بعد ضجة عالمية صاحبت حرائق غابات الأمازون الأخيرة، نشرت مجلة «فوربس» مقالًا تشير فيه إلى انخفاض نسبة الحرائق عالميًّا، وتدحض بعض المعلومات الخاطئة – بحسب وصف المقال- التي ذكرتها كبرى وسائل الإعلام مثل «نيويورك تايمز»، و«سي إن إن».

يُذكر أن مجلة «فوربس» نالت انتقادات سابقة بسبب مواقفها من قضايا التغير المناخي، وفقًا لموقع «Media Bias/Fact Check» المختص بقياس انحيازات الصحف، وفحص المعلومات المذكورة فيها، ويذكر الموقع حالات سابقة نشرت فيها معلومات غير صحيحة أو مضللة بخصوص علم المناخ.

بحسب مقال «فوربس»، العالم لا يحترق بسبب التغير المناخي، كما زعمت كبرى وسائل الإعلام الفترة الماضية، وغابات الأمازون ليست «رئة الأرض»، كما تشير الأسطورة التي رددها الناس، وتؤكد المجلة أن الواقع يشير إلى العكس، فالحرائق انخفضت بنسبة 25% على مستوى العالم منذ عام 2003.

وذكرت المجلة الأمريكية، في مقال كتبه مايكل شلينبرجر، المحرر المتخصص في شؤون البيئة، أن وسائل الإعلام الرئيسية في العالم – ومن بينها صحيفة «نيويورك تايمز»، وقناة «سي إن إن» الأمريكيتين- أعلنت خلال الأيام الماضية أن «العالم بأسره يحترق».

غابات الأمازون تحترق.. سياسات «ترامب البرازيل» تخنق «رئتي الأرض»

ونقل الكاتب عن ماكس فيشر، المحلل في صحيفة «نيويورك تايمز»، قوله تحت عنوان «غابات الأمازون قد تتدمر ذاتيًّا عما قريب»، أن معظم مساحة أكبر غابة مطيرة في العالم قد تمحى من على وجه الأرض، معتبرًا أن هذا سيكون «سيناريو كابوسيًّا»، ومشيرًا إلى أن «بعض العلماء الذين يدرسون النظام البيئي للأمازون يرون أن هذا أصبح وشيكًا».

كما نقل شلينبرجر عن «نيويورك تايمز» قولها في تغطية صحفية، إنه «إذا فقدنا الكثير من غابة الأمازون المطيرة، ولم نتمكن من استعادتها، فستتحول المنطقة إلى سافانا (سهل عشبي)، لا تخزن كمية الكربون نفسها، مما يعني انخفاضًا في قدرة رئة الكوكب».

وأضاف أن الصحيفة زعمت أن الأمر لا يقتصر على الأمازون فقط، بل إن الأدخنة تتصاعد من غابات أفريقيا وسيبيريا، وإندونيسيا، مضيفة أن «مساحات شاسعة من السافانا في وسط أفريقيا تشتعل، كما أن مناطق القطب الشمالي في سيبيريا تحترق بوتيرة تاريخية».

وتابع أننا قد نغفر لأي قارئ لصحيفة «نيويورك تايمز» ووسائل الإعلام الرئيسية الأخرى، إذا ما اعتقد أن الحرائق تتزايد على مستوى العالم، إلا أن هذا لا يحدث فعلًا، فالواقع – بحسب وكالة ناسا الأمريكية- أن هناك انخفاضًا هائلًا بنسبة 25% في المساحة التي احترقت في الفترة بين عامي 2003 و2019، إذ انخفضت المساحة المحترقة في أفريقيا، خلال تلك الفترة، بما يعادل مساحة ولاية تكساس الأمريكية (700 ألف كيلومتر مربع، أو 270 ألف ميل مربع).

النمو الاقتصادي سبب انخفاض حرائق الغابات

وعلى عكس الصورة التي رسمها المشاهير، ووسائل الإعلام الرئيسية، أن النيران تنشب في جميع أنحاء العالم بسبب النمو الاقتصادي، فإن الحقيقة هي عكس ذلك، فمساحة الأرض التي تحترق آخذة في الانخفاض بفضل التنمية، بما في ذلك التوسع العمراني.

وأوضح الكاتب أن السبب في ذلك يرجع إلى أن مساحة الأرض التي تتحول إلى مزارع آخذة في الانخفاض، وليس الارتفاع، ولأن الكثير منها يجري عن طريق الآلات، أكثر مما يجري عبر الحرائق.

وأشار إلى أنه على مدى السنوات الخمسة والثلاثين الماضية، كان العالم يعيد زراعة الغابات، مما يعني أن نمو الأشجار الجديد تجاوز إزالة الغابات، كما ازدادت مساحة الأرض المغطاة بالغابات بما يعادل مساحة ولايتي تكساس وألاسكا مجتمعتين.

وذكر الكاتب أن مساحات أصغر من الأراضي تتحول إلى الزراعة على مستوى العالم؛ إذ يعود السبب في ذلك جزئيًّا إلى أن المزارعين يزرعون المزيد من المحاصيل الغذائية على مساحة أصغر.

وأشار إلى أن الكثير من عمليات إعادة التشجير تجري في الصحاري والتندرا – وهي مواطن بيئية لا تنمو فيها الأشجار بسبب درجات الحرارة شديدة الانخفاض- التي كانت جرداء، وذلك بفضل مبادرات إعادة التشجير التي فعلها البشر، كما هو الحال في الصين وأفريقيا، وبسبب الاحتباس الحراري؛ إذ سمحت درجات الحرارة الأكثر دفئًا للغابات بالنمو في التندرا.

انخفضت مساحة الأرض المحترقة بنسبة 25% في الفترة بين عامي 2003 و2019 بفضل النمو الاقتصادي. (وكالة ناسا)

رسم بياني يوضح انخفاض مساحة الأرض المحترقة بنسبة 25% في الفترة بين عامي 2003 و2015. (وكالة ناسا)

ورأى الكاتب أن الصحفيين في وسائل الإعلام الكبرى أفسدوا هذه القصة، وكان يجب عليهم أن يكونوا على دراية بانخفاض المساحة المحترقة، إذ إن العلماء نشروا دراسة مهمة عن هذا الموضوع في مجلة «العلوم» الأمريكية عام 2015، كما أن وكالة ناسا عززت المقال بنشر معلومات محدثة، في 20 أغسطس (آب) 2019، تؤكد استمرار انخفاض الحرائق.

ومع ذلك، استمر هؤلاء الصحفيون في الدفع بتصوراتهم المروعة، في أثناء تغطيتهم للحرائق في الأمازون وأفريقيا، وحاولوا ربطها بتغير المناخ.

ودعا الكاتب إلى النظر إلى كيفية تحريف صحيفة «نيويورك تايمز» للحرائق العالمية، في وقت سابق من هذا الأسبوع، حين كتبت مراسلة شؤون المناخ لدى الصحيفة كيندرا بيير- لويس، أن «اشتداد الحرائق وانتشارها – حتى وصلت إلى أماكن نادرًا ما شوهدت فيها من قبل- يثير المخاوف من أن التغير المناخي يفاقم الخطر».

وأوضح شلينبرجر أن هذا الأمر خاطئ، إذ إن العلاقة بين الحرائق والمناخ تأتي بأخبار سارة؛ فانخفاض المساحة المحترقة، قد عوض الكثير من خطر زيادة الحرائق الناتجة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، بحسب دوج مورتون، المؤلف المشارك في دراسة مجلة «العلوم» المنشورة عام 2015، وعالم الغابات في معهد جودارد التابع لوكالة ناسا.

ونقل الكاتب عن نيلز أنديلا من مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا قوله «عندما يزداد استغلال أراضي السافانا، تستخدم النار استخدامًا أقل كأداة»، مضيفًا «بمجرد أن يستثمر الناس في المنازل، والمحاصيل، والماشية، فإنهم لا يريدون لهذه الحرائق أن تكون قريبة منهم».

وقال مورتون «لقد أدى تغير المناخ إلى زيادة خطر الحريق في العديد من المناطق، لكن بيانات الأقمار الصناعية حول المناطق المحترقة تظهر أن النشاط البشري قاوم تلك المخاطر المناخية مقاومة فعالة، خاصة في المناطق الاستوائية في العالم». وتابع «لقد رأينا انخفاضًا عالميًّا كبيرًا عبر الأقمار الصناعية، كما أن لفقدان النار بعض الآثار المهمة بالفعل في منظومة الأرض».

ونقل الكاتب عن وكالة ناسا قولها إن «المناطق التي تقل فيها نسبة الحرائق شهدت انخفاضًا في انبعاثات أول أكسيد الكربون، وتحسنًا في جودة الهواء خلال موسم الحريق»، مضيفة أنه «مع وجود حرائق أقل، تزداد أشجار السافانا، فتستهلك المزيد من ثاني أكسيد الكربون».

«نيويورك تايمز»: ليست الأمازون فقط.. غابات أفريقيا تحترق دون أن يهتم العالم!

غابات الأمازون رئة العالم.. مجرد «أسطورة»

وهاجم الكاتب عددًا من وسائل الإعلام والمشاهير الذين نشروا معلومات حول حرائق الأمازون، ومن بينهم صحيفة «نيويورك تايمز»، وقناة «سي إن إن»، والممثل ليوناردو دي كابريو، والنائبة الأمريكية ألكسندرا أوساسيو كورتيز، والمغنية مادونا، والسناتور الأمريكي بيرني ساندرز، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذين ما زالوا ينشرون، صورًا ومعلومات خاطئة حول غابات الأمازون، ولم يحذفوها حتى الآن.

وأشار الكاتب إلى أن كندرا بيير- لويس، كررت في قصتها المنشور في «نيويورك تايمز» أسطورة «رئة العالم».

صورة. جوية من حرائق غابات الأمازون

صورة. جوية لحرائق غابات الأمازون الأخيرة

ونقل عن مارك ساجوف، الفيلسوف البيئي في جامعة جورج ماسون، توضيحه أن الأسطورة القائلة بأن الأمازون هي «رئة الأرض التي توفر 20% من الأكسجين في العالم»، اخترعها أحد العلماء بجامعة كورنيل الأمريكية عام 1966، موضحًا أن هذا العالم يتبنى الأفكار المالتوسية (أفكار توماس مالتوس حول انتشار الفقر والجوع في العالم بسبب ضغط السكان).

وأوضح ساجوف أنه اهتم بهذه المسألة في الستينات من القرن الماضي، عندما كانت فكرة «رئة الأرض» هي السبب الرئيسي لإنقاذ الغابة المطيرة (الأمازون)، مشيرًا إلى أنه لم يجد أي دليل على أن أي غابة استوائية مطيرة تسهم في صافي الأوكسجين في العالم».

وأشار كاتب المقال إلى أن ساجوف أرسل له مقالًا كتبه العالم بجامعة كورنيل، لامونت سي. كول، في مجلة العلوم البيولوجية عام 1966، ادعى فيه أن «محتوى الأكسجين في الجو يجب أن يبدأ في الانخفاض» نتيجة لحرق الوقود الأحفوري.

وتابع أن هذا الادعاء كان غير صحيح، وكشف عالم المناخ والاس س. بروكر زيفه، في مقال بمجلة العلوم في يونيو (حزيران) 1970، إذ قال بروكر إن «من حسن حظ البشرية أن إمدادات الأكسجين لا تتلاشى كما توقع البعض».

وأوضح الكاتب أن بروكر كتب مقاله لأن وسائل الإعلام الرئيسية كانت تنشر الأسطورة التي ألفها كول، وقال بروكر «آمل أن تدفن الصحافة السائدة الشبح الذي صنعته».

وأضاف أن هذا لم يحدث للأسف، لذلك فليس من المستغرب أن ثقة الجمهور في وسائل الإعلام قد انخفضت منذ سنوات عديدة، إذ يقول معظم الأمريكيون اليوم إنهم لا يثقون فيها.

واختتم مقاله بالقول إن الخبر السار لوسائل الإعلام هو أن 69% من الجمهور يقولون إنه يمكن استعادة الثقة في وسائل الإعلام، داعيًا قناة «سي إن إن» وصحيفة «نيويورك تايمز» وغيرها من وسائل الإعلام لتصحيح تغطيتها غير الدقيقة، والبدء في تغطية قضية غابات الأمازون والحرائق فيها تغطية منصفة وبدقة.

«فورين أفيرز»: اختفاء 28 ألف نهر في الصين! سيناريوهات تغير المناخ المرعبة تتحقق

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد