أفادت دراسة تحدد مصدر 151 محصولًا من المحاصيل الغذائية أن 69٪ من مصادر النظام الغذائي العالمي «أجنبية» المنشأ.

سلَّط الكاتب الصحافي فرانك جاكوبس الضوء على منشأ المحاصيل الغذائية ومصادرها حول العالم، وذلك في تقرير نشره موقع «بيج ثينك».

أفكار رئيسة

  • نحن بالكاد نفكر في هذا الأمر، لكن الأغذية التي نضعها في أطباقنا منشأها من «الخارج» بصورة أساسية.
  • تحُدِّد هذه الخريطة بدقة المنشأ الجغرافي لـ151 نوعًا من المحاصيل الغذائية التي تحتل مكانة بارزة على مستوى العالم.
  • لا يُعد هذا الأمر وثيق الصلة بالناحية التاريخية فحسب؛ إذ يُمكن أن تساعد مثل هذه المعلومات في حماية غلات المحاصيل في المستقبل.

ويُوضِّح التقرير أن هذه الخريطة الجغرافية للمحاصيل تُظهر المناطق المختلفة لمنشأ 151 نوعًا من المحاصيل الغذائية الأساسية حاليًا. كما توضح الخريطة حقيقة مذهلة أصبحت منتشرة جدًّا لدرجة أننا نادرًا ما نُفكِّر فيها: كيف أن كثيرًا من منشأ الأغذية التي تقدَّم لنا على الأطباق «أجنبية» في الواقع.

المحاصيل الزراعية.. بين القديم والحديث

يطرح الكاتب سؤالًا: ما منشأ الموز الذي لم يطعمه المسيح قط؟ يأتي الموز من جنوب آسيا. ومن أين تأتي الطماطم والبطاطس؟ نحن ننسبها بشدة في الوقت الراهن إلى مطابخ إيطاليا وأيرلندا، على الترتيب، لكن كليهما منشؤه أمريكي. وكانت الطماطم والبطاطس قد عبرت المحيط الأطلسي فيما أصبح يُعرف باسم التبادل الكولومبي: الخلط الشديد بين أشياء العالم القديم والجديد بعد عام 1492.

تاريخ

منذ شهر
صفحة من تاريخ الاستعمار الأمريكي «المُقَنَّع».. هكذا سرقت أمريكا قناة بنما

إذ إنه عندما خيَّم شبح المجاعة إلى الأبد على المجتمعات في مرحلة ما قبل الحداثة، كان هناك شغف للعثور على أصناف جديدة وجلبها. وفي عام 1551 رأى الإسبان أول حبة بطاطس في أودية جبال الأنديز. وفي عام 1567، بعد 16 عامًا فحسب، بدأوا بالفعل في زراعتها في جزر الكناري.

ويلفت التقرير إلى أن النظام السائد منذ ذلك الحين: إذا سدَّت هذه المحاصيل الجوع وملأت البطون، فلابد عن جلبها. وفي الوقت الحاضر نجد أن كل المحاصيل التي نبتت في أي مكان يمكن أن تُزرع وتُستهلك في كل مكان تقريبًا. وبالتأكيد يمكننا القول إن الغذاء هو السلعة الأكثر انخراطًا في العولمة على كوكب الأرض. ولم تزل تلك العملية مستمرة. وفي عام 1961 كانت المحاصيل الغذائية القادمة من خارج المنطقة الأحيائية التي استُهلكت فيها تُشكِّل 63٪ من النظام الغذائي العالمي. وبعد 50 عامًا ارتفعت تلك النسبة إلى 69%.

وفي هذا الصدد يقول الباحثون، الذين أعدوا الورقة البحثية عن مصادر الأغذية الموضحة في هذه الخريطة (وغيرها من الرسوم البيانية التفاعلية): إن «البشر يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على أنواع من النباتات التي تنشأ في مناطق أخرى غير التي يعيشون فيها». ولذلك من أين تأتي أطعمتنا المفضَّلة؟

يفيد التقرير أن هناك تحذير مهم قبل الاطلاع إلى تلك الخريطة: لبعض المحاصيل مناطق منشأ متعددة، دجَّنها أناس مختلفون في أزمان مختلفة وفي أماكن مختلفة. على سبيل المثال، كان القمح يُزرع في وسط وغرب آسيا، وفي جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط. ومن هنا تبرز النباتات المزدوجة المنشأ على الخريطة والتي يمكن الاطلاع عليها كاملة من هنا. وفيما يلي بعض النقاط البارزة.

أمريكا

ينوه التقرير إلى أن المواد الغذائية العالمية، التي نشأت في أمريكا الشمالية، تشمل محاصيل العنب البري والتوت البري واليقطين ونبات القرع، بالإضافة إلى دوَّار الشمس الذي ربما يعد الأكثر أهمية من الناحية الاقتصادية. وقدمت أمريكا الجنوبية الاستوائية للعالم محاصيل الأناناس، والبابايا، وزيت النخيل، والكاكاو، وهي المادة الخام للشوكولاتة. ولولا وجود جبال الأنديز لما كان من الممكن أن نأكل طماطم أو بطاطس، ناهيك عن حبات الكينوا.

Embed from Getty Images

أفريقيا

يضيف التقرير أن من بين المحاصيل المدجنة في شرق وغرب أفريقيا هي حبات القهوة ونبات الدخن والبطيخ والذرة البيضاء. وتُعد منطقة غرب أفريقيا ووسطها موطنًا لزيت النخيل، والأرز، وبذور الكولا. ويُوجد في جنوب أفريقيا البطيخ والنعناع.

أوروبا

أما عن التفاح ونبات الهليون، والبندق، والخس، ونبات الجنجل، وبنجر السكر، فإن العالم يدين بالفضل في الحصول على هذه المحاصيل إلى منطقة شمال شرق وشمال غرب أوروبا. ويأتي اليانسون والتين من جنوب غرب أوروبا، والجوز والكرز من جنوب شرق أوروبا.

آسيا/المحيط الهادئ

ويتابع التقرير موضحًا أن السبانخ والقنب والفستق يعود أصلها ومنشأها إلى منطقة وسط آسيا، في حين أن شرق آسيا تُعد موطنًا أصليًا للخوخ والنكتارين وثمار اليوسفي والبرتقال، بالإضافة إلى الخيار والكيوي.

Embed from Getty Images

وينشأ الباذنجان والجريب فروت والمانجو والبطيخ في جنوب شرق آسيا. ويأتي جوز الهند من منطقة المحيط الهادئ. أما عن إسهام أستراليا الوحيد في الغذاء العالمي، فهو في إنتاج مكسرات مكاديميا.

نقاط مهمة أخرى في الورقة البحثية!

  • منذ منتصف القرن العشرين، أصبحت النظم الغذائية في جميع أنحاء العالم أكثر تنوعًا وتجانسًا، مع انتشار محلات السوبر ماركت ومنافذ البيع بالتجزئة الأخرى في كل مكان حول العالم، والتي تقدم بصورة متزايدة مجموعة مماثلة من الخيارات الغذائية.
  • تعتمد المناطق البعيدة عن مراكز المنشأ أكثر على المحاصيل الخارجية. وتشمل هذه المناطق أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، إذ أن حوالي 92.5٪ من السعرات الحرارية المستهلكة في كندا، على سبيل المثال، مستمدة من محاصيل مصدرها من خارج أمريكا الشمالية.
  • تعتمد المناطق التي تتميز بالتنوع المرتفع في محاصيلها بصورة أقل على المحاصيل الخارجية. وهذا ما ينطبق تمامًا على جنوب آسيا وغرب أفريقيا، على سبيل المثال. ومن بين الدول ذات أدنى مستوى من استخدام المحاصيل «الخارجية» كمبوديا (19٪)، وبنجلاديش والنيجر (كلاهما 20٪).
  • وفي المدة من عام 1961 إلى عام 2011، حققت المحاصيل الخارجية المنتجة للدهون أسرع معدل للنمو. وقد حدثت بعض الزيادات الكبيرة في إندونيسيا وماليزيا، بالتزامن مع ازدهار إنتاج زيت النخيل (منشؤه غرب أفريقيا ووسطها)، وفي البرازيل، حيث اعتُمد إنتاج فول الصويا (منشؤه شرق آسيا) على نطاق واسع.
  • يُركز الإنتاج الزراعي في الولايات المتحدة على المحاصيل من شرق آسيا (فول الصويا) وأمريكا الوسطى (الذرة)، بينما تعتمد أنماط استهلاك الغذاء في الولايات المتحدة إلى حد كبير على المحاصيل القادمة من البحر الأبيض المتوسط ​​وغرب آسيا (القمح، والشعير، والحمص، واللوز… إلخ)

ويؤكد التقرير أن الورقة البحثية تستند على الأساس الذي وضعه نيقولاي فافيلوف، عالم روسي متخصص في علم الوراثة النباتية، في عشرينات القرن الماضي. وعندما كان صغيرًا، لاحظ فافيلوف بنفسه كيف يمكن أن يُفضي تلف المحاصيل إلى وقوع مجاعات مدمرة مباشرةً. وبصفته عالمًا كانت خطة فافيلوف هي تحسين جودة المحاصيل حتى لا تتلف بعد الآن وحتى تنطوي على إمكانية تحقيق إنتاج عائدات أعلى. ولإنجاز ذلك بحث فافيلوف عن مناطق المنشأ الخاصة بالمحاصيل، بحجة أن أعلى تنوع في أنواع المحاصيل سيتحقق عندما يجري تدجين المحاصيل لأول مرة.

Embed from Getty Images

وقد جاب فافيلوف العالم، وجمع في نهاية رحلته 250 ألف عينة من البذور والجذور والفواكه، وبعد ذلك أصبحت هذه العينات أكبر بنك للبذور في العالم. وحدد فافيلوف ثلاثة مراكز منشأ للمحاصيل الغذائية وجعلهم سبعة في نهاية المطاف. وعلى الرغم من أن تحديد المصادر أصبح أكثر تفصيلًا، فإن «مراكز فافيلوف» هذه لم تزل تُشكل الأساس للبحث في مصادر الغذاء. ولم تنتهِ الأمور على خير مع فافيلوف. وأُلقِي القبض عليه في عام 1940 وحُكِم عليه بالإعدام. وخُففت عقوبته إلى السجن 20 عامًا، وتُوفي في السجن عام 1943.

محاصيل أنقذها علماء يتضورون جوعًا

ويختتم الكاتب تقريره بالإشارة إلى أن بنك بذور فافيلوف في مدينة ليننجراد تعرَّض للتهديد بسبب الحصار النازي للمدينة، والذي استمر 28 شهرًا وتسبب في مجاعة طويلة الأمد. وبدلًا عن أكل البذور لسد جوعهم، تناوب العلماء حراسة مجموعة البذور. ونجت المجموعة، لكن تسعة من العلماء ماتوا جوعًا.

وفي الخمسينات من القرن الماضي أُصدِر عفو عن فافيلوف بعد وفاته: وسُرعان ما استعاد مكانة «بطل العلوم السوفيتية». وأصبح بنك بذور فافيلوف حاليًا جزءًا من معهد يحمل اسمه. وتظل الأبحاث التي تُجرى على منشأ المحاصيل الغذائية وثيقة الصلة لأسباب عديدة أكثر من مجرد أنها أسباب تاريخية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد