تتغلغل ظاهرة التمييز العنصري في كل جوانب الحياة الأمريكية تقريبًا، من الرعاية الصحية إلى الإسكان، والبيانات خير شاهد. 

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية مقالًا تناقش فيه الأستاذة المساعدة في الدراسات الحكومية بجامعة كورنيل والمديرة المشاركة لمركز كورنيل للعدالة الصحية، جميلة ميشنر، السبب الذي أشعل شرارة الاحتجاجات التي عمت أرجاء العالم ضد التحيز العنصري للشرطة، ومدى انتشار أوجه التمييز العنصري في مختلف جوانب الحياة في الولايات المتحدة.

وقالت كاتبة المقال إن أبسط إجابة على السؤال الخاص بسبب اندلاع الاحتجاجات الأخيرة هي أن أحد ضباط الشرطة في مدينة مينيابوليس قتل جورج فلويد، وهو رجل أسود يبلغ من العمر 46 عامًا، يوم 25 مايو (آيار) الماضي، بعدما ضغط بركبته على رقبة فلويد لأكثر من ثماني دقائق، وهو الحادث الذي شاهده ملايين الأمريكيين في مقطع الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع.

وأوضحت أن عملية القتل هذه تأتي بعد وقت قصير من وقوع عدة عمليات قتل غير مشروع بارزة أخرى لأشخاص سود، بما في ذلك مقتل برونا تايلور – وهي مسعفة طبية تبلغ من العمر 26 عامًا – برصاص شرطة مدينة لويزفيل وهي مستلقية على سريرها، ومقتل أحمد أربيري (25 عامًا) الذي اعتدى عليه أفراد أمن محليون، وأطلقوا عليه النار أثناء ممارسته رياضة الجري على طريق في مدينة برانسويك، بولاية جورجيا الأمريكية.

دولي

منذ 4 شهور
«حياة السود مهمة» في أوروبا أيضًا.. 4 عواصم كبرى احتجت على العنصرية ضد السود

الوفيات المرتبطة بالشرطة أكثر شيوعًا في مجتمعات الملونين

ترى الكاتبة أن الفهم الكامل للاحتجاجات يتطلب اعترافًا أكبر بالعنصرية الممنهجة، مضيفة أن التمييز العنصري، الذي يجري عبر مجموعة متنوعة من المؤسسات والممارسات، يتغلغل تقريبًا في كل جانب من جوانب الحياة الأمريكية، من عمل الشرطة إلى الرعاية الصحية ومرورًا بالعمل والسكن. وتوضح أن دراسة هذا الانتشار تقدم لنا نظرة ثاقبة على الانتفاضات الوطنية والدولية الحالية.

الشرطة الأمريكية تعتقل متظاهر في أحداث مينيابولس

وتؤكد جميلة ميشنر أن الوفيات على أيدي الشرطة أكثر شيوعًا في مجتمعات الملونين ذوي الدخل المنخفض، إذ تشير دراسة حديثة إلى أنه يُمكن توقع مقتل شخص واحد من بين كل ألف رجل أسود على يد الشرطة؛ ما يعني أن الرجال السود أكثر عرضة للقتل على أيدي الشرطة 2.5 مرة أكثر من نظرائهم البيض.

كما أن النساء السود أكثر عرضة للقتل بمعدل 1.4 مرة، والرجال اللاتينيين بـ1.3 مرة، والرجال من الهنود الحمر (الأمريكيون) بـ1.7 مرة، والنساء من الهنود الحمر بـ 2.1 مرة، من نظرائهم البيض. لذا، عندما يحسب الباحثون سنوات العمر المفقودة نتيجة العنف الذي تمارسه الشرطة، يجدون أن أكثر من نصف هذه السنوات فقدها الأشخاص الملونون.

ما وراء الاحتجاجات.. الشرطة تستهدف السود أكثر من غيرهم

من المرجح أن يَمثُل السود على نحو غير متناسب أمام النظام القضائي الجنائي، سواء أوقفتهم الشرطة أو اعتقلتهم أو احتجزتهم أو سجنتهم، ولا تُعزى هذه الفوارق إلى اختلافات في السلوك الفردي. على سبيل المثال، على الرغم من أن السود يستخدمون المخدرات ويبيعونها بنفس معدلات الأشخاص البيض تقريبًا، إلا أن احتمال تعرضهم للاعتقال بسبب جرائم تتعلق بالمخدرات يزيد عن الضعف.

ويرتبط هذا المثول المتزايد أمام النظام القضائي الجنائي بزيادة «خطر الإصابة بالمرض وانخفاض مستوى الرفاه»، وهي عبارة يستخدمها الباحثون للإشارة إلى مقياس مركب للصحة البدنية، والعقلية، والاجتماعية، والمالية، والروحية.

وتوضح كاتبة المقال أنه لا يمكن للأشخاص السود الهروب من هذا الواقع بالانتقال إلى أحياء أفضل أو كسب المزيد من الدخل. علاوة على ذلك فإن السجن لا يضر الفرد فحسب، بل يؤذي أيضًا أطفاله، وتتواصل تأثيراته عبر الأجيال ويجتاح أحياء بأكملها.

العنصرية والتحيز متجذران في مؤسسة الشرطة نفسها

وتقول الكاتبة: «إن قياس درجة التحيز في أعمال الشرطة أمر صعب ومثير للجدل. ومع ذلك تشير أدلة كثيرة إلى أن الشرطة تستخدم القوة في كثير من الأحيان ضد الأشخاص الملونين، وتكشف أن عملية إنفاذ القانون تستهدف الملونين دون مبرر». وفي حين يجادل الكثيرون بأن «رجال الشرطة السيئين» هم المشكلة، فإن الأبحاث تجد – من بين قضايا أخرى – تحيزًا واسع النطاق في قرارات إنفاذ القانون.

وتوضح أنه علاوة على ذلك، تؤثر مؤسسات الشرطة ذاتها على كيفية تفاعل الشرطة مع المجتمعات المحلية. على سبيل المثال، يقل ميل الشرطة التي ترى أن وكالاتها تتبع ممارسات إدارية عادلة للالتزام بـ«ميثاق الصمت»، أو الاعتقاد بأن السلوك غير القانوني من جانب الشرطة يمكن تبريره.

كما أشارت الكاتبة إلى أنه من المرجح نشر وحدات الشرطة العسكرية في مجتمعات الملونين، موضحة أن هذا الشكل من العمل الشرطي يرتبط بالمزيد من الوفيات جراء إطلاق الشرطة النار. واعتبرت أنه سواء كان رجال الشرطة «جيدين» أو «سيئين»، فإن السياق المؤسسي الأكبر مهم. والشرطة العدوانية ليست الخيار الأفضل ولا الخيار الوحيد للاستجابة للمجتمعات المضطربة؛ إذ تظهر الأبحاث أن معدل الجريمة ينخفض عندما تستثمر الحكومات في موارد مجتمعية أخرى هامة، مثل المنظمات المحلية غير الربحية أو خدمات الصحة العقلية.

الفوارق العرقية تتجاوز نطاق العمل الشرطي

تقول الكاتبة: «إن الفوارق العرقية تتجاوز نطاق العمل الشرطي، فاحتمالية وفاة الرضع السود قبل عيد ميلادهم الأول تزيد بمعدل 2.3 مرة عن نظرائهم البيض. كما أن النساء من السود والهنود الحمر وسكان ألاسكا الأصليين أكثر عرضة للوفاة لأسباب تتعلق بالحمل مرتين إلى ثلاث مرات أكثر من النساء البيض».

واعتبرت أن هذه الوفيات غير المتناسبة هي نتاج للتمييز العنصري؛ إذ تشير البحوث إلى أن المرضى السود يحصلون على أدوية أقل للألم، وأنهم أقل عرضة لتلقي الرعاية المناسبة لآلام الصدر، كما أن مقابلة ممارسين طبيين يستمعون إليهم بشكل أقل، يزيد احتمالية أن ينظروا إليهم نظرة سلبية وأن تكون قرارات علاجهم متحيزة بسبب القوالب النمطية العنصرية الزائفة، وأخيرًا فإن فرص وصولهم إلى التأمين الصحي أكثر محدودية، ويواجهون مصاعب أكبر في الحصول على الرعاية الصحية.

كما أن التمييز العنصري يعيق الوصول إلى سوق العمل، إذ أثبتت الدراسات أن السيرة الذاتية نفسها أقل احتمالا أن تؤدي إلى مقابلة عمل إذا كان مقدم الطلب يحمل اسمًا «أسود» على غرار لاكيشا أو جمال. وحتى عندما يتمتع الباحثون عن العمل بالمؤهلات نفسها، ويدربهم الباحثون على إظهار مهارات مماثلة في التعامل مع الأشخاص، تظل احتمالية معاودة الاتصال بالمتقدمين السود أو حصولهم على عرض للعمل أقل بنسبة 50%، ولا يبدو أن التمييز في عملية التوظيف يتحسن مع مرور الوقت.

وذكرت الكاتبة أن التمييز في مجال الإسكان يؤدي إلى زيادة تقويض الاستقرار الاقتصادي في مجتمعات الملونين، إذ تؤكد العديد من الدراسات أن الملاك يميزون في التعامل ضد المستأجرين السود، وتشير الأبحاث أيضًا إلى أن التحيز العنصري في الإقراض العقاري له تأثير يعادل الحصول على درجة ائتمانية أقل بـ71 نقطة.

كما أن الوظيفة الجيدة والدخل المرتفع لا يحميان من التمييز في الإسكان، وفي ذروة الفقاعة الإسكانية، كان من المرجح أن تحصل العائلات السوداء واللاتينية التي تجني أكثر من 200 ألف دولار سنويًا على قرض رهن عقاري عالي المخاطر أكثر من الأسر البيضاء التي تجني أقل من 30 ألف دولار.

7 أفلام تكشف لك تاريخ العنصرية الأمريكية ضد السود

 حتى الجائحة لا تصيب الأشخاص بالقدر نفسه

وترى الكاتبة أن نتائج جائحة «كوفيد-19» أظهرت آثار التمييز العنصري على نحوٍ صارخ؛ إذ تشير التقديرات الأخيرة إلى أنه إذا تساوت نسب الوفاة بسبب الفيروس بين الأشخاص الملونين والبيض، لكان 13 ألف أمريكي أسود، و1300 لاتيني، و300 أمريكي آسيوي لا يزالون أحياء.

وعلى الرغم من أن البعض أشار إلى أن الأشخاص الملونين يعانون من معدلات أعلى من مرض السكري والسمنة وغيرها من الحالات المرضية الموجودة مسبقًا، كتفسير للنتائج غير المتكافئة التي أسفر عنها فيروس كورونا، إلا أن الأبحاث أظهرت أن هذه التفاوتات هي في حد ذاتها نتاج لسلبيات عرقية متراكمة.

واختتمت الكاتبة بالقول: «إن عقودًا من البحث أوضحت أن التمييز العنصري منتشر على نطاق واسع، ويمكن أن يكون مؤذيًا لدرجة الموت، وجورج فلويد هو أحدث الضحايا وأكثر الأمثلة وضوحًا على الآثار بعيدة المدى المترتبة على استمرار التمييز العنصري في الولايات المتحدة».

حقوق إنسان

منذ 4 شهور
مترجم: ماذا تعرف عن مذبحة تولسا ضد السود التي تريد أمريكا محوها من التاريخ؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد