دائمًا ما تطلق كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على نفسيهما صفة حليفين في الخطابات الرسمية، ورغم ذلك فإنه لا توجد بينهما معاهدة دفاع رسمية تحكم علاقتهما. ستيفن سيمون، أستاذ العلاقات الدولية، ناقش سر هذا الأمر في مقالٍ له نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.

في البداية، ذكر الكاتب أنه: «في الميلودراما طويلة الأمد التي تجسدها العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، هناك آليات معينة للحبكة الدرامية التي تعتمد طريقة ما لتكرار ظهور تلك العلاقة على نحو دوري. 

على سبيل المثال، أصرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة برفقٍ على وقف بناء المستوطنات أو التقليل منها. ولم يكن لدى البيت الأبيض أي استعداد لتوفير الدعم الكامل للنشاط الاستيطاني، كما كتب مؤخرًا مهندسا عملية السلام (هارون ديفيد ميلر ودانيال تشارلز كورتزر في مقال لهما نشر بتاريخ 22 نوفمبر (تشرين) الثاني 2019 بعنوان «يجب ألا نتظاهر بأن واشنطن حاولت حقًّا وقف بناء المستوطنات الإسرائيلية»). لكن على الرغم من ذلك، كان التعبير عن القلق يتكرر بين فترة وأخرى».

مثال آخر يرصده المقال هو «التحريض الدائم، الذي يصدر عادة من المسؤولين الإسرائيليين أو لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) أو أعضاء الكونجرس، على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس». 

وجرت العادة أن تُربَط هذه المطالب بالتجاوز المعتاد عن تشريع أمريكي، جرى التصديق عليه في عام 1995، ويطالب وزارة الخارجية بالقيام بهذه الخطوة. لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب خالفت تلك التقاليد في العام الماضي، واتخذت هذه الخطوة بالفعل؛ وسط كثير من العويل والاستهجان من قِبل المتشككين الذين توقعوا أن تسقط السماء عليهم كِسفًا نتيجةً لذلك.

دولي

منذ سنة واحدة
«ذي إنترسبت»: هذه هي طريقة إسرائيل في التأثير على سياسات أمريكا

حلفاء بلا معاهدة رسمية

وأضاف الكاتب: «من بين الأفكار المتكررة الأخرى، تبرز المغازلة الدورية الصادرة عن المراقبين الأمريكيين والإسرائيليين بخصوص فكرة توقيع معاهدة دفاع أمريكية- إسرائيلية. وأثار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، هذا الأمر مؤخرًا بهدف زيادة دعمه الشعبي، في سياق جهوده للحفاظ على منصبه. 

ومن الغريب حقًّا ألا تكون الولايات المتحدة وإسرائيل مرتبطتين بمعاهدة دفاع. فمنذ فترة طويلة، تُوصف العلاقة بينهما بالتحالف، وغالبًا ما تُوصف إسرائيل في خطاب الولايات المتحدة بالحليف. ومع ذلك، فالحلفاء، بالمعنى الدقيق للكلمة، هم دول تربطهما علاقة بموجب معاهدات فيما بينها. ومثل هذه المعاهدة غير مُوقَّعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل».

ومع ذلك، تستمر فكرة التحالف في الظهور، ويرجع السبب جزئيًّا في ذلك إلى أن مستوى التعاون الأمني ​​الثنائي والعلاقات العاطفية طويلة الأمد يتضمنان على ما يبدو الأساس المنطقي لعلاقة رسمية ومؤسَّسيَّة. 

ويتكرر ظهور فكرة التحالف من جديد بين الفينة والأخرى كشيء مرغوب فيه بالنسبة للإسرائيليين الذين يشعرون بالقلق إزاء موثوقية تعهُّدات الولايات المتحدة بالدفاع عن الدولة اليهودية إذا وجدت نفسها معرَّضة للخطر من خلال هجوم لا يمكنها صدُّه بمفردها.

إحجام إسرائيلي طبيعي

واستدرك الكاتب قائلًا: «لكن الإسرائيليين أنفسهم هم الذين قاوموا أكثر من غيرهم فكرة الترتيب الرسمي لتوقيع معاهدة دفاع، رغم هذه المزايا. ورغم أن ديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، أصَّر على أن لإسرائيل قوة عظمى تؤيدها وتناصرها، فإنه هو وخلفاءه لم يرغبوا في الاعتماد على أجانب ليقاتلوا في المعارك التي تخوضها بلادهم. ولم يكونوا متحمسين أيضًا للمبدأ الرئيس لهذه المعاهدات: أن يتفق الطرفان على الالتزامات المتبادلة بموجب شروط الاتفاقية».

وكانت هناك عدَّة عوامل هي التي حددت موقف إسرائيل. أحدها كان في أعقاب اتفاقيات كامب ديفيد لعام 1978، وقتها كانت إسرائيل بالفعل هي المستفيدة على الدوام من هذا النوع من المواد التي ربما أُغرِيَ واضعوها بالحصول على المزيد من خلال توقيع معاهدة مع الولايات المتحدة. ويتمثل العامل الآخر ذو الصلة بهذا الأمر في إحجام إسرائيل الطبيعي عن قبول أي قيود أو التزامات قد تنص عليها المعاهدة. فلماذا تدفع مقابل شيء تحصل عليه دون مقابل على أي حال؟

كان السياق الذي جرى فيه التفكير بجدية بخصوص إبرام معاهدة هو الاستعداد لقمة كامب ديفيد عام 2000 (عُقِدَت بهدف إيجاد حل سلمي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني في منتجع كامب ديفيد في 11 يوليو (تمّوز) 2000، وجمعت حينها بين الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، ورئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات)، كوسيلة لتخفيف القلق الإسرائيلي من المخاطر التي اعتقدوا أنها متأصلة في أي اتفاقية نهائية مع الدولة الفلسطينية. 

وكان ثمة افتراض بأن الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية سيعرض البلاد لمجموعة من التهديدات التي يصعب مواجهتها بسبب السيادة الفلسطينية. كما كان يُعتقَد أن ضمان الأمن الأمريكي في شكل معاهدة يعادل هذه المخاطر، مما يتيح لإسرائيل أن تفكر في التضحية بالعمق الاستراتيجي الذي سينتج عن نقل الضفة الغربية إلى السيادة الفلسطينية».

Embed from Getty Images

فرص ضائعة

وأشار الكاتب إلى أنه «إذا ما أقرت معاهدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في عام 2000، لكانت «أكثر تأثيرًا» من اتفاقية كامب ديفيد في عام 1978، وفقًا لمسؤول سابق شارك في المفاوضات. وما يعنيه ذلك المسؤول هو أن مبلغ الثلاث مليارات دولار الذي يُمنح لإسرائيل كل عام نظير توقيعها معاهدة السلام مع مصر في أواخر سبعينيات القرن الماضي كان سيتضاءل بسبب المبالغ التي نوقشت في إطار المفاوضات التي عُقدَت بعد عَقْدين من الزمان.

وجرى تحديد حجم حزمة المساعدات في عام 1978 لتعويض فقدان العمق الاستراتيجي الذي توفره شبه جزيرة سيناء ولوضع العراق في الاعتبار، الذي كان في تلك الأيام ما يزال عدوًّا مخيفًا، وقادرًا، نظريًّا على الأقل، على تحريك تشكيلات مدرعة كبيرة في جميع أنحاء الأردن والضفة الغربية.

لكن لم تُوقَّع أي معاهدة في عام 2000 لأن إدارة بيل كلينتون، رئيس الولايات المتحدة آنذاك، كانت غير مهيأة لذلك؛ بسبب مشكلاتها الخاصة التي أنهكتها، حتى إنها لم تتمكن من سد الفجوة بين الطرفين، ولم يكن أي منهما قادرًا على تحقيق التسويات التي تقتضيها الاتفاقية. 

وهكذا، اختفت من الخطاب العام فكرة التوصُّل إلى اتفاق نهائي بين إسرائيل والفلسطينيين كان سيتوج بمعاهدة سلام تمطر إسرائيل بضمانات أمنية وأموال نقدية وأسلحة متطورة، وصارت الفكرة حبيسة أدراج خزائن وحجرات صغيرة لحفظ الملفات يعلوها التراب في واشنطن والقدس حتى وقتنا هذا.

وفي الوقت الذي تتجه فيه إسرائيل نحو انتخاباتها العامة الثالثة في عام واحد – في ظل وجود رئيس وزراء متهم بارتكاب جرائم الرشوة وانتهاك ثقة الجمهور – تناقش الولايات المتحدة وإسرائيل مرةً أخرى فكرة توقيع معاهدة أمنية. وبدلًا من أن يكون ذلك بمثابة حافز وثمرة لتوقيع إسرائيل على اتفاق نهائي، يتمثل هدف الاتفاقية في تأمين المستقبل السياسي لرئيس أمريكي متداعٍ ورئيس وزراء إسرائيلي محاصر».

خدعة في صورة استراتيجية

وأوضح الكاتب أن: «استراتيجية نتنياهو للبقاء والاستمرار السياسي تتمثل في تشكيل حكومة وحدة مع منافسه بيني جانتس، رئيس هيئة الأركان العامة العشرين للجيش الإسرائيلي. وربما هذه الخدعة محكوم عليها بالفشل. إذ رفض جانتس، الذي يرأس تحالف أزرق أبيض (وسط)، مرارًا وتكرارًا التعاون؛ لأنه سيكون من غير المقبول الانضمام إلى حكومة يترأسها رئيس وزراء مُتهم، وربما يظن أيضًا أنه، في مرحلة ما، سوف يتخلص حزب الليكود من نتنياهو ويعين خلفًا له، ربما يكون السياسي المخضرم جدعون ساعر، الذي ربما يكون جانتس قادرًا على العمل معه».

وعلى الرغم من آفاقه المظلمة، أو ربما بسببها، حاول نتنياهو مواصلة الضغط على جانتس، وصعَّد الموقف بإخبار الجماهير بأن هناك مبررًا أساسيًّا متعلقًا بالأمن القومي لتشكيل حكومة وحدة، سيكون بمقدورها إنجاز أمرين لا يمكن إنجازهما إلا عن طريق حكومة وحدة وطنية: ضم غور الأردن، وتوقيع معاهدة دفاع مع الولايات المتحدة. (من جانبه، أيد جانتس بالفعل ضم القطاع الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب على طول الضفة الغربية لنهر الأردن). وعلى ما يبدو، ناقش نتنياهو خططه مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الذي يُعتقَد أنه وافق على أن المعاهدة ستكون شيئًا جيدًا.

ويبدو أيضًا أن نتنياهو أثار الفكرة مع ترامب نفسه. ولا يوجد أدنى شك في أن الرئيس سيرى أن معاهدة الدفاع الأمريكية- الإسرائيلية هي مبادرة سياسية مفيدة، على غرار تحركاته المؤيدة لضم مرتفعات الجولان، وإعلانه أن المستوطنات قانونية، ونقله السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وإغلاقه بعثة الولايات المتحدة إلى السلطة الفلسطينية، وإيقافه تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم، التي تقدم المساعدات الإنسانية إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في العديد من البلدان.

وفي خطابه الغاضب بشأن العزل، الذي وجهه إلى رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، عرض ترامب اعترافه بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان ونقل السفارة الأمريكية دليلًا على فضائله المُسَّلَم بها. ومن المحتمل أن تلقى هذه الفكرة قبولًا حتى لو خسر نتنياهو معركة البقاء في السلطة.

Embed from Getty Images

معاهدة الدفاع ليست مزحة

وأكد الكاتب أن «الولايات المتحدة وقَّعت اتفاقيات دفاع من هذا النوع أو من نوع آخر مع عشرات الدول حول العالم. وعدد قليل جدًّا من هذه الاتفاقيات صِيغَ في صورة معاهدات تحالف، من الطراز الذي يتطلب موافقة مجلس الشيوخ بتصويت الثلثين عندما يقدم البيت الأبيض المعاهدة للتصويت عليها. وكان آخر اتفاق من هذا النوع وُقِّع مع اليابان في عام 1960. وأصبحت المعاهدات التي أقرها مجلس الشيوخ قانونًا محليًّا.

وتختلف هذه المعاهدات كثيرًا عن الاتفاقات التنفيذية، والتي لا تتطلب، وفقًا للدستور، تصديق مجلس الشيوخ. ويوضح الابتهاج واللامبالاة اللذين انسحب بهما ترامب من الاتفاق النووي مع إيران الفرق بشكل كبير. وفي الواقع، عبر ترامب نفسه عن شكوكه إزاء الفكرة القائلة بأن إيران كانت ستصبح غبية بما يكفي للاعتماد على اتفاق تنفيذي.

والمعاهدات، على عكس الصفقة مع إيران، عبارة عن التزامات رسمية بالدفاع عن دولة أخرى إذا تعرضت للهجوم. وعلى الرغم من أنه من الواضح أن الولايات المتحدة يمكن أن تنتهك القانون وتتجاهل التزامها الدفاعي بموجب شروط المعاهدة، فإن رد الفعل سيكون كبيرًا، بالنظر إلى التكاليف السياسية وتكاليف السُمْعَة المترتبة على التخلي عن هذا الالتزام. ومن هنا جاءت المساحة الفارغة الكبيرة على جدول معاهدات الدفاع الأمريكية في الفترة من عام 1960 حتى اليوم. وهذا هو السبب في عدم وجود مثل هذه الاتفاقية مع جورجيا أو أوكرانيا؛ فمعاهدة الدفاع ليست مزحة.

ومع ذلك ، هناك أسباب مقنعة للولايات المتحدة وإسرائيل للدخول في معاهدة من هذا النوع، وذلك إذا صِيغت بصورة تجذب اهتمام الجانبين. والوضع الأمني في إسرائيل اليوم مواتٍ إلى حد ما، لكن المخاوف التي تشكلها إيران النووية تثير تساؤلات حول المدى الطويل لمثل هذه الاتفاقية. وعلاوةً على ذلك، اقتصاد إسرائيل ونظامها التعليمي ليسا في وضعٍ جيد لتطوير أسلحة متطورة وتمويلها – من النوع الذي تحتاج إليه للدفاع عن نفسها بمستوى عالٍ من الثقة في المستقبل- دون مساعدة كبيرة من الولايات المتحدة. وبموجب شروط المعاهدة، يمكن لإسرائيل أن تتمتع بثقة أكبر تجاه مستقبلها مع الولايات المتحدة الملتزمة بلعب دور الضامن النهائي وتوفير الموارد التي تحتاجها إسرائيل لتجهيز جيش على أحدث طراز».

الرياح غير مواتية

وتساءل الكاتب قائلًا: «لماذا ترهق الولايات المتحدة نفسها بهذه الطريقة؟ ليجب: أولًا، تتمتع إسرائيل بدعم كبير في الكونجرس والبيت الأبيض، ولذلك سيكون هناك على الأقل استعداد لتوسيع فوائد المعاهدة دون التفكير بعمق في المصلحة الاستراتيجية الأمريكية بمثل هذا الترتيب. لكن عادةً ما تتضمن معاهدة الدفاع التزامات متبادلة، وهذا هو السبب في أن إسرائيل لم توقِّع أبدًا أي معاهدة مع الولايات المتحدة في الماضي». 

وفي هذه الحالة، قد تشترط الولايات المتحدة، على سبيل المثال، أن تتخلى إسرائيل عن ضم المستوطنات طوال مدة المعاهدة، وأن تفسح الطريق أمام ما يفترض أن يكون سيادة فلسطينية محدودة، والأهم من ذلك، أن توافق على دعم حل دبلوماسي للمشكلة التي تشكلها طموحات إيران النووية.

وفي ظل الظروف الحالية، يبدو من غير المرجح أن توافق إسرائيل على هذه الشروط. لكن الحكومة ستسعى جيدًا للتفكير الجدي فيها. وعلى الرغم من الدعم المستمر لإسرائيل في الولايات المتحدة، فإن الرياح غير مواتية، ليس فقط بين اليهود الأمريكيين، ولكن بين الإنجيليين الشباب والعديد من الأمريكيين الذين لا يتذكرون ولا يهتمون بالمحرقة أو حروب عامي 1967 و1973، أو بالأيام التي وافق فيها كلا الحزبين السياسيين ضمنيًّا على أن الدعم لإسرائيل سيحظى بدعم الحزبين ولن يكون لعبة سياسية. 

وتشير استطلاعات الرأي إلى أنه لا يوجد كثير من الأمريكيين ممن تنكَّروا لإسرائيل، والكثير منهم فقط لا يهتم بطريقة أو بأخرى. وكما هو الحال في مجالات السياسة الأخرى، تكون النخب السياسية أكثر تطرفًا من الناخبين العاديين. ولكن حتى النخب السياسية تبدو مختلفة اليوم. 

وتبدو النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو- كورتيز وبقية عضوات «الفريق» (اسم غير رسمي يُطلق على أربع نائبات انتُخبنَ عام 2018 عن الحزب الديمقراطي، هن: إلهان عمر، وأيانا بريسلي، ورشيدة طليب وألكساندريا)» يغردن خارج السرب الآن، لكن في عام 2024، قد تكون أقرب إلى الوسط. وسيكون هذا التطور نتاجًا للتغيير الديموغرافي، وسيعكس أكثر من مجرد تسلل المخربين إلى عملية سياسية صحية. وسيمثل هؤلاء الأعضاء مكونات حقيقية.

Embed from Getty Images

أول إشارة للحقوق الفلسطينية في برنامج حزبي أمريكي

وأردف الكاتب أن «هناك بين نشطاء الحزب مَن يفعلون ذلك بالفعل؛ إذ عكست معركة المؤتمر الوطني الديمقراطي لعام 2016 بين السناتور بيرني ساندرز ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون حول لغة البرنامج فيما يتعلق بإسرائيل هذه الديناميكيات. ورغم أن جناح ساندرز لم يحصل على كل ما يريده، لاسيما الإشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي، فإنه تغلَّب على فريق هيلاري كلينتون وألزمه بقبول الإشارة الأولى على الإطلاق إلى الحقوق الفلسطينية في البرنامج الحزبي، شريطة أن يُضاف إلى ذلك أمن إسرائيل، وأن حل الدولتين يجب أن يوفر للفلسطينيين «الاستقلال والسيادة والكرامة».

على الجانب الآخر، تهدف استراتيجية ترامب إلى بث الفرقة على نحو أعمق، كما يفعل حاليًا عن طريق تحريض الديمقراطيين – والديمقراطيين اليهود على وجه الخصوص – الذين يعطون الحريات المدنية الأولوية ضد أولئك المحقين في الشعور بالقلق إزاء معاداة السامية من النوع الذي أثار ترامب مشاعرهم (بعد أن وقَّع أمرًا تنفيذيًّا لمنع المساعدات الاتحادية عن الجامعات التي تسمح بمعاداة السامية).

ونظرًا إلى احتياجات إسرائيل على المدى الطويل، فمن المنطقي أن يتمثل دعم الولايات المتحدة القوي في شكل معاهدة قبل أن تصبح اللامبالاة الزاحفة بأمن إسرائيل معلمًا سياسيًّا بارزًا. و«مذكرة التفاهم»، الالتزام غير الرسمي الذي ينظم حاليًا العلاقة الأمنية بين البلدين، أمر جيد في الوقت الحالي. لكن المؤكد أن إسرائيل لا ترغب في المجازفة بمجيء رئيس أمريكي مستقبلي، وهو الفرعون الذي لا يعرف يوسف (في إشارة إلى ما جاء في سفر الخروج 1:8، «ثُمَّ قَامَ مَلِكٌ جَدِيدٌ عَلَى مِصْرَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ»)، ويشعر بأن لديه الحرية في إلغاء مذكرة التفاهم سعيًا وراء بعض المزايا السياسية التكتيكية على أساس أنها «صفقة سيئة».

وضع نادر وخطير

وأوضح الكاتب أنه «لسوء الحظ بالنسبة للولايات المتحدة، يأتي اهتمام نتنياهو المفاجئ بالمعاهدة لإنقاذ ماء وجهه السياسي في وقت تحظى فيه القيادة الأمريكية بدافع مماثل وعلى نحو متساوٍ لإجراء الصفقة، ولذلك من غير المرجح أن تسعى هذه القيادة للحصول على التزامات متبادلة من جانب إسرائيل. وستحصل الولايات المتحدة في الواقع على التزام أمني عميق دون أن تعطي الاعتبار اللازم لمصالحها الاستراتيجية. وفي هذه العملية، ستفقد آخر بطاقة متبقية يجب أن تستخدمها في لعبة حل الدولتين. وسيؤدي استخدام هذه البطاقة في الوقت الحالي إلى القضاء على أي نفوذ متبقٍ قد تستخدمه الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها.

ويمكن أن تكون المعاهدة الأمريكية الإسرائيلية، المتوازنة كما ينبغي، مفيدة لكلا البلدين. ومع ذلك، فإن التوقيت خاطئ من منظور الولايات المتحدة الاستراتيجي. ومن المحتمل أن تفشل حيلة نتنياهو مع أفول نجمه السياسي، أو أن يكون ترامب منشغلًا عنها للغاية لدرجة لا تتيح له متابعتها حتى تنجح.

وبطريقة أو بأخرى، سيكون من الأفضل الانتظار إلى أن تأتي إدارة جديدة إلى البيت الأبيض، وأن تكون هناك، في إسرائيل، حكومة مستعدة وقادرة على استكشاف خيارات توقيع معاهدة، بناءً على مزاياها وبذِهْنٍ متفتح بشأن الالتزامات التي قد تقبلها لتصبح إسرائيل حليفة في معاهدة مع الولايات المتحدة.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا إنه «لا يمكن أن تكون المصالح السياسية التكتيكية لاثنين من السياسيين، أحدهما يواجه العزل والآخر خاضع للاتهام، أساسًا دائمًا لهذا الوضع النادر عظيم الأهمية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد