بدأ توماس فريدمان حياته المهنية في بيروت لعام 1979 كمراسل أجنبي. ورغم عدم إدراكه ذلك حينها، فقد اتضح له أن العام 1979 عام محوري للإعلام الأجنبي، لا سيما للشرق الأوسط؛ فهو يحمل في طياته أكثر السياسات أهمية والتي لا تزال تشكل المنطقة حتى اليوم. لقد مر 36 عامًا منذ العام 1979، ولا يزال السؤال الأبرز حول الاتفاقية النووية مع إيران، التي جرى إبرامها هذا الشهر، هو هل ستضع الاتفاقية نهاية للمنحى الذي اتخذه التاريخ منذ 1979 وتضع المنطقة على مسار جديد، أم أنها ستحفز من الأوضاع التي سادت في العام 1979 بشكل قد يسبب الاضطراب في العالم بأسره؟

لكن، ما الذي حدث في العام 1979؟ بادئ ذي بدء، جرى السيطرة على المسجد الحرام في مكة من قبل متشددين إسلاميين، الذين تحدوا المكانة الدينية للعائلة الحاكمة في السعودية، متهمين إياهم بالكفر. رد آل سعود على ذلك بعقد صفقة مع المحافظين تقضي بعدم تحدي حكم آلا سعود في مقابل منح مساحة أرحب لهم في وضع القيم الاجتماعية، وضبط العلاقة بين الجنسين، ووضع مناهج التعليم الديني داخل السعودية، وتوفير موارد هائلة لنشر نسخة الإسلام المعادية للشيعة والمتزمتة مع المرأة، ومكافحة المذاهب المناهضة للوهابية في المساجد والمدارس حول العالم.

تزامن هذا التراجع السعودي مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والتي جلبت آية الله الخميني إلى السلطة. دشنت تلك الثورة منافسة عالمية بين إيران الشيعية والسعودية السنية حول قيادة العالم الإسلامي، وأدى ذلك أيضًا إلى زيادة كبيرة في أسعار النفط الذي وفر لكلا النظامين المزيد من المال أكثر من أي وقت مضى بما ساعدهم في تصدير المعتقدات الشيعية والسنية الأصولية. هذا هو السبب الذي دعا العالم المصري مأمون فندي إلى القول: “لقد فقد الإسلام السيطرة على المكابح عام 1979.”

مما زاد المنافسة، الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979؛ وهو الغزو الذي ولدت على إثره الحركة الجهادية السنية وتنظيم القاعدة في نهاية المطاف؛ والحادث النووي في ثري مايل آيلاند، الذي وقع أيضًا في عام 1979، والذي أنهى وجود محطات طاقة نووية جديدة في أمريكا، مما جعلنا أكثر اعتمادًا على الوقود الأحفوري. وبطبيعة الحال، أدت الثورة الإسلامية في إيران أيضًا إلى انقطاع في العلاقات مع الولايات المتحدة، وتحولت إيران من حليف ضمني لإسرائيل إلى الدولة ترغب “بالموت لاسرائيل”.

لذلك، يمثل الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران تغييرًا كبيرًا – ولكن لأنه سوف يؤدي إلى إنهاء العقوبات الاقتصادية على إيران، فقد يعيد التوترات التي ضربت العالم عام 1979 بسهولة في نهاية الأمر. يعتمد هذا على الكثير من العوامل: هل ستعزز الصفقة النووية من موقف الأغلبية البراغماتية الأكثر اعتدالًا داخل إيران بدلًا من الحرس الثوري المتشدد؟ إن ما يدعو إلى القلق هو أن المعتدلين لا يسيطرون على برنامج إيران النووي أو المجمع العسكري/الاستخباراتي، وإنما الأقلية المتشددة هي التي تسيطر عليها. أما ما يدعو إلى التفاؤل والأمل هو طموح الأغلبية لإعادة إدماج إيران مع العالم الذي أجبر المتشددين على قبول هذه الصفقة على مضض.

هناك أيضًا الكثير من الأمور التي ستعتمد على تعديل السعودية الاتجاه المناهض للحداثة الذي فرضته على الإسلام السني. يوم الثلاثاء، أصدر معهد الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط ترجمة لمقابلة تلفزيونية مع الكاتب السعودي تركي الحمد عن الخطاب المتطرف السائد في المملكة العربية السعودية. وقد تساءل الحمد “من الذي يخدم كوقود لداعش؟ شبابنا. ما الذي يدفع شبابنا للانضمام إلى داعش؟ الثقافة السائدة، وهي الثقافة التي تغرس في أذهان الناس. إن شبابنا هم الذين ينفذون التفجيرات. يمكنك أن ترى في أشرطة داعش المتطوعين في سوريا وهم يمزقون جوازات سفرهم السعودية”.

لهذا السبب ثمة عامل آخر سيحدد ما إذا كان عام 2015 هو عام القطيعة مع عام 1979 أو أن ثورة الطاقة في أمريكا ستكون بمثابة مضاعف له. وما إذا كان سيبقي على هبوط أسعار النفط. ليبقى سعر النفط عند حاجز 25 دولارًا للبرميل لمدة خمس سنوات ونشهد تعزيزًا لنفوذ الإصلاحيين في إيران والمملكة العربية السعودية؛ فكلا الدولتين ستنشغلان بإرضاء شعبيهما حينها.

ولكن في حين أن انخفاض أسعار النفط ضروري، فإنه ليس كافيًا. فكلا النظامين يتعين عليهما أيضًا التوقف عن البحث عن الكرامة والشرعية في مواجهة الآخر -وإسرائيل- والعثور على الكرامة والشرعية، بدلًا من ذلك، في رفعة شعبيهما. إن محاولة السعودية تقويض النفوذ الإيراني من اليمن يعد ضربًا من الجنون. فالسعوديون يقصفون أنقاضًا ويحيلونها إلى أنقاض. هل ستنفق إيران عائداتها الاضافية من هذا الاتفاق النووي في محاولة للسيطرة على العالم العربي؟ ربما. ولكن العراق وسوريا وليبيا واليمن اليوم هي بمثابة موقع مثالي لتنظيف الأموال السامة الطائلة. هل تريد إيران امتلاك ذلك؟ سوف تستنزف المزيد من قوتها بدلًا من تعزيزها.

في 9 يوليو الماضي، ذكرت وكالة فرانس برس أن صندوق النقد الدولي يقدر أن السعودية، التي تضاعف عدد سكانها ثلاث مرات منذ عام 1975، ستشهد عجزا في الميزانية هذا العام سيتجاوز 130 مليار دولار، وهو الأكبر في تاريخ المملكة، “ولتوفير النفقات، سحبت الرياض بالفعل 52.3 مليار دولار من الاحتياطيات المالية في الأشهر الخمسة الأولى من العام”. تضاعف عدد سكان إيران منذ عام 1979، و60 في المئة من سكانها هم تحت سن ،30 ولديها 20 في المئة بطالة. وقد حذر عيسى كلانتري، وزير الزراعة الإيراني السابق، في أبريل الماضي من أنه وبسبب تضاؤل ​​الموارد المائية، والاستخدام المفرط، إذا لم تغير إيران جذريًا سياسة استخدام المياه “فإن 50 مليون شخص –ما يوازي 70 في المئة من الإيرانيين- لن يكون لديهم خيار سوى مغادرة البلاد، وذلك حسبما ذكرت المونيتور.

إن القنابل النووية هي بالكاد التهديدات الوحيدة لهذه المنطقة. وإن كلًا من إيران والسعودية في حاجة ماسة لجعل عام 2015 نهاية حقبة العام 1979. سيكون من الخيالي التنبؤ بقدرة كل من البلدين على ذلك، ولكن سيكون من الواقعي تمامًا التنبؤ بالدمار الذي سيلحق بكلا البلدين إذا لم تفعلا ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد