نشر موقع 1945 الأمريكي مقالًا  للباحث سيباستيان روبلين، الذي يحمل درجة الماجستير في حل النزاعات من جامعة جورج تاون، ينفض فيه الغبار عن كارثة شبه منسية، حدثت عندما أطلقت روسيا سلالة مميتة من الجمرة الخبيثة قبل حوالي أربعة عقود.

في أكتوبر (تشرين الأول) 1979، نشرت صحيفة في ألمانيا الغربية، يديرها مهاجرون سوفيت، قصة غامضة تزعم أن انفجارًا في مصنع عسكري في سفيردلوفسك (يكاترينبرج حاليًا) أدى إلى انتشار بكتيريا مميتة، أسفرت عن مقتل ما يصل إلى ألف شخص.

سرعان ما استرعت القصة انتباه الصحف الغربية الأخرى، وحطَّت برحالها في النهاية في ساحة الحكومة الأمريكية التي أهمها الأمر؛ لأن المصانع السوفيتية إذا كانت تنتج أسلحة بيولوجية، فإنها بذلك تنتهك اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية لعام 1972.

سرعان ما نفت موسكو أن يكون الأمر على النحو الذي تداولته الصحف. وبينما اعترفت بأن تفشيًا تسبب في مقتل العشرات في سفيردلوفسك، وهي مدينة مغلقة مخصصة للمجمع الصناعي العسكري السوفيتي، ورابع أكبر مدينة في روسيا اليوم، لكنها أوضحت أن سبب الحادث لم يكن انفجارًا، وإنما لحمًا ملوثًا بالجمرة الخبيثة.

الجمرة الخبيثة.. شراسة البكتيريا

الجمرة الخبيثة من الأمراض السارية الناتجة من نوع من البكتريا العصوية، يمكن أن توجد في التربة بصورة طبيعية، وقد تظل كامنة لفترة. تصيب في العادة الحيوانات، لكن قد تصيب البشر عند ملامسة الجلد المتآكل أثناء الاحتكاك بحيوان مصاب، خاصة الأغنام والماشية، أو المنتجات الحيوانية مثل الجلود والصوف.

دولي

منذ 3 أسابيع
مترجم: تعرف إلى قاذفات اللهب المحرمة دوليًّا التي أدخلها الجيش الروسي لترسانته

هذا الشكل، المعروف باسم الجمرة الخبيثة الجلدية، يترك تقرحات سيئة، لكنه لا يكون قاتلًا سوى في 20% فقط من الحالات عندما يُترَك دون علاج. وهناك نوع آخر أكثر ندرة هو عدوى الجمرة الخبيثة المعوية، وينتج من أكل الحيوانات المصابة.

غير أن أكثر أنواع العدوى فتكًا هي استنشاق جراثيم الجمرة الخبيثة، وهنا يرتفع معدل الوفيات إلى 85%. لتنتقل عدوى الجمرة الخبيثة الرئوية، لا بد من استنشاق تركيزات عالية من الجراثيم، وألا تكون الجراثيم كبيرة جدًّا، بحيث تنزلق عبر الأغشية المخاطية البشرية.

بمجرد دخول البكتيريا إلى جسم الإنسان، فإنها تتكاثر وتبدأ في إنتاج السموم القاتلة في غضون يومين. قد يشعر المصاب بأعراض تشبه أعراض الإنفلونزا، مثل: التهاب الحلق وألم العضلات، وكذلك ضيق التنفس والغثيان. وقد تتطور هذه الأعراض إلى نزيف حاد، وسعال، وحمى، وانقطاع في التنفس والتهاب السحايا الجرثوميِّ (التهاب الدماغ)، مما يؤدي إلى تورم داكن ملحوظ على طول الصدر والرقبة. وفي حين أن التطعيم بالمضادات الحيوية أثبت فعاليته في الوقاية من العدوى، فإنه لا يكون فعالًا بمجرد ظهور العدوى.

حادث أم سلاح بيولوجي؟

نظرًا إلى سهولة تصنيع الجمرة الخبيثة، وإمكانية بقائها مستقرة لسنوات، فقد كانت أيضًا مثالية كسلاح بيولوجي، وهي حقيقة كان علماء الولايات المتحدة على دراية بها، بسبب تجربة برنامجهم للأسلحة البيولوجية، الذي كان نشطًا منذ عام 1943.

Embed from Getty Images

في النهاية، أنتج البرنامج على نطاق واسع ست سلالات رئيسية من الأسلحة البيولوجية الفتاكة، صُمِّمَ عديد منها لتنتشر عن طريق القنابل العنقودية التي تلقى من الجو. بيد أن الرئيس ريتشارد نيكسون أنهى البرنامج في عام 1969، وبعد ثلاث سنوات وقعت معظم دول العالم على اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية عام 1972، التي تحظر ليس فقط استخدام الأسلحة البيولوجية، ولكن تمنع أيضًا إنتاجها وتطويرها.

ومع ذلك، افتقرت الاتفاقية إلى آلية رسمية للامتثال والمتابعة. علاوة على ذلك، لا تحظر الاتفاقية البحث حول كيفية الدفاع ضد الأسلحة البيولوجية، وهو ما يفسر سبب تخزين نوع من الجمرة الخبيثة يصلح لتصنيع سلاح بيولوجي في مختبرات الحكومة الأمريكية، حتى إنها كانت متاحة للاستخدام في رسائل الجمرة الخبيثة سيئة السمعة التي أرسلت بعد وقت قصير من هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وكان المنفذ على الأرجح أحد الموظفين الساخطين.

كان محللو المخابرات الأمريكية متشككين في الرواية السوفيتية عن اللحم الملوث، لا سيما وأن عملاء وكالة المخابرات المركزية حصلوا على تقارير متفرقة تدعم الرواية القائلة بوقوع حادث مصنع في وقت تفشي المرض.

علاوة على ذلك، ليس من المنطقي أن تكون الوفيات التي حدثت في أوساط المواطنين السوفيت على مدى شهرين ناتجة من مشكلة في إمدادات اللحوم الملوثة، كان من الممكن التعامل معها بسرعة. على كل حال، استغلت إدارة ريجان الحادث لتهاجم الاتحاد السوفيتي لانتهاكه الواضح لحظر الأسلحة البيولوجية.

جادلت الصحافة السوفيتية بأن هذا الحادث أثبت أن واشنطن مستعدة لاستغلال أي مأساة تصيب الشعب السوفيتي لخدمة مصالحها السياسية. وكان بعض العلماء الأمريكيين، مثل الباحث الشهير في جامعة هارفارد، ماثيو ميسيلسون، يميلون أيضًا إلى تصديق التفسير السوفيتي.

وحين زعمت الولايات المتحدة في عام 1981 أن القوات الشيوعية في آسيا استخدمت السموم الفطرية «المطر الأصفر» في آسيا، فقدت تلك المزاعم مصداقيتها على نطاق واسع. وعندما سافر العالم السوفيتي، بيوتر بورجاسوف، إلى الولايات المتحدة في عام 1988، وقدم سجلات تشريح الجثة وصورًا لضحايا تفشي سفيردلوفسك، أقنع عديدًا من العلماء الغربيين أخيرًا بأن الحادث يعكس مجرد زلة محرجة للنظام الطبي السوفيتي.

ومع ذلك، يلفت المقال إلى بيانات التشريح التي قدمها بورجاسوف نفسها تشير إلى بعض الشذوذات الغريبة، مثل: وجود دليل على تورم في الرئتين يطابق عدوى الجمرة الخبيثة الرئوية.

Embed from Getty Images

علاوة على ذلك، يثير الباحث سؤالًا مفاده: لماذا أثر التفشي في غالبية الحالات في الذكور البالغين، بينما كان تأثيره أقل نسبيًّا على النساء والأطفال؟ إذ ظهرت شائعات لاحقة مفادها أن الاتحاد السوفيتي قد طوَّر نوعًا من المرض، مصممًا خصيصًا لقتل الرجال في سن التجنيد.

الحقيقة تبرز على السطح

سرعان ما تكشفت الحقيقة في عام 1992، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، حين أكد الرئيس الروسي المعين حديثًا آنذاك، بوريس يلتسين، للرئيس جورج دبليو بوش خلال مؤتمرٍ أن مزاعم الولايات المتحدة بشأن السلاح البيولوجي السوفيتي كانت صحيحة تمامًا. وقد صادف أن يلتسين كان رئيس الحزب في سفيردلوفسك أثناء تفشي المرض، الذي اعترف أنه كان نتيجة لحادث يتعلق بالأسلحة البيولوجية.

بعد عام واحد فقط من التوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية في عام 1972، وسع الاتحاد السوفيتي إنتاجه من الأسلحة البيولوجية، من خلال برنامج مدني جديد ضخم، يُعرف باسم «بيوبريبارت»، وظَّف 50 ألف فرد للعمل في 52 منشأة منفصلة.

صنع برنامج «بيوبريبارت» مئات الأطنان من عشرات من عوامل الحرب البيولوجية المختلفة، المصممة لتطلقها الصواريخ أو ترشها الطائرات. وقد وقعت حوادث مؤسفة، منها على سبيل المثال ما حدث في عام 1971، حين أصاب الجدري المُسلَّح الذي كان قيد الاختبار في جزيرة فوزروزدينيا عالمًا على متن سفينة عابرة، مما أدى إلى وفاة ثلاثة أشخاص.

هاجر نائب مدير «بيوبريبارت»، كاناتشان عليبيكوف (أصبح اسمه الآن: كين عليبيك)، لاحقًا إلى الولايات المتحدة، وروى ما يعرفه عن حادثة سفيردلوفسك في كتابه «الخطر البيولوجي»، استنادًا إلى روايات نقلها عن عديد من زملائه.

كشف عليبيكوف عن أن مصدر البكتيريا هو: منشأة للأسلحة البيولوجية في سفيردلوفسك، تعرف باسم المجمع 19A، بنيت في عام 1946، استنادًا إلى وصفة مكتوبة في وثائق الحرب الجرثومية اليابانية التي جرى الاستيلاء عليها في منشوريا. كانت الوحدة اليابانية 731 سيئة السمعة خلال الحرب العالمية الثانية، لنشاطها في اختبار ونشر أسلحة بيولوجية ميدانية تستهدف المدنيين الصينيين.

أنتج المجمع 19A أطنانًا سنوية من الجمرة الخبيثة في شكل مسحوق، لتطلق من الصواريخ الباليستية، واختيرت السلالة المعروفة باسم الجمرة الخبيثة 836 على وجه الخصوص لأنها كانت مميتة للإنسان تحديدًا.

في أحد الأيام – يوافق 30 مارس (آذار) 1979 بحسب رواية عليبيكوف، وإن كانت معظم المصادر تصر على أنه كان في أوائل أبريل (نيسان) – أزال أحد الفنيين مرشحًا مسدودًا، وترك ملاحظة تشير إلى ضرورة استبداله.

Embed from Getty Images

يتابع عليبيك: كان المجمع 19A هو المصنع الإنتاجي الأكثر ازدحامًا في المديرية الخامسة عشرة. كان يعمل لثلاث نوبات، على مدار الساعة، لتصنيع سلاح الجمرة الخبيثة الجاف للترسانة السوفيتية. كان عملًا مرهقًا وخطيرًا. كان لا بد من فصل مزارع الجمرة الخبيثة المخمرة عن قاعدتها السائلة وتجفيفها قبل طحنها إلى مسحوق ناعم لاستخدامها في شكل رذاذ، وكانت هناك دائمًا أبواغ تطفو في الهواء.

كذبة اللحوم الملوثة

تلقى العمال لقاحات منتظمة، لكن المرشحات الكبيرة المثبتة فوق أنابيب العادم كانت هي كل ما يحول دون تسرب غبار الجمرة الخبيثة إلى العالم الخارجي. وبعد كل وردية، كانت آلات التجفيف الكبيرة تغلق لفترة وجيزة من أجل إجراء فحوصات الصيانة. لم يكن مرشح الهواء المسدود أمرًا غير معتاد، ولكن كان لا بد من استبداله على الفور.

كان المقدم نيكولاي تشيرنيشوف، المشرف على نوبة بعد الظهيرة في ذلك اليوم، في عجلة من أمره للعودة إلى منزله مثل عماله. وفقًا لقواعد الجيش، كان يجب أن يسجل المعلومات حول الفلتر المعيب في السجل ليحيط النوبة التالية علمًا به، ولكن ربما لم تحظ ملاحظة الفني بالأهمية الكافية لينتبه لها، أو ربما كان ببساطة منهكًا.

البيئة

منذ شهرين
أسوأ من تشيرنوبل.. قصة الكارثة النووية الأولى التي أخفاها الاتحاد السوفيتي!

عندما جاء مدير النوبة الليلية إلى العمل، راجع دفتر السجلات، فلم يجد شيئًا غير عادي، وأصدر الأمر ببدء تشغيل الآلات مرة أخرى. اندفع الغبار الناعم الذي يحتوي على جراثيم الجمرة الخبيثة والمواد الكيميائية المضافة عبر أنابيب العادم إلى الهواء الطلق في تلك الليلة.

انتبهوا للفلتر المفقود بعد ساعات، وغيروه بسرعة، ولكن بعد فوات الأوان. حمل النسيم الليلي الخاطف الجراثيم القاتلة إلى مصنع سيراميك مجاور، مما أصاب عمال المصانع الذكور الذين يعملون في النوبة الليلية بالعدوى، وماتوا جميعًا تقريبًا في غضون أسبوع.

لم تُحَط سلطات المدينة علمًا بالحادث حتى تفشي المرض، وحينها تدخل الحزب بسرعة للتستر على الحادث، فضربت القوات طوقًا حول المصنع، بينما أعلن المسؤولون السوفيت أن اللحوم الملوثة كانت هي المسؤولة عن الحادث.

أُطلِق النار على مئات الكلاب الضالة، وقُبِضَ على بائعي المواد الغذائية في السوق السوداء بتهمة «بيع طعام ملوث». دمرت المخابرات السوفيتية (كي جي بي) سجلات المستشفى والتقارير المرضية التي توثق تفشي المرض، وغُسِلَت جثث الضحية بمطهرات كيميائية لإزالة الأدلة التي خلفتها الجراثيم.

Embed from Getty Images

يقول عليبيك: إن الإجراءات التي اتخذها المسؤولون السوفيت غير المطلعين لتطويق الحادث أدت إلى تفاقم تفشي المرض. فخلال شهر مايو (أيار)، أصيب ما لا يقل عن 99 مواطنًا سوفيتيًّا بالعدوى، وتوفي 64–100 منهم داخل دائرة نصف قطرها ميلين ونصف من المصنع. ولأن الأغنام كانت أكثر عرضة للجراثيم، اتسعت دائرة وفياتها إلى ثلاثين ميلًا.

على الرغم من الشهادة العلنية التي أدلى بها الرئيس الروسي السابق، فإن حادثة سفيردلوفسك لم تُحسَم حتى اليوم داخل روسيا، مع تمسك بعض المسؤولين الروس برواية اللحوم الملوثة.

يخلص الباحث في ختام مقاله إلى أن حادثة سفيردلوفسك توضح كيف يمكن أن تكون الأسلحة البيولوجية مروعة، وذاتية التدمير، كما أنها تفضح مدى تورط المجتمعات الاستبدادية في الخداع والتعتيم لإخفاء أنشطتها غير المشروعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد