سلط روبي جرامر، محلل سياسات الشرق الأوسط في مجلة «فورين بوليسي»، الضوء على وجود عُصبة سرية فاسدة مكونة من نخب حاكمة وأمراء حرب في جنوب السودان، مدعومة بشبكة فساد دولية معقدة، تضم تجار أسلحة أمريكيين ناشئين، وأباطرة مال بريطانيين، وعمالقة نفط صينيين.

واستعرض الكاتب الأمريكي نتائج تقريرٍ أصدره فريق «ذا سنتري»، وهو فريق من المحققين يتبع منظمة «Enough Project» غير الربحية، الخميس الماضي، يكشف اللثام عن كيف استطاعت النخب القوية وأمراء الحرب التربُّع على رأس السلطة في واحدة من أفقر دول العالم، وتكديس ثروات شخصية هائلة من أموال الدولة العامة ومواردها، بموازاة الأرباح التي تجنيها البنوك الدولية، والشركات، والمستثمرون الأجانب.

يقول التقرير: «كل حالات الفساد أو الجرائم المالية المؤكدة أو المزعومة في جنوب السودان، التي فحصها فريق «ذا سنتري» لديها صلات بشركة دولية، أو بنك متعدد الجنسيات، أو حكومة أجنبية، أو عقارات فاخرة في الخارج.»

واستنادًا إلى مجموعة قيمة من الوثائق والتحليلات المالية الجنائية، ألقى التقرير ضوءًا جديدًا على حجم الفساد في جنوب السودان، وهي دولة غنية بالنفط تعيش في صراع أهلي منذ أكثر من خمس سنوات. كما يقدم صورة مفصلة عن كيفية توسيع الصين نطاق بصمتها السياسية والمالية في أفريقيا، من خلال العمل مع أجهزة الأمن والميليشيات المتهمة على نطاق واسع بتنفيذ الفظائع وجرائم الحرب ضد المدنيين في جنوب السودان.

المغرب يمول بناء عاصمة جنوب السودان.. ما الذي يريده الملك؟

ويضيف الكاتب الأمريكي: «أغرقت سنوات العنف وعدم الاستقرار جنوب السودان في ما يعد أحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم؛ إذ انفصل جنوب السودان أولًا عن السودان، ليصبح أحدث دولة في العالم في عام 2011، بعد عقود من الكفاح وبدعم قوي من الولايات المتحدة من أجل الاستقلال. لكنها انزلقت إلى مستنقع الحرب الأهلية في عام 2013، بعد انقسام رئيس جنوب السودان سالفا كير ونائبه رياك مشار إلى فصيلين متنافسين على السلطة. واتُهمت جميع أطراف الحرب الأهلية – بما في ذلك القوات الحكومية والميليشيات التي عملت كوكلاء لها- بالقتل الجماعي والاغتصاب وارتكاب جرائم حرب أخرى. ولقي حوالي 383 ألف شخص حتفهم نتيجة الحرب، ونزح حوالي مليوني ونصف لاجئ إلى البلدان المجاورة هربًا من العنف».

العصابة التي تختطف جنوب السودان

وفي حين أنها ما تزال واحدة من أفقر دول العالم، فإن النخبة الحاكمة في جنوب السودان وأمراء الحرب المتنافسين تمكنوا من تكديس ثروة هائلة داخل البلاد وخارجها، إذ حُوّلت عشرات الملايين من الدولارات من خلال جهات مصرفية متعددة في معاملات معينة، كما فصّل التقرير.

وقال جي آر مايلي، مدير التحقيقات في فريق «ذا سنتري»، في مقابلة مع «فورين بوليسي»: «إذا كان المسؤولون العسكريون والسياسيون قد اختطفوا هذا البلد (جنوب السودان)، فإن الشركات والبنوك الدولية هي التي قادت سيارة الهروب».

وأوضح الكاتب الأمريكي أن الرئيس كير في مركز شبكة كبرى من الهيئات والشركات الصورية التي تمثل الفساد الواسع في البلاد. وتَتَبَّع فريق «ذا سنتري» أكثر من 12 شركة في 13 دولة مختلفة، بما في ذلك الصين، وكينيا، وأستراليا، كان أفراد أسرة كير إما مساهمين فيها أو مديرين.

على سبيل المثال، أنشأ ثلاثة مستثمرين صينيين في عام 2016 شركة مع ابنة كير البالغة من العمر 19 عامًا؛ للحصول على تصاريح تعدين مربحة في المناطق الغنية بالمعادن في جنوب السودان. وبعد أسابيع من حصولهم على التصاريح، «طرد الجيش الحكومي آلاف الأشخاص من قطعة الأرض التي حصلت الشركة على تصاريح بالعمل فيها» في حملة تميزت بالعنف ضد المدنيين، وفقًا للتقرير. ولم تُعلن حكومة جنوب السودان عن التفاصيل الدقيقة للمعاملات المحيطة بالتصاريح.

واستشهد جرامر بما ذكر في الوثائق المرفقة مع التقرير، والتي تفيد بأن شركة دار بتروليوم، وهي اتحاد شركات تديره في الأساس شركتان نفطيتان مملوكتان لدولتي الصين وماليزيا، «قدمت الدعم المادي» للميليشيات الموالية للحكومة التي اتُهمت باستهداف المدنيين ومواقع الأمم المتحدة في هجمات. وفي إحدى المرات، غطت دار بتروليوم فاتورة فندق بقيمة 686 ألف دولار لوزير النفط بجنوب السودان آنذاك، إزيكيل لول جاتكوث. مشيرًا إلى أن جاتكوث أُقيل في يونيو (حزيران) بسبب مزاعم فساد.

وتابع الكاتب: «عمل رعايا أجانب آخرون على إقامة مشروعات تجارية مربحة مع المسؤولين في حكومة جنوب السودان أو أمراء الحرب. ففي أوائل عام 2018، على سبيل المثال، حاول تاجر الأسلحة الأمريكي آرا دولاريان – الذي يتخذ من كاليفورنيا مقرًّا له- بيع أسلحة تزيد قيمتها عن 43 مليون دولار إلى زعيم جماعة معارضة مسلحة في جنوب السودان، من خلال شركة First Monetary Security Ltd، ومقرها كينيا. لكن مشروع دولاريان أُحبِط عندما ألقت السلطات الأمريكية القبض عليه في مايو (أيار) الماضي، ووجهت إليه تهمة «التوسط بشكل غير قانوني في بيع الأسلحة والذخائر من الدرجة العسكرية، وغسيل الأموال، والتآمر»، وفقًا لوزارة العدل الأمريكية».

وفي عام 2015، أسس رجلان بريطانيان، هما: عبد الكريم آدم عيسى محمد، وداود آدم رائف، شركة نفط مع جنرال بارز من جنوب السودان متهم بتجنيد الأطفال قسرًا. وأشار الكاتب إلى أن عيسى ورائف من المساهمين الرئيسيين في بنك الائتمان الوطني بجنوب السودان، الذي افتُتح في عام 2013 بحضور رئيس صندوق النقد الدولي السابق دومينيك ستراوس مراسم «قص الشريط».

ويقول روجر إنه في جميع الأمثلة التفصيلية التي ذكرها التقرير «واجه واحد فقط من الفاعلين الدوليين المتورطين عواقب وخيمة لتعاونه مع حكومة منخرطة في فساد وعنف كبيرين».

وطالب فريق «ذا سنتري» الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والحكومات الأجنبية الأخرى باتخاذ إجراءات صارمة ضد البنوك والمستثمرين المتهمين بارتكاب أنشطة فاسدة في جنوب السودان، تشمل: تشديد العقوبات على أفراد أسرة المسؤولين والقادة العسكريين في جنوب السودان، ومنعهم من الوصول إلى السلع الفاخرة والعقارات التي يمتلكونها في الخارج، وتعزيز جهود مكافحة غسيل الأموال.

واختتم الكاتب مقاله بمقولة «مايلي» التي توضح الأبعاد الدولية لمشكلة جنوب السودان: «لا يستطيع الكليبتوقراطيون (الحكام اللصوص) التصرف بمفردهم. إنهم في النهاية بحاجة إلى بنك لنقل أموالهم إلى الخارج، وكذلك بحاجة إلى شركاء. لقد وجدنا أن هناك مجموعة واسعة من الجهات الدولية الفاعلة مستعدة تمامًا للقيام بذلك في جنوب السودان».

مترجم: انفصال وحروب أهلية وثروات منهوبة.. هل من أمل لدولة جنوب السودان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات