محاولة ماكرون لم تصل إلى حد تقديم اعتذار رسمي من جانب بلاده عما اقترفته من مآسي أثناء احتلالها للجزائر طوال 132 عامًا خَلَت

نشرت صحيفة فينانشيال تايمز البريطانية تقريرًا لمراسلها في العاصمة الفرنسية باريس، ديفيد كيوهان، ومراسلتها في العاصمة المصرية القاهرة، هبة صالح، تناولا فيه مساعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتصالح مع ماضي بلاده الاستعماري في الجزائر الذي استمر 132 عامًا من خلال تأسيس ما يسمى بلجنة «الذكريات والحقيقة» لحفظ ماء وجه فرنسا، في وقت ترفض فيه الجزائر هذه المحاولات الشكلية وتُصِر على اعتذار فرنسا الكامل لتطهير نفسها من الجرائم والمآسي التي اقترفتها بحق الجزائريين أثناء الاحتلال.

هل تنجح «لجنة» في علاج جراحات أمة؟

يستهل المراسلان تقريرهما بالكشف عن عَزْم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تشكيل ما يسمى بلجنة «الذكريات والحقيقة» لمعالجة تاريخ الماضي الاستعماري الفرنسي في الجزائر، لكن محاولة ماكرون لم تصل إلى حد تقديم اعتذار رسمي من جانب بلاده عما اقترفته من مآس أثناء احتلالها للجزائر طوال 132 عامًا خَلَت.

وأشار مراسل الصحيفة في باريس إلى أن اللجنة المُشار إليها كانت عبارة عن توصية مركزية لتقرير قُدِّم إلى الرئيس ماكرون الأسبوع الماضي، ويُعد التقرير محاولة أخرى من جانب فرنسا للتوصل إلى تفاهم وتصالح مع واحدة من أكثر الحِقَب حساسية في التاريخ الفرنسي.

ويضيف المراسل أن عمليات التعذيب والاختفاء ومئات الآلاف من الوفيات التي جرت في الجزائر شوَّهت مدة الحرب التي استمرت ثماني سنوات، وشهدت تأسيس الجمهورية الفرنسية الخامسة، وأدَّت إلى استقلال الجزائر في عام 1962. ولا تزال هذه القضايا موضوعًا مثيرًا للانقسام على جانبي البحر الأبيض المتوسط؛ أي في كلٍ من فرنسا والجزائر.

فرنسا والجزائر: صراع الهوية يُعمِّق المشكلة

يشير التقرير إلى أن فرنسا تُعد موطنًا لملايين الأشخاص الذين تربطهم صلات بالجزائر – بما في ذلك أحفاد المستعمرين الفرنسيين السابقين وعدد كبير من السكان المسلمين – ولذلك يجد كثيرٌ منهم أنفسهم أسرى هويات متنافسة. وفي غضون ذلك، ترى الجزائر أن عمليات التوبيخ المُوجَّهة إلى باريس إحدى وسائل النظام القائم المتجذر في حركة الاستقلال لتعزيز شرعيته.

وفي هذا الصدد، قال كامل داود، كاتب وصحفي يعيش في وهران، إنني: «أشعر بالاندهاش في كل مرة أرى فيها الشباب الجزائريين يكرهون فرنسا أكثر من والديَّ اللذين عايشا معاناة الاستعمار».

وبالعودة إلى التقرير الذي يهدف إلى إحداث «تصالح للذكريات» بين الجزائر وفرنسا، نجد أن كاتبه هو المؤرخ بنيامين ستورا، الذي وُلد في قسنطينة بالجزائر، عام 1950 وهو ابن عائلة يهودية فرت من الجزائر بعد الاستقلال.

أن تأتي متأخرًا خيرُ من أن لا تأتي أبدًا

Embed from Getty Images

يلفت التقرير إلى أن إدراك ما حدث خلال الحرب الفرنسية-الجزائرية واستيعابه يأتي على نحو بطيء في فرنسا. إذ طالما عَدَّت فرنسا الجزائرَ جزءًا من التراب الفرنسي وليست مجرد مستعمرة، وحتى عام 1999 لم يعترف البرلمان الفرنسي رسميًّا بفكرة «الحرب الجزائرية». وكما قال السيد ستورا: «بعد ذلك التاريخ فقط، بدأت ذاكرة الأحداث تتسارع».

وفي عام 2003، أثناء زيارة رسمية إلى الجزائر، وصف الرئيس جاك شيراك الحرب بأنها «مأساة». وتحدث خليفته الرئيس نيكولا ساركوزي في مدينة قسنطينة عام 2007 عن «ظلم» النظام الاستعماري. وفي عام 2012، اعترف الرئيس فرانسوا هولاند بالطبيعة «الوحشية» للاحتلال الفرنسي الذي دام 132 عامًا.

وأثناء ترشحه للرئاسة الفرنسية في عام 2017، وصف ماكرون الاستعمار بأنه «جريمة ضد الإنسانية». وفي عام 2018، أصبح ماكرون أول زعيم فرنسي يعترف علانية بدور الدولة في التعذيب أثناء الحرب. لكن قصر الإليزيه قال إن الاعتذار الرسمي لا يزال غير مطروح رغم المطالب الجزائرية. وفي هذا الشأن، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لقناة فرانس 24 الفرنسية في شهر يوليو (تموز): «لقد تلقينا بالفعل نصف اعتذار. والخطوة التالية مطلوبة… ونحن بانتظارها».

وينوِّه التقرير أن الاعتذار يظل أمرًا حسَّاسًا من الناحية السياسية في فرنسا. وفي هذا الصدد، يقول دومينيك رينيه من مؤسسة فوندابول البحثية: «بالنسبة لليسار واليمين هناك شعور بالقومية الجريحة المرتبطة بما حدث في الجزائر».

وكانت التجربة السياسية الحساسة للغاية من حيث النشأة والتكوين لـ جان ماري لوبان – الذي قاد اليمين المتطرف الفرنسي قبل التنازل عن رئاسته إلى ابنته مارين – أشبه (في قسوتها على الجزائريين) بهبوط جندي مظلات مُعادٍ على أرض الجزائر.

ورأى المؤرخ ستورا، الذي سيرأس «لجنة الذكريات والحقيقة» أيضًا، أن «من الواجب على فرنسا بدلًا من «التوبة»… ضرورة الاعتراف بالتمييز والانتهاكات التي عاني منها الشعب الجزائري». وفي هذا الصدد، أوصى باتخاذ أكثر من 20 خطوة «عملية»، بما في ذلك فتح الأرشيفات الرسمية.

من ناحية أخرى، يعتقد آرثر إسيراف، المؤرخ الفرنسي لشمال أفريقيا في جامعة كامبريدج البريطانية، أن فرنسا يجب أن تعتذر – ليس من أجل علاقتها بالجزائر، بل لضمان عدم تكرار الجرائم التي ارتُكِبت في ظل الاستعمار مرة أخرى. وقال إن الحرب كان لها تأثير «رهيب لا يمكن إنكاره» في المدنيين، إذ أُجبر الملايين منهم على ترك منازلهم وقراهم في المناطق الريفية، لأن فرنسا أرادت «فصل» الناس عن مقاتلي جبهة التحرير الوطني.

Embed from Getty Images

أما ناصر جابي، عالم الاجتماع بجامعة الجزائر، فيقول إن الجزائريين لا يحتاجون إلى اعتذار لأننا «نعرف ما تعرضنا له من استعمار وقتل ونهب. إن الفرنسيين هم من يحتاجون إلى الاعتذار لتخليص أنفسهم من هذا الإرث الاستعماري البغيض». وأضاف جابي: «لا أعتقد أن المسؤولين الجزائريين جادين في مطالبتهم فرنسا بالاعتذار. إنها مجرد حيلة شعبوية يستخدمونها عندما يتزايد الضغط عليهم».

ورفضت زهرة الظريف، أيقونة حرب الاستقلال التي سجنها الفرنسيون لدورها في تفجير عام 1956 لمقهى يرتاده الأوروبيون، البحث عن اعتذار. وقالت: «لم أفهم هذا الطلب قط». وتابعت «لقد هزمنا فرنسا وانتقمنا من الهزائم التي ألحقتها بنا بعد أكثر من مئة عام من الحروب المتتالية».

(أرفق مراسلا الصحيفة في تقريرهما صورة لجنود فرنسيين وهم يفتشون كل المنازل في بلدة القصبة، في الجزائر، في شهر مايو (آيار) عام 1956، وصورة أخرى لتوابيت ملفوفة بالأعلام الوطنية الجزائرية، تحتوي على رفات 24 من زعماء المقاومة الجزائرية، في تكريم لهم في قصر مفدي زكريا، في الجزائر العاصمة، في شهر يوليو من العام الماضي، بعد أن أعادت باريس إلى الجزائر جماجم المقاومين التي قُطِّعت على يد جنود فرنسيين بعد سحق تمردهم ضد الحكم الاستعماري عام 1849). 

لجنة الذكريات والحقيقة ليست هي الحل

ويختم مُعدَّا التقرير بالقول إنه منذ الاستقلال تربط فرنسا والجزائر علاقات معقدة أدَّت على نحو دوري إلى توترات دبلوماسية، على الرغم من أن الروابط بين البلدين لا تزال عميقة. لكن الجزائر حسَّاسة لأي شيء يمكن أن يُفسَّر على أنه نقد أو تدخل من فرنسا في شؤونها الداخلية.

دولي

منذ شهرين
مترجم: اللغة الفرنسية.. مفتاح ماكرون لاستعادة «أمجاد» الإمبراطورية الفرنسية

على سبيل المثال، في العام الماضي، حدث خلاف دبلوماسي قصير بسبب فيلم وثائقي تلفزيوني فرنسي عن حركة الاحتجاج المناهضة للحكومة في الجزائر. وقال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إن بلاده «لن تقبل أي تدخل أو وصاية» من الخارج. وقال محللون إنه من غير المرجح أن يؤدي تقرير اللجنة إلى أي تغيير فوري في العلاقة بين البلدين.

Embed from Getty Images

من ناحية أخرى، قال لويس مارتينيز، المتخصص في سياسات شمال أفريقيا في معهد العلوم السياسية، إنني: «أعتقد أن هذا مهم للغاية بالنسبة لفرنسا، لأننا لا نستطيع الاستمرار في إنكار ذكرى هذه المدة». وتابع: «من ناحية أخرى، إذا كان الهدف هو إصدار تقرير يمكن أن يسمح بالمصالحة بين الجزائر وفرنسا، فمن الواضح جدًّا أن هذا التقرير لن يحقق ذلك».

وقال السيد داود: «بالنسبة لأولئك الذين ليسوا فرنسيين أو جزائريين، إنهم يرون أن التقرير الذي أعدَّه ستورا أشبه ما يكون بعلاج مُعد لطرفي نقيض. لكنه في الواقع ليس علاجًا لطرفين. إذ يُعد تقرير ستورا علاجًا لفرنسا فقط، وهذا أمر مهم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد