«حان الوقت لأن تتوقف فرنسا عن تصنيف نفسها ضمن الأنظمة الديمقراطية بينما تواصل وضع العراقيل أمام حرية تصفح أرشيف حرب الجزائر»، بهذه الكلمات الصريحة استهل المؤرخ الفرنسي «جيل مانسيرون» مقاله على مدونة صحيفة «ميديابار» الفرنسية والذي دعا من خلاله باريس إلى إتاحة أرشيف حرب الجزائر للجمهور، موصيًا بإصدار قرار استثناء عام بإتاحته لعامة الناس.

في البداية، أشار الكاتب إلى العقبات القديمة التي وضعتها فرنسا أمام الوصول إلى أرشيف الحرب العالمية الثانية والتي أزيلت بعد ذلك تدريجيًّا، إلا أنه لا تزال هناك عقبات كبيرة تعيق نشر أرشيف صفحة أخرى من صفحات تاريخها التي تخص الحروب الاستعمارية لا سيما الحرب في الجزائر.

وتابع المؤرخ الفرنسي أنه لا ينبغي أن تخجل فرنسا من تاريخها، إذ هناك العديد من المشاهد التاريخية التي تعتبر مصدر فخر لمواطنيها في هذا العصر، بدءًا من إعلان حقوق الإنسان في عام 1789 إلى مساهمتها في الإعلان العالمي لعام 1948، مرورًا بـ «لحظة الوعي الإنساني»، في عام 1898، الذي كان بمثابة الإدانة للظلم الذي تعرض له دريفوس، أو القانون الذي فرض في عام 1905، بشأن فصل الكنائس عن الدولة. لذلك لا يصح أن تخفي فرنسا بعضًا من صفحات تاريخها أقل مجدًا، وأثرًا من آثار ماضيها أيضًا. من بين تلك الصفحات نجد الحرب العالمية الثانية، والتي ظلت معتمة لوقت طويل، حيث لم يكن هنالك الكثير من أمثال «جان مولان» حيث تعاونت مؤسساتها مع المستعمر.

واسترسل المؤرخ في حديثه قائلًا إنه «لا يزال من الصعب التطرق لموضوع الحروب الاستعمارية، والتي ارتكبت باسمها العديد من الجرائم، وذلك بسبب عدم التمكن من الاطلاع على عدد من أرشيفات الدولة، يجب أن يكون هذا الأرشيف متاح للجمهور».

وذكر مانسيرون بأحد أحكام قانون الجمهورية الأولى الصادر في 24 يونيو 1794 المتعلق «بالأرشيف الوطني»، وقد نص على أنه «يحق لأي مواطن طلب الاطلاع على الوثائق المحفوظة في خزائن الأرشيف خلال الأيام والساعات التي يتم تحديدها»، مع الأخذ في الاعتبار أن مبدأ الاطلاع على الأرشيف يعد «حقًا مدنيًا». 

Embed from Getty Images

استثناء عام لأرشيف الحرب العالمية الثانية

وأضاف الكاتب أن الأرشيف الخاص بالحرب العالمية الثانية أتيح بالكامل بعد طلب جماعي من المؤرخين. وحتى ذلك الحين، ووفقًا لمسؤولي أرشيف الأقسام المختلفة، فقد كانت خطابات استنكار اليهود أو المقاومة التي تلقتها المقاطعات بين عامي 1940 و1944، لم تكن متاحة للقراء إلا بطلب خاص وبحسب الحاجة. 

وتابع المؤرخ الفرنسي أنه في وقت كانت تقترب فيه الذكرى الستين لأحداث 8 مايو 1945، قامت مجموعة من الباحثين، بمن فيهم رئيس جمعية مستخدمي الأرشيف الوطنية، بإعداد عريضة يطالبون فيها بإتاحة كافة الأرشيف الفرنسي الخاص بالحرب العالمية الثانية. وقاموا بالاتصال بمستشاري رئيس الجمهورية آنذاك، فرانسوا هولاند، عشية 8 مايو 2015، لإبلاغه، ولقوا ردًا سريعًا يقول: «يا إلهي.. لقد حصلتم على 121 توقيعًا!»، هكذا جاء رد أحد مستشاري القصر الرئاسي في مكالمة هاتفية معهم، حيث أكد لهم على الفور أنه لا جدوى من نشر طلبهم وأن رئيس الجمهورية سوف يلبيه لهم. كما وعدهم بصدور أمر فورًا بإتاحة أرشيف الحرب العالمية الثانية للجميع. وتم نشر هذا الأمر في 24 ديسمبر 2015 وسرى تدريجيًا على مختلف مراكز الأرشيف المعنية.

الأرشيف حق لكل مواطن

أشار الكاتب إلى أن خبيرة الأرشيف «ماريون فيسيير»، كبيرة أمناء حفظ التراث، المسؤولة عن قسم مهم داخل الأرشيف الوطني، نوهت في مقال بمجلة «20&21» وهي مجلة تاريخية، بتاريخ أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) 2019، على أن أداة الاستثناء العام ستظل محدودة الاستخدام، على الرغم من طلبات الباحثين وتوصيات التقارير المتعاقبة التي تطالب بإتاحة الأرشيف والتي تشجع على استخدامه بشكل أفضل.

وعلى غرار  تقرير مستشار الدولة «جاي برايبانت»، الذي نشرته فرنسا في عام 1996، تحت عنوان «الأرشيف في فرنسا»، أو تقرير «كريستين نوجاريت»، الذي نشر في عام 2017 تحت عنوان «استراتيجية وطنية لجمع الأرشيف العام وإتاحته في العصر الرقمي». ووفقًا للمبادئ التأسيسية للجمهورية، فإن أرشيف كافة المصالح الحكومية والإدارات العامة ليست ملكًا لأي مؤسسة أو مصلحة إدارية معينة أصدرتها بل إنها ملك للأمة. إن الاطلاع على الأرشيف حق لكل مواطن، وليس امتيازًا يمنح بشكل فردي.

ويتمثل دور متخصصي الأرشيف في حفظ الأرشيف، بمعنى أدق، تصنيف الأرشيف وحمايته وجرده وترقيمه ونسخه مع الحفاظ عليه، حتى يتسنى للمواطنين الوصول إليها. فهم بمثابة مساعدين ومرشدين لهؤلاء المواطنين خلال ممارسة حقهم في الاطلاع بحرية على آثار تاريخنا.

Embed from Getty Images

اجتماع لدراسة أرشيف حرب الجزائر

واصل المؤرخ الفرنسي مقاله قائلًا: إن «الحاجة اليوم باتت جلية لقرار استثناء عام بشأن فتح أرشيف حرب الجزائر يحاكي ذلك الذي صدر في ديسمبر 2015 المتعلق بالحرب العالمية الثانية»، مشيرًا إلى تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى زيارته لأرملة موريس أودان، جوزيت أودان،  في 13 سبتمبر (أيلول) 2018 حيث أخبرها بأن «زوجها قد قُتل فعلا على يد الجيش الفرنسي الذي احتجزه» وأن موته أصبح «مشروعًا» من خلال نظام يسمح للجيش باحتجاز واستجواب أي مشتبه فيه.

وتأسف يقول إن هذا النظام «نجم عنه الآلاف من حالات الإخفاء القسري الأخرى التي طالت الجزائريين» مذكرًا بالاجتماع الذي نٌظم بتاريخ 20 سبتمبر 2019 بفرنسا للتطرق إلى «مصير مفقودي حرب الجزائر على يد قوات الأمن الفرنسية». وقد حظي هذا اللقاء برعاية اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان «CNCDH» وبدعم كبير من منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب.

وأكد المؤرخ الفرنسي أن «هناك بالطبع مفقودين آخرين خلال هذه الحرب لكن أولئك الذين اختفوا على يد قوات الأمن الفرنسية التابعين لقوات الجمهورية، يخصون أمتنا ودولتنا بشكل مباشر من وجهة نظر التاريخ والذاكرة والقانون والأرشيف. وفي هذا اليوم، كما هو موضح من خلال مجموعة الفيديوهات الخمسة التي تقدم تقارير عن المناقشات التي نعرضها هنا، ظهرت مسألة الوصول المجاني إلى أرشيف هذه الفترة باعتبارها قضية أساسية».

https://sasapost.co/marginalization-of-messali-hadj/

العصران الأسودان في التاريخ الحديث

وذكر الكاتب أن كارولين بيكيتي، خبيرة الأرشيف بالأرشيف الوطني، أشارت إلى أنه في نهاية تسعينيات القرن الماضي، لا يزال العصران الأسودان للتاريخ الحديث، وهما فترة احتلال وحرب الجزائر، يواجهان صعوبات في الوصول إلى الوثائق الخاصة بتلك الفترة. إن مسؤولية موريس بابون، عن ترحيل يهود بوردو بين عامي 1942 و1944، ثم قمع الجزائريين، عندما كان أمينًا عامًا لمحافظة جيروند، جعلت «المسلمين الفرنسيين»، في منطقة باريس ينجحون في إحالته إلى محاكمتين بين عامي 1997 و1999.

وقد دافع اثنان من موظفي أرشيف باريس، وهما هما بريجيت لايني وفيليب غراند، عن العدالة والذكرى والحقيقة، حيث كانا يملكان الشجاعة للتشكيك في إمكانية الوصول إلى الأرشيف الخاصة بالقمع الذي حدث في باريس في 17 أكتوبر 1961 ضد جان لوك إينودي، وقد دفعوا ثمن ذلك لاحقًا من خلال التدابير التي اتخذت ضدهم. حيث قام فرانسوا جاسنو باستبعاد موظفي الأرشيف بدعم من بلدية باريس.

 وفي عام 2004 فقط أعاد حكم محكمة باريس تعيين بريجيت لايني في المنصب الذي كانت تشغله في عام 1999. وعندما توفيت في نوفمبر 2018، أثنت مدرسة شارتر على كفاءتها المهنية، لكنها لم تذكر الدور الذي لعبته في أواخر التسعينيات. حيث كان يجب الإشادة بالكفاءة المهنية وحس المواطنة لدى هذين الموظفين. 

وباعتباره جزءًا من مهمة عام 1997 للاستيلاء على أملاك يهود فرنسا تحت الاحتلال برئاسة جان ماتيولي، ذكرت كارولين بيكيتي أنها التقت في 22 أكتوبر 1997، مدير أرشيف باريس، فرانسوا جاسنو قائلة: «أخرجت من حقيبتي جريدة (ليبيراسيون) التي كنت قد اشتريتها عند خروجي من المترو. حيث تقدم الصفحة الأولى  مقتطفًا من سجل معلومات خاص بسلطات النيابة العامة في السين بعنوان (17 أكتوبر 1961 ، الوثائق الأولى). حيث يظهر أثر الأفراد المتوفين، أحيانًا بأسمائهم، وأحيانا مجهولي الهوية، مع إضافة حروف «FMA» التي تعني مسلمو فرنسا الجزائريين، متبوعة باسم قاضي التحقيق والإشارة إلى أن هذه المعلومات متاحة. وقد أشير على بعض الجثث أنه قد تم التقاطها من نهر السين على ارتفاع معين». 

أضافت: «بمجرد وصولي إلى مكتب فرنسوا جاسنو، طلبت منه الاطلاع على هذا السجل. فرفض قائلًا: (أنتِ تعلمين القوانين فيما يتعلق بالأرشيف). وعلمت في وقت لاحق أنه قد تم نشر المقال بجهود ديفيد أسولين، وهو مؤرخ وعضو في جمعية «أو نوم دو لاميموار»، التي قام فيليب جراند بتوصيل واستنساخ مقتطفات من هذا السجل لصالحها. حيث اعتمد فيليب جراند على القرار الذي كانت قد اتخذته آنذاك وزيرة الثقافة، كاثرين تراوتمان، والذي قضى بإتاحة الأرشيف في يوم 17 أكتوبر 1961. ونظر رئيس الوزراء ليونيل جوسبان على الفور في هذا القرار، الذي كان قد اقترحه أيضًا في وقت سابق رئيس الجمهورية، جاك شيراك. وتم تحويل فيليب جراند للتحقيق الإداري بناءً على طلب مديره وتمت إقالته من منصبه».

Embed from Getty Images

وأضافت كارولين بيكيتي أنها في ذلك الوقت كانت تعمل أغلب الوقت على مهمة ماتيولي، في أرشيف مديرية الشرطة حيث تمكنت من الوصول إلى جميع الوثائق، بما في ذلك تلك المخزنة في الطابق السفلي من مكتب شارع كارم، وعندما طرحت أسئلة حول أرشيف 17 أكتوبر 1961، اشتكى أحد كبار المسؤولين في تلك الإدارة إليها قائلاً: «بعد اليهود، يأتي دور العرب…».

ولحسن الحظ حدث هناك تطورات في عالم موظفي الأرشيف. فقد قالت رئيسة رابطة موظفي الأرشيف الفرنسية، سيلين غيون، التي قادت النقاش حول الأرشيف، إنها تعتقد أن موظفي الأرشيف يجب ألا يكونوا «حماة أسرار الدولة». وتعمل هذه الجمعية منذ عدة سنوات في قضية إتاحة الأرشيف للمواطنين. 

بالإضافة إلى ذلك، أوضح إيمانويل ديكو، الرئيس السابق للجنة الاختفاء القسري للأمم المتحدة، في ذلك اليوم، أن القانون الدولي قد أحرز تقدمًا ملحوظا ًفي العقود الأخيرة في هذه القضية الخطيرة للغاية المتعلقة بحالات الاختفاء القسري. وأنه يجب أن يستفيد جميع ضحايا الاختفاء القسري، أيًا كانوا، من مبادئ جوانييه المعترف بها من قبل الأمم المتحدة: «الحقيقة والعدالة والجبر». ولهذا، فإن إتاحة الأرشيف عنصر أساسي. 

تعتبر الوثائق المخزنة في الأرشيف الوطني لما وراء البحار، في إيكس إن بروفنس، هي ما تبقى من ملف موجود في ولاية الجزائر العاصمة في عام 1957 لتسجيل استفسارات الأسر، مما سمح للمؤرخين مليكة رحال وفابريس رايسبوتي، بفتح موقع بعنوان 1000autres.org، في اليوم التالي لبيان إيمانويل ماكرون في سبتمبر 2018. هذا الموقع يحاول الكشف عن المفقودين الآخرين في «حرب الجزائر»، وهم الجزائريون الذين بقيت هوياتهم غير معروفة إلى حد كبير حتى ذلك الحين.

وأضاف الكاتب أنه تم الاطلاع على الأرشيفات الأخرى، بما في ذلك الأرشيف الخاص بلجنتي حماية الحقوق والحريات الفردية اللتين وجدتا في الفترة من مايو 1957 إلى 1962، مخزنة لدى الأرشيف الوطني ولكن لا يمكن الوصول إليها بسهولة، وهي تحتوي على طلبات عديدة من الأسر والردود الكاذبة، التي قد تسمح، عندما يتوقف حظر الوصول إلى هذه الأرشيف أو بعضها، بالتقدم في مجال التوثيق من خلال هذا الموقع للعديد من حالات الاختفاء الأخرى. 

وفيما يتعلق بتنفيذ البيان الرئاسي الصادر في سبتمبر 2018 بشأن إتاحة الأرشيف المتعلقة بمفقودي حرب الجزائر، أصدر جان تشارلز بيداجي، المسؤول بالدائرة الوزارية لأرشيف فرنسا، قراراً بعدم وجود سلطة حتى الآن قادرة على جلب تفاصيل دقيقة حول هذا الموضوع.

أما بالنسبة للمؤرخة سيلفي ثينولت، فقد تساءلت عن السماح بالحديث الذي ذكره إيمانويل ماكرون في بيانه الصادر في سبتمبر 2018، حول شهادات الجنود الفرنسيين آنذاك من السلطات العليا في الدولة والجيش والذي كان ملزمًا بتعليمات المفروض منذ تلك الأحداث بالتزام الصمت، وكذلك مطالبتهم بإيداع وثائق من الأرشيف الذي كانوا يحتفظون به.

رئيس الجمهورية ليس «مدير أبحاث» المؤرخين

ورصد الكاتب قرارا نُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 10 سبتمبر 2019، يقتصر فقط على الوثائق المتعلقة بـ«قضية أودان» التي تم توصيلها للعائلة بالفعل منذ عدة سنوات، غير أن هذا القرار لم يأت بأي جديد. 

Embed from Getty Images

ويضيف الكاتب أنه «رغم الإشادة بمثل هذا الإجراء، لا يسعنا إلا أن نهتم بضرورة اتخاذ تدابير واسعة لإتاحة الأرشيف الخاص بهذه الفترة. دون سيطرة الدولة في اختيار «وثائق محددة» تسمح للعائلات والمؤرخين بالاطلاع عليها، كما فعل فرانسوا هولاند ثلاث مرات سابقًا: فيما يتعلق بقتل النقابي التونسي فرحات حاشد ومذبحة الرماة السنغاليين في ثياروي واغتيال موريس أودان. فرئيس الجمهورية ليس «مدير أبحاث» المؤرخين. فدور الدولة في هذه المسألة هو إتاحة الوصول إلى الأرشيف الخاص بهذه الفترة بشكل واضح وكامل، حتى يتمكنوا من الاطلاع بسهولة على مختلف الوثائق التي تبدو مفيدة لأبحاثهم، وليس توجيهات الدولة».

ومن جهته، قارن جيل موران إتاحة أرشيف الحرب العالمية الثانية المسموح به بموجب المرسوم الحكومي الدولي الصادر في 24 ديسمبر 2015، بالقرار الذي يجب أن يصدر بعد بيان إيمانويل ماكرون في سبتمبر 2018، هذه المرة بخصوص أرشيف الحرب الجزائرية. ويعتقد العديد من الباحثين وأمناء الأرشيف أن الاستجواب العلني لرئيس الجمهورية يمكن أن يسهم في ذلك.

عقبات أخرى لا تزال تقف أمام الباحثين

أشار الكاتب إلى تنويه موريس فاسي، في مقالته تحت عنوان «مؤرخ يواجه أسرار الأرشيف»، نشر في مجلة 20 و21، في سبتمبر 2019 قائلًا إنه على مدار 10 سنوات تقريبًا ، توجد «عقبة جديدة أمام الباحثين» وتتمثل في الإجراءات العامة المشتركة بين الوزارات الذي تم تبنيه في 30 نوفمبر 2011، في نهاية حكم الرئيس نيكولا ساركوزي، وهو ليس قانونًا ولا نصًا تنظيميًا، غالبًا ما يميل أمناء الأرشيف إلى الالتزام به.

ويتم وضع الوثائق المصنفة في مظروف مغلق يكتب عليه أنه سيتم تطبيق عقوبات تأديبية أو مهنية أو جنائية على الشخص الذي يكشف هذه الوثيقة. وقد اضطر الباحثون إلى الانتظار شهورًا حتى يتم رفع السرية عن الوثائق التي يرجع تاريخها إلى فترة الاحتلال، والتي تتعلق بقضايا شائعة مثل سعر الخبز أو الكرنفالات.

ولاحظ الكاتب أنه «لا يبدو جليًّا ما إذا كان موظفو الأرشيف قد سعوا للكتابة إلى المفوضية العامة للشؤون اليهودية في فرنسا المحتلة بسبب الختم «السري» الذي وضعته على وثيقة … وفي أي حال، بالنسبة للحرب في الجزائر، يجد الكثيرون أن في تطبيق الإجراءات العامة المشتركة بين الوزارات لعام 2011 «التي دخلت حيز التنفيذ في 2013» – دون إعطاء أي قيمة للقانون أو اللوائح. دعونا نكرر أن إساءة استخدام مفهوم «الأسرار الرسمية» على الوثائق التي تحمل أي ختم «سري» حتى لو تم إرفاقها من قبل رؤساء الجلادين لإخفاء ممارساتهم، يؤدي ذلك إلى صعوبة الوصول لوثائق هامة لسنوات عديدة.

Embed from Getty Images

وأضاف المؤرخ الفرنسي «باعتبارها المسؤولة عن غرفة القراءة في الأرشيف الوطني «في بيارفيت سير سان» في السنوات السبع الأخيرة، لم يكن لكارولين بيكيتي من الناحية النظرية الحق في الاطلاع على هذه الوثائق السرية، لأنها لم تكن «مخولة بالاطلاع على الأسرار الرسمية». إذن، كيف يمكن لموظفي الأرشيف القيام بعملهم لمساعدة جميع الباحثين الذين يأتون إلى الأرشيف الوطني؟ فقد يحتوي أي صندوق كرتوني على مستندات يتم كتابة عبارة «أسرار رسمية» عليه، ولن يكون لديهم وقت للتحقق من وجودها قبل إرسال هذه المستندات إلى غرفة القراءة. نحن في موقف مزر».

وتابع قائلًا أنه من الغباء حماية المستندات التي تحمل عبارة «أسرار رسمية» إلى أجل غير مسمى بغض النظر عن طبيعة المعلومات المذكورة فيها، دون التشكيك في ضرورة سرية الدفاع الوطني وحفظ سريتها، إلا أن هذه الأسرار تصبح سخيفة بعد فترة أقصاها 50 عامًا، أي عند انتهاء المواعيد النهائية لقانون حماية التراث.

وأشار الكاتب إلى أنه «لا تزال العديد من الملفات الخاصة بفترة الاحتلال وحرب الجزائر في المقاطعات التي أصدرتها، في حين ينبغي تخزينها في الأرشيف، وهي غير متاحة. دعونا نضيف أنه عندما حدث تدمير هذه الأوراق، كما كان الحال بالنسبة لبعض المصادر المتعلقة بقمع مظاهرة أكتوبر 1961، كما أوضح فابريس رايسبوتي، كان يجب بذل جهد خاص لتوثيق المستندات الموجودة بأكبر قدر ممكن من الدقة من خلال تحديد أوجه القصور الموجودة فيها. حيث سيبلغ مرشد عمليات الحصول على المعلومات عن مفقودي الحرب في الجزائر الذي أعلنته دار أرشيف الفرنسية في نهاية هذا العام عن أوجه القصور هذه والتدمير الحاصل للوثائق».

وأضاف المؤرخ الفرنسي أنه «إذا تم صدور استثناء عام ثانٍ لجميع الأشخاص المفقودين في حرب الجزائر، فمن المهم التفكير في إنشاء مكتب استقبال للعائلات التي تبحث عن ذويها، لأنهم غالبًا سيواجهون صعوبات تتعلق باللغة وتعقيدات الأرشيف. ومع ذلك، فإن الارشيف العام يجب أن يكون مخصصًا لجميع المواطنين، بغض النظر عن جنسيتهم».

ولفت الكاتب النظر إلى أنه «يمكن تصور استحداث مصلحة خاصة بالمفقودين الجزائريين، والتي من شأنها أن توجه الأفراد الباحثين عن آثار لهذه الأفعال التي اعترف بها رئيس الجمهورية أخيرًا».

Embed from Getty Images

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن مفهوم «حماية الخصوصية» يساء استخدامه في حجب المعرفة التاريخية بعمل إجرامي معين ارتكب أثناء الاحتلال أو الحروب الاستعمارية: تحت غطاء «حماية الخصوصية»، بحجة أنه لا يجب الكشف عن وثيقة «تظهر سلوكًا في ظل ظروف يمكن أن يؤدي الكشف عنها إلى إلحاق الضرر بمرتكبها». وهذا يعني أن الوثائق التي أظهرت تواطؤ موريس بابون في الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في بوردو عام 1942 كان ينبغي أن تظل سرية تحت بند «حماية الخصوصية» هذا المسؤول الكبير الذي أصبح وزيرًا فيما بعد.

وبصرف النظر عن أحكام قوانين العفو، فإنه لا يجب إخفاء بعض الممارسات الخطيرة تحت بند «الحياة الخاصة» لمرتكبيها أو أحفادهم. فهم ليسوا مسؤولين عنها. ولا ينبغي استخدام حجة «احترام حياتهم الخاصة» ذريعةً لمصلحة الدولة التي تسعى إلى إخفاء بعض الحقائق، مثل جرائم التعذيب التي ارتكبها بعض أفراد الجيش الفرنسي خلال حرب الجزائر أو الجرائم الإرهابية التي يرتكبها أعضاء في الجيش السري الفرنسي. ومع ذلك فإن سرية الدفاع الوطني أو المصالح الأساسية للدولة لا تمحو حقوق الإنسان وحقوق كافة المواطنين.

وقد أشاد المؤرخ جان إيف مولييه ببريجيت ليني في اليوم الموالي لوفاتها، قائلًا: «لم تكن هذه بريجيت ليني رئيسة قسم الأرشيف المسؤولة عن حفظ التراث في مصلحة محفوظات باريس التي عرفها الكثيرون منا، بل كانت أشبه بأنتيجون العصر الحديث».

واختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن «هذه القضية لا تتعلق فقط بالمعرفة التاريخية لحقبة من التاريخ الفرنسي المعاصر، بل إنها أيضًا قضية وطنية. ولا أحد ينكر وجود قوى سياسية في فرنسا من مصالحتها طمس الحقائق وإنكار التاريخ خاصة فيما يتعلق بالحقبة الاستعمارية. ويعد إتاحة الأرشيف للجميع أقل الأدوار الذي تقوم به فرنسا لوضع حد لدورها المؤسف خلال هذه الحقبة من التاريخ».

من بينهم الأمير عبد القادر.. أبرز الثوريين الذين تعرضوا للتشويه في الجزائر

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد