نظرة عامة على معركة السياسة الخارجية التي تلوح في الأفق أمام جو بايدن، الرئيس الجديد للبيت الأبيض.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية مقالًا لستيفن إم والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، تناول فيه معركة السياسة الخارجية التي تنتظر جو بايدن، الرئيس الأمريكي السادس والأربعين، بعدما وصل إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية بعد فوزه على منافسه دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت مؤخرًا.

استهل الكاتب مقاله بالقول: انطلق إلى الأمام وتنفس الصعداء. باستثناء التدخل القضائي، ربما تكون معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية قد وضعت أوزارها، حتى لو قضى الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب بقية حياته ينتحِب زاعمًا أنه فاز بها بالفعل. والأهم من ذلك ربما يكون ترامب قد خسر رئاسة البيت الأبيض، لكن فكرة الترامبية لم تزل باقية، وهذا يعني أن المعركة من أجل استعادة روح السياسة الخارجية للولايات المتحدة ستظل مستمرة.

دولي

منذ 3 شهور
«ميدل إيست آي»: كيف تنظر كامالا هاريس نائبة بايدن لقضايا الشرق الأوسط؟

بايدن والتحول إلى السياسة الخارجية

وأوضح الكاتب أن جو بايدن – نائب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما – يجد نفسه حاليًا في هذا الموقف الذي لا يُحسد عليه. ومع افتراض احتفاظ الحزب الجمهوري بالسيطرة على مجلس الشيوخ (كما يبدو على الأرجح)، فلن يتمكن بايدن من إقرار تشريعات داخلية مهمة. وبدلًا عن ذلك يُمكنه أن يتحول نحو السياسة الخارجية؛ لأن رؤساء الولايات المتحدة يحظون بقدر أكبر من الحرية في هذا الشأن، والذي كان أحد اهتمامات بايدن الأساسية طيلة مسيرته المهنية. وعلى الرغم من ذلك فقد يتعين على بايدن، حتى في السياسة الخارجية، خوض صراع مع الجمهوريين في مجلس الشيوخ من أجل أن يتمكن من اختيار مجلس وزراء جديد يُولِي الأمن القومي اهتمامًا كبيرًا.

بيد أن هناك ثمة مشكلة أخرى: لا يهتم معظم الأمريكيين بشؤون السياسة الخارجية كثيرًا، وإذا ما وضع بايدن جُل اهتمامه على السياسة الخارجية، فسيُؤدي ذلك إلى أن يتهمه عدد من الأمريكيين بتجاهل الشأن الداخلي وإهماله. وحتى لو حقق بايدن بعض الانتصارات الكبيرة في السياسة الخارجية، فإن هذا لن يزيد من شعبيته أو شعبية الحزب الديمقراطي كثيرًا.

وسيسارع بايدن وأتباعه إلى إصلاح العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، لكن هذا الأمر لن يشعر به معظم الأمريكيين، ولن يجلب لهم العلاقات الأكثر دفئًا مع الحلفاء أي فوائد ملموسة. إن أفضل أمل لبايدن ينبغي عليه التشبث به بقوة هو محاولة تحويل دفة مجلس الشيوخ في عام 2022، بعدما يضم إليه مزيدًا من مقاعد الحزب الجمهوري، ويكون لديه تشريعات حقيقية جاهزة للطرح في عامه الرئاسي الثالث.

Embed from Getty Images

سياسة أمريكا الخارجية: أربع فرق

وفي غضون ذلك سيستمر الجدل الحالي حول دور الولايات المتحدة في العالم. وبمقدورنا أن نُقسِّم أبطال هذه المعركة التي تلوح في الأفق إلى أربع معسكرات رئيسة، تتمايز من خلال إجابتها عن سؤالين أساسيين. أولهما: ما هو الدور المناسب للدولة وخاصة الحكومة الفيدرالية؟ ثانيًا: هل ينبغي على الولايات المتحدة أن تتبنى سياسة خارجية طموحة تسعى إلى تشكيل السياسات في عديد من البلاد، أم ينبغي أن تتصرف بمزيد من الانتقائية والتحفظ؟

فيما يتعلق بالسؤال الأول – يقول الكاتب – يُفضل عدد من الأمريكيين حكومة فيدرالية قوية متخصصة، وتحصل على تمويل جيد، ويمكنها استخدام سلطاتها لتنظيم المجتمع من أجل تحقيق الصالح العام للبلاد. وتُعد وجهة النظر تلك تعبيرًا كلاسيكيًّا عن الليبرالية التقدمية، أو دولة الصفقة الجديدة (الصفقة الجديدة عبارة عن مجموعة من البرامج الاقتصادية التي أُطلِقت في الولايات المتحدة بين عامي 1933 و1936. وتضمنت هذه البرامج مراسيم رئاسية أو قوانين أعدَّها الكونجرس الأمريكي أثناء المدة الرئاسية الأولى للرئيس فرانكلين روزفلت)، وفيه تسعى السلطة الحكومية إلى توفير منافع عامة جماعية، مثل التعليم والبنية التحتية لمعالجة القضايا الاجتماعية الأساسية، مثل عدم المساواة العِرْقية، أو الاقتصادية، لكي تتجنب الأضرار غير الضرورية عن طريق ترتيب الصناعات الأساسية، وترسيخ حب الوطن والوحدة الوطنية.

ويستدرك الكاتب قائلًا: لكن الجزء الآخر من الأمريكيين يعارض البنود الأساسية لهذه الرؤية. ومع وجود استثناءات قليلة (مثل توفير الدفاع المشترك)، يريد هؤلاء إبقاء الحكومة الفيدرالية صغيرة والضرائب منخفضة؛ لأنهم ينظرون إلى الحكومة باعتبارها تهديدًا محتملًا للحرية، ويعتقدون أن تدخلها يؤدي إلى تقويض النمو الاقتصادي ويُقلص من حدود الحريات الفردية. وهم في المقابل يُفضِّلون حقوق الدولة والاستقلال الذاتي للمدارس وتنفيذ القانون، كما أنهم لا يرون، في كثير من الأحيان، ضرورة تدخل الحكومة في القضايا الاجتماعية أو الأخلاقية الحاسمة. وربما يكون هؤلاء وطنيون مثل المجموعة الأولى، إلا أن ما يحبونه في الولايات المتحدة ألا يكون لديها حكومة قوية ومؤثرة.

أما فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة عالميًّا، فإن جزءًا كبيرًا من الأمريكيين يرون أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة يجب أن تكون نشطة وطموحة ومنخرطة في الشؤون العالمية والدولية، وأن تكون ملتزمة ببعض القيم السياسية الأساسية. وهؤلاء يريدون أن تكون الولايات المتحدة رائدة عالميًّا، وإن لم يكن من الضروري أن تكون القيادة الوحيدة. وكما أشرتُ في موضع آخر تُمثل هذه الآراء المعيار التي تلتزم به نخبة السياسة الخارجية.

Embed from Getty Images

وفيما يتعلق بالجزء الأكبر من الأمريكيين، فهؤلاء يعتقدون أن الولايات المتحدة يتعين عليها الالتزام بالدفاع عن حلفائها، والقيام بمهام مكافحة الإرهاب وأنشطة الاستخبارات في عديد من البلدان، والعمل على نشر الديمقراطية وتوفير الأسواق التنافسية وحقوق الإنسان، وتحقيق سيادة القانون في الدول الأخرى. وربما عانى المؤيدون لهذا الرأي إلى حد ما بسبب الانتكاسات الأخيرة، لكنهم لم يتخلوا عن إيمانهم بضرورة قيام الولايات المتحدة بدورها العالمي أو الرغبة في ترسيخ نظام ليبرالي عالمي على المدى البعيد.

وألمح الكاتب إلى أن هناك جزءًا كبيرًا من الأمريكيين لم يعودوا يُؤيدون هذا الرأي بعد الآن، لا سيما إذا كان هذا الرأي يكلف الولايات المتحدة الكثير ولا يُحقق ما يرنو إليه. ولن تجد أيًّا من هذا الفريق يتبنى اللجوء إلى انعزالية حقيقية على غرار حصن أمريكا (لعبة طاولة إستراتيجية)، لكن أعضاءها يعتقدون أن الولايات المتحدة ينبغي عليها أن تكون أكثر انتقائية في التزاماتها الخارجية، وتقلل من تواجدها العسكري على الصعيد العالمي، وتُحِد من الإنفاق على الشؤون الدفاعية وتعتمد على الدبلوماسية على نحو أكبر، إلى جانب سعيها إلى تبني سياسة خارجية أكثر تحفظًا وانضباطًا.

وعندما نمزج بين المجموعتين ينتج لدينا أربع مجموعات أساسية، كما هو موضح في الجدول الآتي:

جدول يوضح تقسيمات الرؤية الأمريكية بشأن السياسة الخارجية وكيف يمكن أن يتعامل بايدن معها

الفريق الأول: التحرريون أو الليبراليون 

يشرح الكاتب الجدول الموضح أعلاه، قائلًا: يقع التحرريون أو الليبراليون في الربع الأول. وهؤلاء شغوفون بالحفاظ على الحريات والاختيارات الفردية، ويُعرف عنهم تشكيكهم في سلطة الحكومة. ويعترف هؤلاء بضرورة وجود الحكومة، لكنهم يحاولون الحد من سلطتها قدر المستطاع. وتُعد كلمات مثل تخفيض الضرائب، وتقليل اللوائح، وعدم تقييد الأسواق والحريات الفردية بمثابة عبارات لا يتوقف أي تحرري عن ترديدها. وربما كشفت جائحة كوفيد-19 عن بعض أوجه القصور الواضحة في هذا المنظور، لكنه لم، ولن يختفي.

ولا يُعد أمرًا مفاجئًا أن يُفضِّل أعضاء هذا الفريق، منذ مدة طويلة، تبني الولايات المتحدة سياسة خارجية معتدلة. وبطبيعة الحال، لا يُمثل الأمريكيون الذين يتاجرون أو يستثمرون في خارج البلاد، بالنسبة لهم أي مشكلة، فهذا مجرد أسواق حرة مفتوحة للجميع للعمل فيها. إلا أنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تتعهد بالتزامات أمنية خارج النصف الغربي من الكرة الأرضية، وبدلًا عن ذلك يتعين عليها الاعتماد على قوتها النووية الرادعة القوية، والمحيطَيْين الأطلسي والهادئ لحماية البلاد من معظم المخاطر التي تهددها.

Embed from Getty Images

ولا يزعج هذا الفريق كثيرًا ظهور الصين على الصعيد العالمي باعتبارها منافسًا محتملًا وندًا للولايات المتحدة، لأنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة يُمكن أن تظل في أمان وازدهار وتتمتع بالحرية في عالمٍ يكون فيه النفوذ الصيني متساويًا مع نفوذها أو مُتخطِّيًا له. لذا يتعين عليها تجنب الدخول في حرب باردة جديدة مع الصين؛ لأنها على الأرجح ستُكلف الولايات المتحدة ثمنًا باهظًا، وستتطلَّب المحافظة على وجود مؤسسة أمنية وطنية كبيرة تُهدد حرية الأفراد في الداخل الأمريكي لا محالة.

الفريق الثاني: التيار الجمهوري السائد

وتابع الكاتب قائلًا: وفي الربع الثاني من الجدول نجد التيار الجمهوري السائد. ويشترك هذا الفريق، من ناحية خطابه، مع التحرريين أو الليبراليين في رفضهم لوجود حكومة فيدرالية قوية (بالرغم من أن بعضهم يستفيد من الحوافز الضريبية وغيرها من أشكال الرفاهية). وتمحورت روح الحزب الجمهوري، منذ رئاسة رونالد ريجان – الذي عُرف عنه عبارته الساخرة أن أكثر تسع كلمات رعبًا في اللغة الإنجليزية كانت «مرحبًا، أنا من الحكومة وأنا هنا من أجل المساعدة» – حول تخفيض الضرائب والاستحقاقات، وإعاقة القدرة التنفيذية لدائرة الإيرادات الداخلية، وتصوير جميع المؤسسات الحكومية فيما عدا مؤسسة الأمن الوطني على أنها تستهلك الأموال دون جدوى إن لم يكن ذلك شرٌ محضٌ.

وسعى الحزب الجمهوري كثيرًا إلى استغلال الانقسامات العِرْقية والقضايا الاجتماعية الساخنة (مثل الإجهاض وزواج المثليين)، على الرغم من أن هذا الأسلوب يُقوض الوحدة الوطنية ويُحِد من قدرة البلاد على أداء دورها بفعالية على الصعيد العالمي. وأعلن هذا الفريق مؤخرًا الحرب على التعليم العالي ودراسة العلوم والأبحاث نفسها، وهو ما لا يُبشر بالخير في إطار حفاظ الولايات المتحدة على تفوقها في المجال التكنولوجي.

ومع ذلك لا يريد التيار الجمهوري السائد في الوقت نفسه أن يتقدم أيٌ من الجيوش الأخرى على الجيش الأمريكي، وبوجه عام، يُفضِّلون استخدام الجيش في الأزمات الخارجية مبكرًا، وفي أغلب الأحيان. وتعبِّر هذه الرؤية عن المحافظين الجدد خلال رئاسة جورج دبليو بوش للعالم، ورؤية كبار أعضاء مجلس الشيوخ، مثل ليندسي جراهام، والراحل جون ماكين، والمرشحين المحتملين للرئاسة مثل السيناتور توم كوتون، ومايك بومبيو، وزير الخارجية الحالي.

Embed from Getty Images

وعلى النقيض من التحرريين، والذين تبدو رؤيتهم للأمور متَّسقة فكريًّا على الأقل، يُجيب التيار الجمهوري السائد على السؤالين الأساسيين (المطروحين سلفًا) بطرق متناقضة تناقضًا كبيرًا. فإذا كنت تؤيد تبني سياسة خارجية طموحة، ومن بين هذه السياسات الطموحة تعزيز التجارة الحرة، فأنت في حاجة إلى دولة قوية تُحْسِن التعامل مع الاضطرابات الاقتصادية التي ستؤدي مثل هذه السياسة إلى عودتها إلى البلاد. كما أنك بحاجة إلى توفير مزايا اجتماعية للحفاظ على صحة السكان وتعليمهم تعليمًا جيدًا، وترسيخ الروح الوطنية الأصلية والوحدة الاجتماعية، وعليك التأكد من أن الجامعات والمختبرات البحثية في البلاد لم تزل الأفضل عالميًّا.

وربما تجذب فكرة الحكومة المتضورة جوعًا الفئات الثرية في الحزب الجمهوري، لكنها تتعارض مع الرغبة في إدارة العالم وما يتبعها من ضرورة شن حروب متكررة. وبالإضافة إلى ذلك، يؤدي السماح بتدهور التعليم، والبنية التحتية، والبحث العلمي، إلى تقويض القوة الاقتصادية طويلة الأمد، إلى جانب أن معالجة قضايا السياسة الخارجية المهمة على أساس أنها فرص يمكن من خلالها تسجيل نقاط سياسية حزبية يُؤدي إلى تلاشي الدعم من الحزبين الديمقراطي والجمهوري اللازم، والذي لا غنى عنه لأي إستراتيجية عالمية طموحة.

الفريق الثالث: التقدميون

ولفت الكاتب إلى أن التقدميين، مثل السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، يحتلون الربع الثالث في الجدول. ويريد هؤلاء التقدميون أن تصبح الدولة قوية، وتحصل على تمويل جيد، وأن تسعى لوضع حد لبعض المشاكل، مثل عدم المساواة الاقتصادية، وتغير المناخ، والظلم العنصري، وإصلاح الشرطة، وحل مشكلة النظام المالي، وما شابه ذلك. وفي المقام الأول ينصب تركيز التقدميين على ما ينبغي أن تؤديه الحكومة في الداخل، وليس على ما قد تفعله حكومة الولايات المتحد في الخارج.

ويرى التقدميون علاوةً على ذلك أن هناك مفاضلة مباشرة بين هذه الأهداف: إذ كلما كانت السياسة الخارجية الأمريكية أكثر طموحًا، يحتاج البنتاجون إلى مزيد من الأموال، ونتيجةً لذلك يتقلص تمويل البرامج المحلية. ويعتقد التقدميون أيضًا أن السياسة الخارجية ذات الطموحات المبالغ فيها تفرض على الولايات المتحدة دعم عديد من الحكومات المكروهة في سائر أنحاء العالم، وهذا الأمر يُعد تقويضًا للقيم الليبرالية الأساسية، ويتسبب في معاناة إنسانية غير ضرورية لشعوب هذه الحكومات، ويؤدي إلى أن تبدو الولايات المتحدة كاذبة ومنافقة.

بالتأكيد هناك ثمة انقسامات مهمة داخل هذا الفريق العريض أيضًا. إذ يريد بعض التقدميين أن تستخدم الولايات المتحدة قوتها لتعزيز حقوق الإنسان حول العالم، في حين أن البعض الآخر منهم يخشى أن هذا الهدف سيعيد الولايات المتحدة إلى منحدر التدخل العسكري الغامض.

ويريد بعض المتحفظين أن تتجنب الولايات المتحدة تغيير النظام، وأن تحمل أوروبا على الدفاع عن نفسها، وتقوم بالمزيد للحفاظ على توازن القوى في آسيا، بينما يعارض التقدميون الآخرون مواجهة الصين خوفًا من اندلاع حرب باردة جديدة. وعلى الرغم من هذه الاختلافات يمتلك الأفراد المنتمون إلى هذا الربع رؤية متسقة للعالم: إذ إنهم جميعًا يُفضلون أداءً أقل إلى حد ما في الخارج حتى تستطيع الدولة أن تُكرس مزيدًا من الوقت، والمال، ورأس المال السياسي لإصلاح الأوضاع في داخل الولايات المتحدة.

الفريق الرابع: الديمقراطيون من الحرس القديم

وأخيرًا يحتل الديمقراطيون من الحرس القديم تقريبًا الربع الرابع من الجدول. وهؤلاء يحترمون سلطة الحكومة وأقنعوا أنفسهم بتغيير موقفهم من توجه سوق الليبرالية الجديدة التي رأيناها خلال رئاسة بيل كلينتون للبلاد. ويشاطرون التقدميين في اعتقادهم بأن الحكومة موجودة لتنظيم المجتمع عن طريق وسائل فعَّالة وإيجابية، لكنهم ما زالوا ملتزمين بنسخة الولايات المتحدة الناشطة من القيادة العالمية والتي كانت هي الأساس بالنسبة لهم بدءًا من عام 1945 حتى عام 2015.

إلى جانب أنهم يستهويهم جميع مؤسسات السياسة الخارجية المعروفة، مثل الناتو والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، وما إلى ذلك، ويرغبون في أن تمتلك الولايات المتحدة زمام المبادرة في تقوية هذه المؤسسات أو إعادة النظر فيها وفي تكوين مؤسسات جديدة على غرار هذه المؤسسات المعروفة لمعالجة قضايا القرن الحادي والعشرين. ويعتقد هؤلاء في قرارة أنفسهم أن دور الولايات المتحدة يتمثل في نشر مبادئ ومُثُل معينة في مجتمعات أخرى. وكما يُكرر بايدن كل يوم تقريبًا، يريد هؤلاء تجسير فجوة هذه الانقسامات وإعادة توحيد البلاد مرةً أخرى وهي وجهة نظر يشاركهم فيها معظم التقدميين.

ويرى الكاتب أن المشكلة ليست في التباين: تحتاج السياسة الخارجية الطموحة إلى دولة قوية ووحدة وطنية بين الشعب. لكن المشكلة أن الدولة القوية والدعم الثابت من الحزبين الجمهوري والديمقراطي ليسا كافيين لانتزاع النجاح في ميدان السياسة الخارجية، لا سيما في حقبة لم تعد فيه الولايات المتحدة قوة أحادية القطب من دون منازع.

Embed from Getty Images

وتُعد هندسة المجتمع أمرًا يصعب تحقيقه في بلد واحد، كما يتبين من مستوى الاستقطاب الحالي في الولايات المتحدة، وهي من المستحيل تحقيقها تقريبًا في المجتمعات التي تختلف كثيرًا عن الولايات المتحدة والتي يصعب على المهندسين الاجتماعيين فهمها جيدًا. وإذا كان الحرس القديم قد اقتصر على بناء المؤسسات المتعددة في بعض المجالات الرئيسة مثل التكنولوجيا أو المناخ، فلن نجد ثمة فرق كبير بينهم وبين التقدميين. لكن إذا لم يستطع بايدن إنجاز أي شيء في الداخل، فهل يستطيع الديمقراطيون من الحرس القديم مقاومة إغراء محاولة القيام بعدد من الأشياء في الخارج؟

بصمات ترامب في السياسة الخارجية

أما فيما يتعلق بترامب والترامبية – بحسب الكاتب – فإنه يفرض نفسه في كل أنحاء خريطة السياسة الخارجية، لذا فمن الصعب تنحيته جانبًا. وكان ترامب يتحدث أحيانًا وكأنه من الليبراليين (بمعنى أنه لا يحب الضرائب أو اللوائح، ويعارض الرعاية الصحية الممولة من الحكومة ويحتقر سيادة القانون ويبغض ما يسمى بالدولة العميقة). وفي أحيانٍ أخرى بدا وكأنه من التقدميين، مثل ساندرز، حينما قال إنه يُعارض الحروب الغبية، ويسعى لحماية العمال الأمريكيين من المنافسة الأجنبية.

ولكن بمجرد النظر إلى ما يخبئه وراء موقفه، يتبين أنه كان يحكم البلاد مثل التيار الجمهوري السائد، ويُفضل ميزانيات الدفاع الهائلة، ويطالب بألا تخضع السلطة التنفيذية للرقابة، ويستخدم ضربات الطائرات المُسيَّرة في عمليات القتل والاغتيالات الموجهة، فضلًا عن تكتيكات السياسة الخارجية الأخرى المعروفة، وتأجيجه للعنصرية والانقسامات الاجتماعية على نحو متكرر.

 بل إن ترامب عندما فرض تعريفاته الجمركية كان لذلك أصل في الحزب الجمهوري: إذ استخدمها الرئيسان السابقان ريتشارد نيكسون، وجورج دبليو بوش أيضًا. إن هذا النمط يساعد في توضيح سبب التزام الحزب الجمهوري بسلوكه المدمر؛ ونخلص في نهاية المطاف إلى أن ترامب كان مجرد تعبير أكثر فظاظة وشفافية عن هوية الحزب الجمهوري الحديثة. وحتى إذا قرر ترامب عدم الترشح مرةً أخرى في عام 2024، سيصبح المتنافسون المحتملون (مثل بومبيو، وكوتون، ونائب الرئيس مايك بنس، والسيناتور ماركو روبيو، وسفيرة الأمم المتحدة السابقة نيكي هالي وغيرهم) متحمسين للفوز بمباركة ترامب. ومن أجل هذا وحده يصعب العثور على أي شخص منتم إلى الحزب الجمهوري يجرؤ على الابتعاد عن الطراز الحالي للحزب الجمهوري.

ما مصير السياسة الخارجية في ولاية بايدن الأولى؟

ويطرح الكاتب في ختام مقاله سؤالًا مُلِحًا، ما الذي نتوقعه للسنوات الأربعة القادمة من مدة رئاسة بايدن؟ صحيحٌ أن السياسة الخارجية مليئة بالمفاجآت، لكنني أراهن أن بايدن سيتبنى سياسة خارجية أقرب إلى النسخة التقدمية والمتمثلة في التحفظ وضبط النفس. ولا تميل الولايات المتحدة حاليًا إلى خوض حروب جديدة، لا سيما في ظل قائمة المهام الكبيرة التي ينبغي على الإدارة الأمريكية الجديدة إنجازها في الداخل. ومن بين هذه القائمة على سبيل المثال، مواجهة كوفيد-19 والانتعاش الاقتصادي وحركة «حياة السود مهمة» والإصلاح الانتخابي وغيرها.

وفي ظل انشغال بايدن الشديد وزحام الأزمات التي يواجهها، سيعارض الجناح التقدمي داخل حزبه الديمقراطي أي إشارة تدل على هيمنة الليبرالية على الطراز القديم، ولن يحصل كذلك على ذرة تعاون من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل والحزب الجمهوري عمومًا. وللأسف، سيُؤدي هذا الوضع إلى صعوبة، أو ربما استحالة، توصُّل الولايات المتحدة إلى اتفاقيات فعَّالة تشتد الحاجة إليها بشأن المناخ، أو الحوكمة الرقمية، أو الصحة العالمية، أو إصلاح التجارة. وفي العادة أخشى من ادِّعاء أن القيام بشيء ما أفضل من عدم فعل شيء على الإطلاق، لكن العجز لا يُعد تقدمًا للأمام كذلك، ولسوء الحظ، هذا ما أفرزته لنا الانتخابات الأمريكية.

دولي

منذ 3 أسابيع
«الجارديان»: بايدن فاز بالرئاسة.. ما الخيارات القانونية أمام ترامب الآن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد