثامن عشر. قبل ذلك، كانت هناك أقاليم وممالك وإمبراطوريات والعديد من الأنظمة السياسية والكيانات الجغرافية الأخرى، ولكن لم يكن هناك مفهوم معترف به عالميا للأمة، بحدود وحكومات محددة وقواعد للتواصل مع بعضها البعض.

لم يبدأ استخدام الأعلام رموزًا وطنية حتى منتصف القرن التاسع عشر، واستغرق الأمر وقتا طويلا حتى أصبحت شرطًا أساسيًا لقيام الدولة.

صحيح أن الأعلام نفسها قديمة جدًا، بالطبع، لكن حتى عصر السفن الشراعية (1571–1862)، كانت تستخدم في الغالب للتواصل، أو لتحديد مجموعات ذات طابع محلي أكثر، مثل فرع معين من عائلة أو وحدة عسكرية.

بينما لم يبدأ استخدام الأعلام رموزًا وطنية حتى منتصف القرن التاسع عشر، واستغرق الأمر وقتا طويلا حتى أصبحت شرطًا أساسيًا لقيام الدولة.

ونظرًا لأن الأعلام هي تطورات حديثة إلى حد ما، فإن مفهوم حرق العلم أو تدنيس العلم من أي نوع، يعد أيضًا فكرة حديثة إلى حد ما. إذ كانت الدمى تمثل شكلًا أكثر شيوعًا للمفهوم الكبير للاحتجاج قبل العصر الحديث.

وفي المملكة المتحدة، كان حرق دمية على شكل البابا أو المتآمر الكاثوليكي الفاشل جاي فوكس تقليدًا لمئات السنين. كان الزعماء يجسدون الدولة، ولذا حتى في حالة عدم وجود رموز أخرى لإقليم قانوني، كان الناس يحرقون أشياء تمثل أشخاصًا محددين.

ولكن الأعلام لديها العديد من المزايا التي تتفوق بها على الدمى. إنها أرخص وأسهل في الحصول عليها من دمية تمثل شبهًا معقولًا بالإنسان، وقابلة للاشتعال إلى حد ما، بحسب المواد المستخدمة.

وأصبح حرق العلم تكتيكًا يحقق الهدف المنشود في الولايات المتحدة خلال ستينيات القرن الماضي، أثناء حرب فيتنام، لكن حرق العلم كان في أنحاء العالم منذ فترة طويلة وسيلة بسيطة وفعالة للاحتجاج ضد الحكومة الفيدرالية.

تهتم الحكومات بعض الشيء بهذا الأمر، لأن حرق العلم هو شكل من أشكال الاحتجاج ضدها، وغالبًا ما تقوم به الأقليات المضطهدة وسيلة لرفع الوعي (أو أشخاص غاضبون في دولة أخرى). ولا تريد الحكومات عمومًا دعاية سلبية، أو أن يشير الناس بغضب إلى أوجه قصورها.

وبهذا المعنى، فإن حظر حرق العلم لا يختلف تمامًا عن تفريق مسيرة احتجاج بالغاز المسيل للدموع أو غيره. يقول برايان هوس، وهو محامٍ في اتحاد الحريات المدنية الأمريكي الذي يركز على قضايا حرية التعبير: «إذا كان حرق العلم جريمة لأنه العلم، فإن السبب الوحيد الذي يجعل الحكومة تتحمل مسؤولية ذلك هو عدم موافقتها على الرسالة التي يحاول المحتج نقلها».

دولي

منذ 7 شهور
«ف. أفيرز»: بعيدًا عن الاقتصاد والسلاح.. من الأقوى دبلوماسيًّا أمريكا أم الصين؟

الدنمارك تسمح بحرق علمها وتحظر حرق أعلام الدول الأخرى

هناك أشكال متعددة لهذه القوانين أيضًا. الدنمارك – على سبيل المثال – تحظر حرق أي علم، مع استثناء واحد: العلم الدنماركي نفسه.

فوفقًا للقانون الدنماركي فإن حرق علم دولة أجنبية هو استفزاز يمكن أن يضر بمكانة الدنمارك في المجتمع العالمي. ولكن لماذا تسمح بحرق العلم الدنماركي، على الرغم من ذلك؟

ويشير المقال إلى أن البعض يرون أن الحرق هو الطريقة المقبولة للتخلص من العلم الدنماركي في الدنمارك، بالرغم من أن هذا أمر لا ينص عليه القانون على وجه التحديد.

أستراليا هي إحدى الدول القليلة، إلى جانب الولايات المتحدة وكندا وبلجيكا، التي تسمح صراحةً بحرق العلم. وكما هو الحال في الولايات المتحدة، لم يمنع هذا المشرعين هناك من محاولة حظر هذا العمل الاحتجاجي، أو على الأقل توفير المظهر السياسي لمحاولة حظره.

خلال أعمال الشغب العنيفة التي وقعت عام 2005 والمعروفة باسم أعمال شغب كرونولا، حرق مراهق لبناني – أسترالي العلم الأسترالي. وجه إليه اتهام وخضع للمحاكمة أيضًا؛ ليس لحرق العلم، ولكن لسرقة وتدمير الممتلكات الشخصية. ويعد هذا الاستخدام للقوانين الأخرى لملاحقة أفعال حرق الأعلام قضائيًا ممارسة شائعة، وقد تشمل الاتهامات تكدير السلم والسرقة وتدمير الممتلكات والحرق العمد وجرائم أخرى بدلًا عن التدنيس الرمزي.

الصين لديها عقوبات صارمة لتدنيس الرموز 

الصين – من ناحية أخرى – تسير بقوة في الاتجاه الآخر. في عام 2017 أقرت البلاد تعديلًا يزيد بشكل كبير من العقوبات في قوانين تدنيس الرموز. ويمكن أن يُعاقب المدانون بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات بسبب أفعال مثل السخرية من النشيد الوطني من خلال غنائه بصوت ساخر. أما حرق العلم، أو تشويهه، أو دهسه بالقدم، فتعاقب عليه القوانين أيضًا.

Embed from Getty Images

لا تهتم كثير من الدول التي لديها مثل هذه القوانين بمسألة تطبيقها. فرنسا – من ناحية أخرى – تلاحق المسيء للعلم قضائيًا. ففي عام 2010 قام رجل جزائري غاضب من خدمة العملاء السيئة للغاية التي كان يتلقاها في مكتب حكومي محلي بإمساك علم فرنسا ثلاثي الألوان وكسر ساريته الخشبية إلى نصفين. سيطرت الشرطة عليه بالقوة وغرمته، ليس بسبب تدمير الممتلكات، بل بسبب «إهانة» العلم.

الهند وترسانة قوانين خاصة بالعلم 

«الإهانة» هي تعميم فضفاض. قوانين الهند مفصلة للغاية، وهي تغطي أكثر من التدنيس الفعلي. حتى أن الدولة تحدد أي جانب من الغرفة يجب أن يثبت فيه العلم، وحتى نوع المواد المسموح بها في مكوناته، ومن يمكنه رفع العلم على مركبة ما (فقط للأفراد الحكوميين أو العسكريين، وبعضهم وليس كلهم)، والترتيب الذي يوضع به العلم الهندي عند عرضه مع أعلام وطنية أخرى، وتتشدد الهند في اعتبار انتهاك أي من هذه القواعد انتهاكًا لقوانين العلم.

وفي بعض الأحيان لا يكون الأمر له علاقة بعلم حقيقي، ففي عام 2007 قدم التماس ضد لاعب الكريكيت والبطل الوطني ساشين تيندولكار لتقطيعه كعكة عليها العلم الهندي.

إسرائيل تعاقب بالغرامة والسجن على تدنيس علمها

إسرائيل هي الأخرى لها موقف عدواني تجاه الاحتجاج الرمزي الذي يتضمن استخدام الأعلام. ففي عام 2016، رفعت الحكومة بشكل كبير العقوبة المالية لمن ينتهك العلم. وتتمثل العقوبة في غرامة تتجاوز 16 ألف دولار والسجن لمدة ثلاث سنوات. في العام الماضي داس متظاهر فلسطيني على العلم الإسرائيلي وراح يطأه بقدميه كجزء من الاحتجاج على إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على الناس عبر السياج في غزة. إنه ليس الشخص الوحيد تقريبًا الذي يحاكم بتهمة تدنيس العلم في إسرائيل.

شاعر مكسيكي يدنس العلم في شِعره

هذه الغرامات تؤذي الكثيرين، لكن في بعض الأحيان تكون أشكال العقوبة رمزية مثلها مثل رمزية العلم نفسه.

ففي المكسيك يعد تدنيس العلم عملًا غير قانوني، لكن لا يتعرض فاعله للملاحقة القانونية بسببه في كثير من الأحيان. حدث استثناء بارز في عام 2008 عندما أُدين الشاعر الشهير سيرجيو ويتز بعد معركة قانونية طويلة بتدنيس العلم المكسيكي في قصيدة شِعر.

ففي عام 2002 نشر قصيدة «الوطن غارق في الخراء» أو «La patria entre mierda». وكتب في قصيدته «أنا أنظف مؤخرتي بالعلم» إلى جانب «أنا أجفف بولي بعلم بلادي» وكتب بيتين حول كيفية أن العلم لا ينتج شيئًا سوى القيء القومي. واعترف ويتز في وقت لاحق أن القصيدة ليست أفضل أعماله.

على أية حال في عام 2008، وقع القاضي على ويتز غرامة رمزية قدرها 50 بيزو – حوالي 2.50 دولار – لتكون بمثابة «تحذير» لأولئك الذين يسيئون استخدام حرية التعبير، وفقا لمقال نشر في صحيفة «إليونيفرسال (El Universal)». وقال ويتز: «إن الغرامة سخيفة»، ورفض دفعها.

قبل عام 1989، كان لدى 48 ولاية من أصل 50 ولاية نوع من قوانين حرق العلم.

لفترة طويلة كانت الولايات المتحدة تمثل جميع هذه الأماكن ولا تمثل أيًا منها في الوقت ذاته. فقبل عام 1989 كان لدى 48 ولاية من أصل 50 ولاية نوع من قوانين حرق العلم. لكن قضية تسمى تكساس ضد جونسون، حوكم فيها متظاهر شاب لحرقه العلم الأمريكي خلال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري لعام 1984، حسمت الأمور.

في قرار أصدره خمسة أعضاء مقابل أربعة في عام 1989 أعلنت المحكمة العليا أن حرق العلم كان بمثابة خطاب سياسي محمي بموجب التعديل الأول، وأبطل على الفور قوانين الولايات الثمانية والأربعين.

ليس من الصعب ملاحظة وجود نمط يربط بين بعض الدول التي تتعامل بجدية مع قوانين تدنيس أعلامها؛ إذ إن لديها حكومات معروفة بردود فعل نشطة، وحتى عدوانية، ضد المعارضة والمحتجين. فماذا سيحدث إذا مررت الولايات المتحدة تعديلًا دستوريًا يحظر حرق العلم؟

أبحاث ودراسات

منذ 7 شهور
مترجم: خريطة جديدة ترسم بدقة غير مسبوقة الأماكن المكتظة بالبشر

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد