نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي مقالًا أعدَّه الأكاديميان جيفري كوتشيك، أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة أريزونا، ودون ليونارد، أستاذة ممارسة في التخطيط الحضري والإقليمي، بجامعة أوهايو، يستعرضان فيه ما آلت إليه أوضاع العمال الأمريكيين الكادحين، ومصير الحلم الأمريكي الذي بشَّر به الكاتب جيمس تروسلو آدامز في ثلاثينات القرن الماضي.

دولي

منذ شهر
«واشنطن بوست»: كيف تهدد الأقمار الصناعية التجارية نفوذ الاستخبارات الأمريكية؟

يتوقع الكاتبان في مستهل مقالهما أن تحتفل إدارة بايدن بتقرير الوظائف الذي جاء أفضل مما كان متوقعًا، والذي أظهر ارتفاعًا في التوظيف والأجور. ومع ذلك – وفيما يخص ملايين الأمريكيين العاملين – لا يضمن التوظيف دخلًا يوفر معيشة كريمة.

ويعتقد الكاتبان – انطلاقًا من كونهما باحثين مهتمين برفاه العمال – أن الاقتصاد يسير بخطىً أفضل عندما لا يضطر الناس إلى الاختيار بين دفع الإيجار، أو شراء الطعام، أو الحصول على الدواء. ومع ذلك، هذا بالضبط ما يضطر لفعله كثير من الأمريكيين.

الحلم الأمريكي وحد الكفاف

يوضح الكاتبان أن تحديد عدد العمال الذين يكافحون لتغطية نفقاتهم الأساسية مهمة معقدة. ويمكن أن تختلف ميزانية توفير حد الكفاف للعامل اختلافًا كبيرًا استنادًا إلى المكان الذي يعيش فيه الشخص، وعدد الأشخاص في الأسرة الواحدة.

على سبيل المثال تُعد تكلفة المعيشة في مدينة روتشستر بولاية نيويورك الأقرب للمتوسط الوطني لـ509 منطقة حضرية في الولايات المتحدة، وفقًا لمؤشر تكلفة المعيشة في المدينة الذي أعدَّته شركة الأبحاث «أدفايزور سميث».

وتبين حاسبة الأجور المعيشية لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الشخص البالغ الذي يعيش في مدينة روتشستر يحتاج إلى ما لا يقل عن 30 ألف دولار أمريكي سنويًّا لتغطية تكاليف السكن، والطعام، والنقل، والاحتياجات الأساسية الأخرى.

جدول يوضح أجور ثلاث أسر في مدينة روتشستر بولاية نيويورك

يحتاج الشخص الذي يعيش بمفرده في مدينة روتشستر بولاية نيويورك إلى ما يقل قليلًا عن 30 ألف دولار أمريكي لدفع تكاليف الاحتياجات الأساسية، مثل الإيجار والطعام والأدوية. وهذا هو المعدل الوطني نفسه تقريبًا في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ولكن يمكن أن يختلف اختلافًا كبيرًا اعتمادًا على حجم الأسرة. فيما يلي تفصيل تكلفة تلك الاحتياجات لثلاث أسر.

مصدر البيانات: موقع ذا كونفرزيشن نقلًا عن حاسبة الأجور المعيشية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

لكن في مدينة سان فرانسيسكو، التي تشير بيانات شركة «أدفايزور سميث» إلى أنها المدينة الأمريكية ذات أعلى تكلفة معيشية، تبلغ تكلفة الاحتياجات الأساسية فقط 47 ألفًا و587 دولارًا أمريكيًّا، ويرجع ذلك أساسًا إلى الارتفاع الكبير في الضرائب والإيجارات.

أما المدينة ذات أقل تكلفة معيشية فهي بيكلي بولاية فيرجينيا الغربية. ولكن حتى في تلك المدينة لا يزال العامل الذي ليس لديه أطفال بحاجة إلى كسب حوالي 28 ألفًا و200 دولار لتغطية نفقاته الأساسية. ومرةً أخرى يبلغ متوسط ​​تكلفة المعيشة في المدينة الأمريكية حوالي 30 ألف دولار سنويًّا للفرد الواحد.

وبالطبع تتزايد التكاليف على كاهل الأسر التي تضم أكثر من شخص واحد؛ إذ يحتاج شخصان بالغان في مدينة روتشستر إلى أكثر من 48 ألف دولار في السنة، بينما يحتاج الوالد الذي يعيش بمفرده ولديه طفل واحد إلى أكثر من 63 ألف دولار. وفي سان فرانسيسكو سيحتاج الوالد الذي يعيش بمفرده إلى كسب 101 ألف دولار في السنة لمجرد تدبير الاحتياجات الأساسية.

Embed from Getty Images

وهذا ما يتطلبه توفير حد الكفاف في أمريكا اليوم، حوالي 30 ألف دولار سنويًّا لشخص واحد من دون معالين في المدينة المتوسطة، تقل قليلًا في بعض المدن، وتزيد عن ذلك كثيرًا للعائلات، وكل مَنْ يعيش في مدينة كبيرة، مثل سان فرانسيسكو أو نيويورك.

أجور منخفضة

ولكن – وحسب ما يُقدِّر الكاتبان، فإن ما لا يقل عن 27 مليون عامل في الولايات المتحدة لا يكسبون ما يكفي لبلوغ تلك العتبة المنخفضة للغاية التي تبلغ 30 ألف دولار – استنادًا إلى أحدث بيانات أجور المهن من مكتب إحصاءات العمل، وكالة حكومية، من مايو (آيار) 2020، ويعتقد الكاتبان أن هذا تقدير متحفظ، وأن عدد من لديهم وظائف ويكسبون أقل مما هو ضروري لتحمل ضرورات الحياة أعلى بكثير على الأرجح.

وتشمل المهن المنخفضة الدخل مجموعة واسعة من الوظائف، تمتد من سائقي الحافلات ومرورًا بعمال التنظيف ووصولًا إلى المساعدين الإداريين. ولكن أغلب هؤلاء الذين يبلغ عددهم 27 مليون عامل يتركزون في صناعتين، هما تجارة التجزئة والترفيه والضيافة. وهاتان الصناعتان من بين أكبر أرباب العمل في أمريكا، وتدفعان أدنى متوسط للأجور.

على سبيل المثال بلغ متوسط ​​الراتب لأمناء الصندوق 28 ألفًا و850 دولارًا في أوائل عام 2020، مع الوضع في الاعتبار أن 2.5 مليون من مجموع أمناء الصندوق في البلاد الذين يقدر عددهم بـ5 ملايين يكسبون أقل من ذلك. وكذلك يمكن النظر إلى من يعملون في تجارة التجزئة، إذ إن هناك 75% من العمال، حوالي 1.8 مليون، يكسبون أقل من 27 ألفًا و80 دولار في السنة.

Embed from Getty Images

وتنطبق القصة ذاتها على الترفيه والضيافة، الصناعة التي نالها النصيب الأكبر من الضرر جراء جائحة كوفيد-19، ذلك أن الجائحة أفقدتها 6 ملايين وظيفة في أبريل (نيسان) 2020 مع إغلاق قطاعات كثيرة من الاقتصاد الأمريكي. وفي ذلك الوقت كان ما يقرب من مليون نادل ونادلة يجنون أقل من متوسط الدخل البالغ 23 ألفًا و740 دولارًا.

وبطبيعة الحال، عادت الملايين من هذه الوظائف، وارتفعت الأجور هذا العام، وإن كانت لا تواكب ارتفاع التضخم. لكن هذا لا يُغير من المعادلة الأساسية التي تقول إن ما يقرب من واحد من كل ستة عمال يكسبون أقل مما هو ضروري لبلوغ حد الكفاف لشخص بالغ ليس لديه أطفال. ولهذا السبب فمن غير المستغرب أن يذكر 40% من الأسر في الولايات المتحدة في عام 2018 أنها لم تتمكن من تحمل النفقات الطارئة التي تبلغ 400 دولار.

خط الفقر

ويرى الكاتبان أن هذه الأرقام يجب أن تدفع صانعي السياسات في الولايات المتحدة إلى إعادة تحديد من يُعدّون من «الفقراء العاملين». وقدَّر تقرير مكتب إحصاءات العمل لعام 2021 أن حوالي 6.3 مليون عامل كانوا يكسبون أقل من معدل الفقر في عام 2019.

تعريف الفقراء العاملين

يشير تعريف الحكومة للفقراء العاملين إلى خط الفقر الفيدرالي. لكن حاسبة الأجور من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تشير إلى أن الأسرة تحتاج إلى كسب ضعف أو ثلاثة أضعاف ذلك لتحمل الضروريات الأساسية. والبيانات الواردة أدناه خاصة بأحجام الأسر المختلفة في مدينة روتشستر بولاية نيويورك، وهي عبارة عن المتوسط الوطني لتكلفة المعيشة. وتعتمد الدخول السنوية على متوسط الأجور و20.80 ساعة عمل سنويًّا.

  • اللون الأزرق للأجر المعيشي بالدولار سنويًا.
  • اللون الأحمر لخط الفقر.

يعتمد أجر الفقر على خط الفقر الفيدرالي.

لكن هذا الوضع يقلل كثيرًا من نطاق الفقراء العاملين؛ لأن خط الفقر الفيدرالي منخفض انخفاضًا غير واقعي؛ إذ يبلغ 12 دولارًا و880 فقط للفرد. وقد وُضِع خط الفقر الرسمي لتحديد الأهلية للحصول على الرعاية الصحية وغيرها من الاستحقاقات الحكومية التي تدعم ذوي الدخول المنخفضة، وليس للإشارة إلى مقدار ما يحتاجه الشخص فعليًّا.

ولفت كاتبا المقال إلى أن الكاتب جيمس تروسلو آدامز صاغ عبارة «الحلم الأمريكي» في عام 1931 لوصف المجتمع الذي كان يأمل أن يتمكن فيه أي شخص من بلوغ «أقصى مكانة يستطيع تحقيقها بالقدرة الفطرية». وكان ذلك يعتمد على الحصول على وظيفة جيدة تُدِر أجرًا يضمن حياة كريمة.

لكن ولسوء الحظ تظل الحياة «الأفضل والأكمل والأكثر ثراءً» التي كتب عنها آدامز حُلمًا بعيد المنال لعدد من الملايين من الأمريكيين الكادحين، حسب ما يختم الكاتبان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد