سلط الصحافيان مارك سانتورا وجوانا بيرندت، الضوء على حالة الانقسام في دولة بولندا بشأن فوز الكاتبة «أولجا توكارتشوك» بجائزة نوبل للآداب لعام 2019؛ حيث اعتبرها البعض خائنة، مقابل احتفاء آخرين بفوزها.

ويقول الكاتبان في مستهل تقرير لهما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية: «عادة ما يكون الفوز بجائزة نوبل في الآداب سببًا للاحتفال، ومصدر فخر، ومبررًا لبعض التباهي الوطني في موطن الفائز. لكن في بولندا- حيث تخوض الأمة معركة مريرة حول معنى أن تكون بولنديًا- أثارت الجائزة جدلًا».

وتابعا:«عندما فازت أولجا توكارتشوك البولندية بالجائزة يوم الخميس الماضي، كانت ردود الفعل منقسمة مثلما الحال في البلد نفسه. بالنسبة للبعض، فهي كاتبة بليغة تجسد تاريخ بولندا المأساوي والملهم في القرن العشرين، لكنها بالنسبة لآخرين خائنة».

وثقت أولجا تاريخ بولندا الطويل من التعددية والتمازج العرقي بينما صورّت حكومتها المهاجرين بمثابة خطر مميت على الأمة. كما شجبت الهجمات على المثليين وأنصار العولمة، حتى بينما يسعى قادة حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا لإقناع الناخبين بأن «وباء قوس قزح» المدعوم من الزعماء الغربيين الفاسدين يمثل تهديدًا وجوديًا للأسرة والأمة نفسها على السواء.

وأشار الكاتبان إلى أنه مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في بولندا المقرر إجراؤها يوم غد الأحد، ربما لم يكن مفاجئًا أن تتطرق الفصائل البولندية المتنافسة إلى إعلان الجائزة لتعزيز جانبها.

توجه رافال زيمكيتش، الصحافي اليميني، إلى تويتر لينتقد أولجا وغيرها من الفنانين بشدة، بما في ذلك المخرج الحائز على جائزة الأوسكار باول باوليكوفسكي قائلًا: «مع كل الاحترام الواجب، فإنهم مدينون بجوائزهم لحقيقة أن صالونات اليسار الغربي تريد دعم العملاء البولنديين في الحرب ضد النظام القومي. وحسنًا، خذوها، ولكن لا تبصقوا على بولندا».

أولئك الذين يعارضون حكومة بولندا ومحاولاتها لتشكيل المشهد الثقافي بعقيدة قومية يأملون في استغلال هذه الفرصة ليُظهروا للعالم أن بولندا لن تُعرَف بحكومتها.

Embed from Getty Images

وأشار دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي والمعارض للحكومة البولندية الحالية، في تغريدة على موقع تويتر أنه قرأ كتب أولجا «من البداية إلى النهاية». وكتب على تويتر: «يا لها من فرحة وفخر!. سأفتخر بذلك في بروكسل باعتباري بولنديًا وقارئًا مخلصًا».

وصرحت أولجا بأنها تود تكريس جائزتها للبولنديين. وقالت للصحفيين في مؤتمر صحفي في بيليفيلد بألمانيا: «نحن على بعد بضعة أيام من الانتخابات، وهي انتخابات هامة للغاية، يمكنها تغيير مستقبل هذا البلد. وأود أن أقول لأصدقائي في بولندا: دعونا نتخذ خيارات موفّقة، ونصوت من أجل الديمقراطية.»

وأضاف الكاتبان: «أصبحت السيدة أولجا سادس فائز في بولندا بجائزة نوبل في الأدب والمرأة الخامسة عشرة التي حصلت على هذا التمييز منذ عام 1901. واشتهرت بأعمالها: «Primeval and Other Times» و «The Book of Jacob» و «Drive your Plough Over the Bones of the Dead» و «Flight»، وهي الرواية التي حصلت على جائزة مان بوكر الدولية للترجمة الخيالية في عام 2018.»

وفي عام 2014، أُجبر ناشر أولجا البولندي على توظيف حراس شخصيين لها بعد أن قالت إن بولندا ارتكبت «أفعالاً مروعة». وألمح الكاتبان إلى أنها وُصفت بأنها «targowiczanin» (وهو مصطلح قديم يطلق على الخائن) وشوه القوميون اليمينيون سمعتها.

وهذا الأسبوع فقط، بدا وزير الثقافة البولندي، بيوتر جلينسكي، غير مبالٍ عندما سُئل عن كتاباتها؛ حيث قال في مقابلة عُرضت على قناة «تي في إن 24» يوم الاثنين: «لقد حاولت قراءة البعض، لكنني لم أنتهِ من ذلك قط».

لكن يوم الخميس، هنأ السيد جلينسكي أولجا في تغريدة على تويتر قائلا: «إنه دليل على أن الثقافة البولندية تحظى بالتقدير في جميع أنحاء العالم». وبحسب الكاتبين، فإن استجابة بولندا لحصول أولجا على الجائزة تعتبر مثالًا آخر على مدى انقسام البلاد.

يروج الحزب الحاكم لنوع من القومية يتطلب إصدارًا منسقًا بعناية من التاريخ البولندي، ويساوي منتقدي بولندا بمنعدمي الوطنية. كما قاد الحزب الحكومة إلى إصدار تشريع كان من شأنه أن يتهم الأمة البولندية بالتواطؤ في المحرقة النازية (الهولوكوست). وبعد رد الفعل الدولي العنيف، خُفف القانون.

Embed from Getty Images

لكن الحكومة لا تزال تشن حربًا ضد زعماء بعض أهم المؤسسات الثقافية في البلاد، بما في ذلك متحف بولين، حيث تعمل على إطاحة المدير الحالي داريوس ستولا، الذي يُنظر إليه على أنه عدو سياسي. وتقول الحكومة إنه استخدم المتحف منصةً لتنظيم أحداث المعارضة. 

لا يوافق ستولا على تلك الادعاءات قائلاً إنه مستهدف لأنه «غير مخلص» للحزب.

وأوضح الكاتبان: «حتى قبل أن يبدأ حزب القانون والعدالة في محاولة لإعادة تشكيل المشهد الثقافي، كانت أولجا تحذر من رغبة بعض السياسيين في محو اللحظات الأكثر قتامة في التاريخ البولندي».

وقالت في مقابلة مع التلفزيون الحكومي في عام 2015: «اختلقنا تاريخ بولندا بوصفها دولة متسامحة ومنفتحة، ولم تشوبها أية أعمال وحشية ارتُكبت ضد الأقليات. ولكن أعتقد أنه سيتعين علينا أن نواجه حقيقة تاريخنا ومحاولة إعادة كتابته بتعديلات بسيطة، دون إخفاء كل الأشياء الرهيبة التي فعلناها باعتبارنا مستعمرين، وأغلبية قومية قمعت الأقليات، ومالكين للرقيق وقتلة لليهود». عندما كانت أولجا تستلم إحدى الجوائز عن أعمالها في مدينة فالبرزيخ في عام 2016، غادر مسؤولو حزب القانون والعدالة الغرفة بتباهٍ.

وفي الأسبوع الماضي، عندما كُرمت أولجا، في جنوب شرق بولندا – حيث تعيش – اعترض السياسيون المحليون في القانون والعدالة. وقالت كريستينا شليوينسكا، وهي عضوة بمجلس القانون والعدالة في مدينة كلودزكو: الكاتبة «تشوه البولنديين» وهي تكذب بشأن تاريخهم ويجب ألا تحصل على هذه التميُّز.

وقالت في اجتماع عقده المجلس: «من الذي اخترع تاريخ بولندا الذي تشككين فيه؟ ما هي هذه الحقائق الخاطئة؟. تتحدث السيدة توكارتشوك نيابة عن جميع البولنديين قائلة «نحن»، لكن أي حق تمتلكه لتعمم هكذا؟. هذه الرسالة الخاطئة تُترجم إلى لغات أجنبية وتخرج إلى العالم وتتبعها الجوائز».

واختتم الصحافيان تقريرهما بما قالته أولجا في الاحتفال ردًا على كريستينا: «أحاول القيام بعملي وأن أكون شخصًا محترمًا، والشخص اللائق لديه الشجاعة لمواجهة ما لا يكون بالضرورة لطيفًا، ربما يكون مظلمًا ومزعجًا. إذا رفضنا نزع خوذاتنا ومواجهته، فسنواجه تحديات تتعلق بأمانتنا الفكرية، وأيضًا بأخلاقنا تجاه الآخرين».

«نوبل» لا تذهب دائمًا لمن يستحقها.. هؤلاء لم يكونوا يستحقون الحصول عليها

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد