قال أزاد عيسى في مقال على موقع «ميدل إيست آي» إن الفرنسيين قتلوا عشرات المدنيين بعد أن قصفوا حفل زفاف في مالي، ولا يبدو أن هناك من يهتم. وإليكم ترجمة المقال بالكامل:

بعد ظهر يوم 3 يناير (كانون الثاني)، أطلق الجيش الفرنسي طائرة بدون طيار من طراز ريبر فوق قرية بونتي في وسط مالي. قال الجيش الفرنسي إن الطائرة المسيرة ألقت ثلاث قنابل على مسكن في منطقة مفتوحة خارج القرية، مما أسفر عن مقتل العشرات من مقاتلي المعارضة.

ولكن بعد ساعات من الهجوم، قال عدة شهود من بونتي إن سلسلة من القنابل استهدفت حفل زفاف في القرية، مما أسفر عن مقتل ما يصل إلى 20 مدنيًّا وإصابة عدد آخر. وفقًا لجينيس تابيتال بولاكو، هي مجموعة مناصرة للرعاة من عرق الفولاني، قُتل والد العريس أيضًا. ونشرت الجماعة فيما بعد أسماء 19 مدنيًّا قتلوا في الهجوم. وقالت إن سبعة آخرين أصيبوا بجروح.

قال حمادون ديكو رئيس الجماعة لرويترز «القتلى مدنيون. لا أعرف إذا كان هناك جهاديون في لحظة الغارة أم لا».

أضرار جانبية

قال خوان كارلوس كانو، رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في مالي، لميدل إيست آي إن موظفيه عالجوا ثماني إصابات من المدينة ذلك المساء، وأضاف: «تحدث الجرحى ومن رافقوهم عن ضربات جوية. قالوا إنه كان حفل زفاف، وإنه كان هناك عدد قليل من الوفيات».

دولي

منذ 6 شهور
مترجم: لماذا يصر ماكرون على بقاء القوات الفرنسية في مالي بعد الانقلاب؟

لكن كانو أضاف أنه سيكون من المستحيل عليه تحديد هوية الجرحى: «نحن لا نصنف المرضى بوصفهم مدنيين أو مقاتلين. إننا نعثر على من هم بحاجة إلى مساعدة طبية ونحاول علاجهم». في 7 يناير، وصف الجيش الفرنسي الاتهامات بأنه قصف حفل زفاف بـ«معلومات مضللة».

وقالت وزارة الدفاع في بيان صحفي: «إن هذا العمل القتالي الذي شاركت فيه طائرة بدون طيار من طراز ريبر ودورية مكونة من طائرتين من طراز ميراج 2000 قتل حوالي 30 مقاتلاً مسلحًا. إن العناصر المتاحة، سواء كانت استطلاع المنطقة قبل وبعد الضربة، فضلاً عن دقة عملية الاستهداف، تجعل من الممكن استبعاد احتمال حدوث أضرار جانبية».

من جانبها، أصدرت الحكومة المالية على الفور بيانًا خاصًّا بها، متفقًا مع تقييم فرنسا، لكنها أعلنت أيضًا عن إجراء تحقيق في الضربة. لم يهدأ الغبار بعد، ولكن نظرًا لأن «أسيادهم» الفرنسيين قد أنكروا بالفعل ارتكاب أي مخالفة، فقد أُغلقت القضية!

حرب فرنسا الأبدية

يصادف هذا الأسبوع ثماني سنوات منذ تدخل فرنسا عسكريًّا في مالي، بزعم استعادة السلام والأمن وسط تهديدات بالانفصال من الطوارق واستيلاء الجماعات المسلحة المرتبطة بالقاعدة على شمال البلاد.

والآن بعد ما يقرب من عقد من الزمان، لم تعد مالي أكثر أمانًا أو استقرارًا مما كانت عليه عندما وصل الفرنسيون، ولكن العملية العسكرية لا تزال واسعة النطاق كما كانت، مع توسع الفرنسيين في بوركينا فاسو وموريتانيا وتشاد والنيجر المجاورة بقوة قوامها 5 آلاف جندي.

ما بدأ على أنه «استعادة» للديمقراطية في مالي بعد انقلاب وتمرد عام 2012 في شمال البلاد، تحول إلى قلق أكبر في عام 2014 بشأن ما يسمى الهجرة غير الشرعية والجريمة العابرة للحدود والتنمية الإقليمية.

في عام 2017، ساعد الفرنسيون في إنشاء قوة الساحل G5 (من الدول المذكورة أعلاه) فيما بدا محاولةً لتركيز قيادة مكافحة الإرهاب في المنطقة تحت الوصاية الفرنسية. لكن في الواقع، لم يكن الأمر يتعلق حقًّا بالاستقرار، بل انصبّ دائمًا على السيطرة والاستعمار الجديد.

شهد العقد الماضي توفير هذه الحكومات الضعيفة في منطقة الساحل غطاءً للمغامرات الاستعمارية الفرنسية باسم مكافحة الإرهاب. في المقابل، أعطى الجيش الفرنسي عددًا كبيرًا من القادة الفاسدين والسلطويين حرية استخدام الإرهاب لقمع معارضيهم.في الواقع، تظل مالي دولة فارغة أسيرة لأسيادها الفرنسيين.

خطوط الصدع الطائفية

جاء الفرنسيون إلى مالي بعظمة جيش التحرير، لكن وجودهم لم يؤد إلا إلى مزيد من الانقسام، غالبًا عبر خطوط الصدع العرقية والطائفية.

وفقًا للأمم المتحدة، فإن الهجمات العرقية قد جرى تأجيجها واستغلالها أيضًا من قبل مجموعات مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وداعش في الصحراء الكبرى، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الذين تم دفعهم. إلى المناطق الوسطى بعد وجود القوات الفرنسية في الشمال.

قُتل أكثر من 4 آلاف شخص في عام 2019 وحده. بين مايو 2010 وأبريل 2020، وارتفع عدد النازحين داخليًّا من 600 ألف إلى 1.5 مليون.

قال كانو من منظمة أطباء بلا حدود: «الغالبية العظمى من الضحايا هم ضحايا غير مباشرين للعنف، لأن هناك بالفعل صراعًا دائمًا في المنطقة منذ سنوات عديدة، ويتأثر السكان جميعًا؛ لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى الحقول لمحاصيلهم، أو نقل ماشيتهم إلى المراعي. ولا يمكنهم الوصول إلى الخدمات الصحية، ونحن أيضًا مقيدون في الأماكن التي يمكننا فيها الوصول إلى السكان». وأضاف: «السبب الأكبر للوفاة ليس العنف المباشر بل العنف غير المباشر».

 

وعلى الرغم من كل حديثها عن حقوق الإنسان والحرية والرغبة في الاستقرار، تواصل فرنسا، مثل الولايات المتحدة، دعم الزعماء الأكثر معارضة لهذه القيم التي يتم الترويج لها، غالبًا على حساب السكان المحليين. ولن يكون من المفاجئ أن تقوم الحكومة المالية بالتستر على خطأ فرنسي فادح في قرية بونتي.

هذا ما تفعله الدول العميلة

نفذت فرنسا حوالي عشرات التدخلات في جميع أنحاء أفريقيا منذ الستينيات. دعمت الدول التي ساندت الهيمنة الفرنسية، على الرغم من تحقيق الاستقلال، وأطاحت من تحدوا أوامرها.

على الرغم من أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاول إقناع غرب أفريقيا بأنه يافع على أن يكون حارسًا للاستعمار الفرنسي في المنطقة، فإنه لا يوجد الكثير مما يوحي بخلاف ذلك.

قال إيفان جويشاوا، من كلية بروكسل للدراسات الدولية بجامعة كينت، لوكالة أسوشيتد برس في أغسطس 2020، إنه بعيدًا عن الأمن، «يريد الفرنسيون، على ما أعتقد، أن يظلوا مؤثرين في مستعمراتهم السابقة وأن تكون لديهم هذه القيادة في هذا النوع من التقسيم العالمي للعمل. إنها طريقة لتخليد قصة العظمة الفرنسية بين الرأي العام الفرنسي وأننا ما زلنا قوة كبيرة».

حروب الطائرات المسيرة

مع ظهور الطائرات المسيرة في مالي في ديسمبر 2019، أدى الصراع الذي اتسم بالفعل بانعدام الشفافية والوحشية إلى شعور الناس العاديين بالضعف وعدم الارتياح على الدوام.

تدرك العائلات جيدًا أن أولئك الذين يجدون أنفسهم في المكان الخاطئ لآلة طيران تصل وتقصف ثم تختفي لن يجدوا العدالة أو المساءلة. في فبراير 2020، قال شهود إن غارة بطائرة مسيرة قتلت العديد من المدنيين في منطقة بالقرب من غوسي بوسط مالي. عندما ضغطت عليه ميديابارت، نفى الجيش الفرنسي على الفور هذه المزاعم باعتبارها كاذبة.

ردًّا على أسئلة من ميدل إيست آي، قالت وزارة الدفاع الفرنسية إنهم ليسوا في وضع يسمح لهم بتقديم أي معلومات بخلاف ما ورد في بيانهم الإعلامي لأسباب أمنية. ولم ترد بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي على طلب ميدل إيست آي للتعليق أو الإيضاح.

على طريقة الهجمات الأمريكية في اليمن أو أفغانستان أو الصومال، لا يوجد دليل على أن القتلى كانوا مقاتلين. بالنظر إلى إصرار ماكرون على «تحرير الإسلام» والمحاولات المتكررة لإضفاء الطابع المؤسسي على الإسلاموفوبيا في فرنسا، فمن غير الواضح ما الذي يعنيه أن تكون مقاتلًا.

ربما يعني ذلك أن تكون مسلمًا، أو من يراه ماكرون مقاتلًا.

لكن من المؤكد أنه لا يوجد أي توثيق أو سجلات متابعة لجرائم المقاتلين المزعومين، ولماذا يستحقون الموت؟ على الرغم من التحفظ على من قتلوا، فإن الجيش الفرنسي ليس متأكدًا حتى من عدد الذين لقوا حتفهم في الغارة.

يعرف المتمردون المسلحون في مالي وأماكن أخرى بالفعل أنه ليس من المفترض أن يتجمعوا في مجموعات بسبب الطائرات بدون طيار، الأمر الذي يطرح السؤال: كيف يمكن للجيش الفرنسي التأكد من أنه قتل مقاتلين وليس مجموعة من الرجال الذين يحضرون حفل زفاف؟

لا يمكنهم ذلك. لكن الأهم من ذلك أنهم لا يهتمون.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد