قال إيشان ثارور في تقرير له على صحيفة «واشنطن بوست» إن إسرائيل لا تعير اهتمامًا للتكلفة السياسية لقتل الفلسطينيين. وأوضح ثارور أن الفلسطينيين شيعوا جثث 18 من أبناء قطاع غزة قتلهم الجنود الإسرائيليون، وقد أصابوا مئات آخرين الجمعة الماضية، في مسيرات يوم العودة. وكان حوالي 30 ألف فلسطيني قد تجمعوا بالقرب من الجدار العازل الذي يفصل قطاع غزة عن إسرائيل، للاحتجاج على الحصار الخانق المفروض عليهم.

كان المتظاهرون غير مسلحين وغير عنيفين، كما يوضح ثارور. فقد تقاطرت العائلات الفلسطينية للتخييم على الحدود الإسرائيلية وهي ترفع الأعلام الفلسطينية. لكن الأمر انتهى نهاية مأساوية. قال فايق صباغ لـ«واشنطن بوست»: «أخذت أحفادي وذهبنا في مظاهرة سلمية»، وأضاف: «ذهبنا لإخبارهم أن هذه أرضنا، لكن ما وجدناه كان مختلفًا».

زعمت السلطات الإسرائيلية أنها فتحت النار ردًّا على المتظاهرين الذين تجمعوا بالقرب من السياج، وأحرقوا إطارات السيارات، وألقوا الحجارة أو زجاجات المولوتوف. لكن البث المباشر للأحداث يكذب الجنود الإسرائيليين ويظهرهم وهم يستهدفون متظاهرين سلميين، بمن فيهم بعض من فروا وأطلق القناصة النار عليهم من مسافة بعيدة.

«راجعين لبلادنا».. الفلسطينيون يقتربون من بلادهم بعد 70 عامًا من الهجرة

أحد الضحايا كان ابن فايق صباغ –يكشف ثارور– الذي قُتل بعد دقائق فقط من وصوله لمشاهدة الاحتجاجات. وقال شقيقه محمد: «لقد طلب سيجارة فأعطيته واحدة، ثم أطلق عليه الرصاص في الرأس».

تمثل هذه الأحداث أسوأ يوم في غزة منذ حرب عام 2014 بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» والجيش الاسرائيلي التي قُتل فيها 1462 مدنيًّا فلسطينيًّا. كما تؤكد وصول الصراع في الشرق الأوسط إلى طريق مسدود، والحصانة الممنوحة لإسرائيل التي تجعلها تقتل الفلسطينيين بدم بارد.

لم تبدِ إسرائيل تعاطفًا أو ندمًا. إذ قال نتنياهو: «إسرائيل تعمل بحزم لحماية سيادتها وأمن مواطنيها». وزعم المسؤولون الإسرائيليون أن الاحتجاج «تمويه» لمتسللي حماس الذين يفترض أنهم شنوا هجومًا عبر الحدود المحصنة. ورفض وزير الدفاع أفيجدور ليبرمان الدعوات الدولية لإجراء تحقيق، وأوضح أن الجنود الإسرائيليين الذين يحرسون السياج «يستحقون الثناء».

وقد تفاخر الجيش الإسرائيلي بسيطرته الكاملة على الوضع في تغريدة على موقع تويتر –يؤكد ثارور– لكنه سرعان ما حذف التغريدة بسبب بث لقطات تظهر الفلسطينيين مذعورين أثناء محاولتهم الفرار.

وتعليقًا على ذلك قال أميت جيلوتز، المتحدث باسم منظمة «بتسيلم» اليسارية ومقرها القدس، والتي ترصد انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة: «هذه هي النتائج المتوقعة لقيادة غير قانونية؛ فقد أطلق الجنود الإسرائيليون الذخيرة الحية على المتظاهرين الفلسطينيين السلميين. ما يمكن التنبؤ به أيضًا هو أنه لن يخضع أحد في إسرائيل للمساءلة».

تجاهل العالم ما جرى في غزة، ولم تتلقَ إسرائيل انتقادات إلا من إيران وتركيا. وفي الأمم المتحدة، استخدمت إدارة ترامب حق النقض الفيتو في مجلس الأمن لعرقلة إصدار بيان يدعو إلى «تحقيق مستقل وشفاف» ويؤكد حق الفلسطينيين في الاحتجاج السلمي.

وقالت وزارة الخارجية إن الولايات المتحدة «حزنت بشدة» من أحداث يوم الجمعة. لكن جيسون جرينبلات، مبعوث الرئيس ترامب للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، قوض تلك الرسالة من خلال أخذ جانب إسرائيل، وإلقاء اللوم على حماس لتنظيمها «مسيرة معادية».

يؤكد ثارور أن أمريكا أحد أسباب الغضب الفلسطيني. فبعد تعهدها بافتتاح سفارتها الجديدة في القدس في 15 مايو (أيار) المقبل –وهو اليوم الذي يتزامن مع يوم النكبة– دعت الفصائل الفلسطينية إلى احتجاجات يومية حتى ذلك اليوم. وأصبح الفلسطينيون يعتقدون أنه لم يعد من الممكن الوثوق بواشنطن بوصفها وسيطًا عادلًا في عملية السلام المتوقفة منذ فترة طويلة.

وليس لدى الفلسطينيين أحد ليطلبوا منه المساعدة. فبعض القوى الرئيسية في المنطقة –مثل مصر والسعودية– اقتربت أكثر من إسرائيل في السنوات الأخيرة. وبينما يبدي أغلب المواطنين في جميع أنحاء العالم العربي تعاطفهم مع الفلسطينيين، فإن محنتهم هي مصدر إزعاج لبعض القادة العرب، الذين هم أكثر حرصًا على قمع الأحزاب الإسلامية في الداخل، أو مواجهة النفوذ الإيراني في الخارج.

الغضب الساطع آتٍ.. هل تنهي «مسيرة العودة الكبرى» التغريبة الفلسطينية؟

ويرى ثارور أن أحداث الجمعة هي حلقة أخرى في الصراع بين حماس والسلطة الفلسطينية. فقد تعثرت محاولات المصالحة بين الفصيلين، وازداد الطرفان ضعفًا. فقد تخلى المجتمع الدولي عن عباس، في حين أن حماس محاصرة من قبل كل من إسرائيل ومصر، وجفت مصادر تمويلها الخارجي.

وقد تسبب الحصار والقيود المستمرة المفروضة على غزة في جعل الظروف أكثر صعوبة على الفلسطينيين الذين يعيشون هناك. قال أحد المتظاهرين البالغ من العمر 22 عامًا: «أريد أن أصاب بالرصاص. فما عدتُ أرغب في الحياة».

وقد يكون رد إسرائيل العنيف في مصلحة حماس، وإشارة تحذيرية لمزيد من إراقة الدماء في المستقبل. كتب المعلق حسين إيبيش في صحيفة ناشونال ومقرها أبوظبي: «إذا لم يحدث تصعيد كبير للعنف -خاصة مع القادة الفلسطينيين اليائسين الذين يلعبون بالنار، وإسرائيل التي تلجأ على الفور إلى القوة المفرطة ضد المتظاهرين العزل- ستكون معجزة سياسية». واستطرد: «لكن الأرض المقدسة نادرًا ما تقدم مثل هذه المعجزات».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد