لعبة الفيديو «ستة أيام في الفلوجة» تستغل المأساة الحقيقية لحرب العراق للترفيه في الغرب.

كتب أحمد تويج، محلل مستقل لشؤون الشرق الأوسط ومستشار للمنظمة العراقية غير الحكومية «سند لبناء السلام»، مقالًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عن لعبة فيديو ستُطرح قريبًا في الأسواق وتتناول معارك الأمريكيين في الفلوجة في عام 2004. ويرى الكاتب أن استغلال مآسي العراقيين في لعبة فيديو للترفيه في الغرب أمر مستهجن من الناحية الأخلاقية، فضلًا عن أنه قد يزيد العداء ضد المسلمين.

واستهل الكاتب مقاله موضحًا أن هناك لعبة فيديو ستُطرح قريبًا يقوم فيها اللاعب بدور القنَّاص وتحمل اسم «ستة أيام في الفلوجة»، وفي هذه اللعبة يمكنك أن تعيش من جديد واحدة من أكثر المعارك دموية، التي خاضها الجيش الأمريكي على الإطلاق. ووفقًا للفيديو الدعائي للعبة، الذي أصدرته شركة «هاي واير جيمز» (Highwire Games)، الشركة المطورة للعبة، وشركة «فيكتشورا» (Victura) الشركة الناشرة للعبة، وبعد أيام قليلة من الذكرى الثامنة عشر للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، يقوم اللاعب بدور جندي تابع لقوات المشاة البحرية الأمريكية، ويجد نفسه يدخل عُنوة ودون دعوة منازل العراقيين الأبرياء في محاولة لتطهير الفلوجة من المسلحين في معركة الفلوجة الثانية.

أمر مستهجن أخلاقيًّا

ويشير الكاتب إلى أن الهجوم على المدينة، المعروف أيضًا باسم عملية فانتوم فيوري (Phantom Fury)، والذي وقع في أواخر عام 2004، بعد عام من خطاب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش آنذاك «المهمة أُنجِزت»، يُعد الآن مثيرًا للجدل في أفضل الأحوال وجريمة حرب في أسوئِها. وأدَّت معركة الفلوجة الثانية إلى مقتل ما يقدر بنحو 800 مدني عراقي، وما يقرب من 100 من أفراد الجيش الأمريكي والبريطاني. وكان الصراع – والحرب بأكملها في الواقع – لحظة مؤلمة للغاية في التاريخ لا تزال تطارد خيالات كثير من العراقيين. ولقد خلَّفت هذه الحرب دولةً، كانت في يوم من الأيام مزدهرةً يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، في حالة من الانهيار الاقتصادي والبنية التحتية المنهارة، وعددًا هائلًا من القتلى المدنيين.

وشدد الكاتب على أن استغلال هذه المآسي التي حدثت في الحياة الواقعية من أجل الترفيه أمر مستهجن أخلاقيًّا، وتقديم فرصة اللعب على اعتبار أن مَنْ يمارسون اللعبة جنود أمريكيين في الفلوجة، وارتكاب جرائم افتراضية لا يؤدي إلا إلى تفاقم الصدمة المستمرة التي يعاني منها العراقيون في جميع أنحاء العالم. ولا ينبغي على الإطلاق نشر هذه اللعبة.

ويمضي الكاتب إلى أنه من المستحيل إعادة سرد قصة الفلوجة دون سياق فظائع المعركة، خاصةً بعد أن اعترف المطورون في بيان صحفي أن «الأحداث التي أُعيد إنتاجها في ستة أيام في الفلوجة لا تنفصل عن السياسة». (لم يأت هذا إلا بعد رد فعل عنيف عقب بيانهم الأوَّلي بأنهم «لا يحاولون تقديم تعليق سياسي»). وعلى الرغم من اعترافهم السطحي بالطبيعة السياسية للعبة، فقد فشل المطورون في فهم تداعيات إعادة إنتاج أحداث الفلوجة للأغراض الترفيهية. واللعبة ببساطة ليست مجرد لعبة.

وأدرك الناشر الأول لِلعبة «ستة أيام في الفلوجة»، وهي شركة «كونامي» اليابانية، العيوب المتأصلة في اللعبة، وأوقفت الإنتاج منذ أكثر من عقد من الزمان بعد انتقادات واسعة النطاق من قدامى المحاربين في حرب العراق والسياسيين ومحبي ألعاب الفيديو. لكن بيتر تامت، العقل المدبر للعبة، لم يتخل عن الفكرة أبدًا. والآن، حوَّل المطورون الجدد، بقيادة تامت، هذه الحقبة من التاريخ إلى محاكاة، بهدف تبييض وجه العدوان العسكري الأمريكي وتحويله إلى أعمال «تضحية وشجاعة». وربما ليس من المستغرب عدم وجود مطورين عراقيين ضمن فريق الإنتاج، وأجرى مطورو اللعبة مقابلات مع 26 مدنيًّا عراقيًّا فقط.

رد الشركة المنتجة للعبة

ولفت الكاتب إلى أنه في غضون أيام من إصدار المقطع الدعائي للعبة، وقَّع أكثر من 16 ألف شخص، معظمهم من العراقيين، على عريضة تطالب بإلغاء اللعبة. وليس من الصعب معرفة سبب شعور العراقيين بالصدمة من اللعبة. وفي المقطع الدعائي، يُظهِر أحد المشاهد المثيرة للغثيان على نحو خاص أن اللاعب يقتحم غرفة مضاءة إضاءة خافتة لتنطلق منها صرخات عائلة عراقية مُسالِمة ترتجف أمام أحد أفراد مشاة البحرية المدجج بالسلاح. وبصفته عراقيًّا بريطانيًّا، يقول الكاتب أنه انتقل بخياله في لمح البصر إلى القصص المروعة لعائلته في تلك البلاد، الذين عاشوا في خوفٍ دائمٍ؛ حيث تعرضت منازلهم لمداهمة الجنود الأمريكيين مرارًا وتكرارًا.

Embed from Getty Images

ولم ينجُ عدد لا حصر له من العراقيين من مثل هذه المداهمات، كما اعترفت قوات مشاة البحرية الأمريكية السابقة. وقال النائب الأمريكي السابق دنكان هنتر، وهو جندي متقاعد من مشاة البحرية الأمريكية وقاتل في معركة الفلوجة الأولى، للمدونة الصوتية زيرو بلوج ثيرتي (Zero Blog Thirty): «كنت ضابط مدفعية وأطلقنا مئات القذائف على الفلوجة وقتلنا على الأرجح مئات المدنيين. وربما قتلنا النساء والأطفال».

وحاول مطورو اللعبة تبرير سبب تركيز مشاهد اللعبة على الأشخاص الذين يرتكبون تلك الفظائع – وهم أفراد من الجيش الأمريكي – لكن تفسيراتهم كانت غير ذات جدوى. يقول تامت، وهو الذي يشغل الآن منصب الرئيس التنفيذي لشركة فيكتشورا: «قلة قليلة للغاية من الناس يعتريهم فضول لمعرفة حقيقة أن يكون شخص ما مدنيًّا عراقيًّا. لن يلعب أحد من هؤلاء هذه اللعبة».

مهمة واحدة

وبحسب الكاتب، أورد البيان الصحفي للعبة أنه يسمح لك، في مهمة واحدة، «أن تقوم بدور أب عراقي أعزل يحاول إخراج عائلته من المدينة». ومع ذلك، فإن ما لم يذكره هذا البيان يتمثل في أن الجيش الأمريكي حاصر عديدًا من هؤلاء الآباء داخل المدينة. وقبل العملية، أُلقيت منشورات على الفلوجة تطلب مغادرة النساء والأطفال فقط. ونتيجةً لذلك، مُنِع الرجال الذين كانوا يحاولون الهروب لأن الجيش، وفقًا لتقرير وكالة «أسوشييتد برس»، «أصدر تعليماته للقوات الأمريكية بإعادة جميع الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و55 عامًا» لأنه «يعتقد أن عديدًا من رجال الفلوجة هم من مقاتلي الجماعات المسلحة».

ويُعد إغفال الأحداث التاريخية، الذي يرمي إلى جعل اللعبة مستساغة لدى الجمهور الغربي، أمرًا ثابتًا وواضحًا في اللعبة. وشابت معركة الفلوجة الثانية العنف المفرط والمآسي. وكانت المعركة مشينة نظرًا لاستِخدام القوات الأمريكية الفوسفور الأبيض فيها، وهو مادة كيميائية تحترق فورًا عند ملامستها للهواء وتحرق اللحم حتى العظام، ولم تعترف القوات الأمريكية بذلك إلا بعد عام من المعركة وبعد أن أنكرت استخدامه مرارًا وتكرارًا. وفي عام 2005، قال ضباط في الجيش الأمريكي إنهم: «دشَّنوا مهامًا باستخدام مواد شديدة الانفجار والفوسفور الأبيض (shake and bake) على المسلحين، مستخدمين (الفوسفور الأبيض) لإخراجهم من مخابئهم».

غير أن تامت قال: «لا أعتقد أننا بحاجة إلى تصوير الفظائع». وحتى يومنا هذا، لا يزال الأطفال الذين نجوا من المعركة يعانون من آثار الأسلحة الحارقة، ووفقًا لمراجعة علمية، يعاني الأطفال الذين وُلدوا في الفلوجة بعد سنوات من الصراع من معدلات عالية من الوفيات والعيوب الخِلقية – بما في ذلك «الولادة برأسين أو من دون رأس أو عين واحدة في جباههم أو أطرافهم مفقودة».

الفوسفور الأبيض جريمة حرب

وألمح الكاتب إلى أن البعض يرون استخدام الفوسفور الأبيض في الفلوجة جريمة حرب، بما في ذلك جماعات حقوق الإنسان العراقية والعائلات العراقية التي حاولت، ممثلةً في شركة «ببليك إنترست لويارز» (Public Interest Lawyers)، التي لم تعد قائمةً الآن، مقاضاة الجيش البريطاني لدوره في المعركة دون جدوى. ودفعوا بأن استخدام الأسلحة الحارقة لاستهداف الأشخاص يتعارض مع بروتوكول 1980، بشأن حظر أو تقييد استخدام الأسلحة الحارقة (البروتوكول الثالث)، وكذلك معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية.

Embed from Getty Images

وسبق أن أدانت واشنطن استخدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين السلاح ضد الأكراد العراقيين ووصفته بأنه «سلاح كيماوي». وبعد توجيه أسئلة متواصلة لم يجد المتحدث باسم «البنتاجون» بُدًّا من الاعتراف بأنه «ليس من المستحيل» أن يكون مدنيين قد قتلوا بالفوسفور الأبيض في الفلوجة.

ويوضح الكاتب أنه على الرغم من وصف استخدام الفوسفور الأبيض خلال الأجزاء الوثائقية من اللعبة، إلا أن هذه الحقائق أُغفِلت في اللعبة نفسها، والتي تحجب الواقع التاريخي لتتناسب مع حدود لعبة يكون فيها اللاعب هو القناص الذي لا يمكنه ببساطة أن يحقق العدالة في قصص العراقيين الذين عانوا.

«زر إيقاف» آلام العراقيين

انتقد جون فيبس، وهو أحد قدامي المحاربين الأمريكيين، وأحد الذين شاركوا في الأحداث التي صورتها اللعبة، لعبة «ستة أيام في الفلوجة»، قائلًا: «جرائم حرب ارتكبها جنود أمريكيون، ومات كثير من المدنيين العراقيين، ممن لم يكن هناك داعٍ لموتهم. وكان من الممكن تجنب موتهم تمامًا ولا معنى لموتهم بالمرة». وتابع فيبس متذكرًا تجاربه: «كانت هذه الحرب غير شرعية من البداية.. وما كان يجب أن نكون هناك أبدًا. كان هناك كثير من الفظائع البشعة التي ارتُكبت، لا سيما في الفلوجة».

وأولئك الذين خاضوا الحرب يعرفون أكثر من غيرهم أن اللعبة غالبًا ما تعكس الواقع. وقبل المعركة، كان بعض الجنود الأمريكيين يلعبون ألعاب الفيديو التي يقومون فيها بدور القناص لإثارة أنفسهم والاستعداد للحرب. وعلى غرار لعبة الفيديو إلى حد كبير، تحوَّل قتل العراقيين بعد ذلك إلى إحراز أهداف عن طريق الجنود أنفسهم، وخاصةً القنَّاصة، الذين يفتخرون بعدد «القتلى المؤكَّد»، مع الاحتفاء بمشاة البحرية باعتبارهم «أبطال القتال» الذين يحققون «عددًا استثنائيًّا من القتل المؤكَّد». بل إن الجيش شجَّع ممارسة استخدام ألعاب الفيديو لتحسين مهاراتهم القتالية. وفي الواقع، كان تامت قد طور سابقًا مثل هذه الأنظمة التدريبية للجيش.

تأجيج العداء للمسلمين

ونوَّه الكاتب إلى أن هذه الثقافة ساعدت في إنشاء أفراد مثل كريس كايل من عناصر «نيفي سيلز» التابع للبحرية الأمريكية، بطل فيلم قناص أمريكي (American Sniper) للمخرج كلينت إيستوود، والذي افتخر بعدد قتلاه في العراق (يقال إن العدد يزيد عن 255). إنها دورة ذاتية الاستمرارية: أدَّى فيلم قناص أمريكي بعد ذلك إلى زيادة التهديدات المعادية للمسلمين في الولايات المتحدة، وغادر عديد من رواد السينما دور السينما وهم يعلنون عن مشاعر مثل، «والآن أريد حقًا قتل بعض المسلمين الملعونين». ويمكن أن يكون للعبة «ستة أيام في الفلوجة» الأثر نفسه.

Embed from Getty Images

وتطمس لعبة «ستة أيام في الفلوجة»، والتي صمِّمت لتقديم محاكاة للصراع، الخط الفاصل بين ما هو افتراضي وما هو حقيقي، خاصةً أن الحرب الحديثة تدار بسهولة، وتشبه الألعاب من خلال برامج الطائرات من دون طيار. ويمكن للطيارين العسكريين الأمريكيين التحكم في الضربات الجوية في الشرق الأوسط من مُدنِهم في الولايات المتحدة، وإلقاء القنابل في جميع أنحاء العالم بسهولة مثل لعبة فيديو دون مشاهدة العواقب.

وعلى الرغم من أن ضربات الطائرات الأمريكية من دون طيار ربما تكون قد فشلت في الفلوجة، إلا أن التكنولوجيا انطلقت خلال رئاسة باراك أوباما، عندما شُنَّت ضربات في باكستان وأفغانستان والعراق من قواعد في نيفادا. وبالطبع، هذا يزيد من تجريد المدنيين من إنسانيتهم. وكما قال أحد مشغلي الطائرات من دون طيار إن: «الأمر يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ لَعِب لعبة فيديو».

تاريخ

منذ شهرين
مترجم: مطالبات بإلغائه.. تعرف على القانون الأمريكي الذي سمح لبوش بغزو العراق

وفي المحصلة النهائية، وبعد السير في شوارع الفلوجة المليئة بالركام عن طريق الرسوم المتحركة، سيتمكن اللاعبون من إطفاء وحدات التحكم الخاصة باللعبة وتقبيل أحبائهم والتعبير عن أمانيهم بليلة سعيدة قبل الزحف إلى عائلاتهم.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: وفيما يخص العراقيين، لا يوجد زر إطفاء لمعاناتهم، ومع استمرار تأثير الحرب في الحياة اليومية للمدنيين، فإنهم يستحقون أفضل من تسطيح صدمتهم في روايات ثنائية الأبعاد للترفيه عن الجمهور الغربي، لأن حياتهم ليست لعبة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد