نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا لمراسلَيْها ريك نواك، الذي يقيم في العاصمة الفرنسية باريس ويغطي الشأن الفرنسي، ودانييل باكيت، مديرة مكتب غرب أفريقيا التابع للصحيفة الأمريكية، تناولا فيه إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن انتهاء العمليات العسكرية الفرنسية ضد المسلحين الإسلاميين في غرب أفريقيا، موضحَيْن أن ماكرون أشار إلى أن فرنسا ستحافظ على وجودها في منطقة الساحل الأفريقي لتشارك في جهود دولية أوسع.

وكانت فرنسا قد بدأت عملية برخان في عام 2014، بمشاركة مستعمرات فرنسية سابقة هي بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، لمكافحة التمرد في منطقة الساحل الأفريقي.

وفي مطلع التقرير أشار المراسلان إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن يوم الخميس عن «تحولٍ عميقٍ» في المشاركة العسكرية الفرنسية في غرب أفريقيا، مُؤْذِنًا بانتهاء عملية عسكرية كبيرة في ظل تصاعد المخاوف الأمنية.

عملية جديدة

ولفت التقرير إلى أن حوالي 5100 جندي فرنسي يتمركزون في جميع أنحاء المنطقة باعتبارهم جزءًا من عملية برخان، التي تركِّز على الوقوف في وجه التمرد في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ولم يتضح بعد عدد القوات الفرنسية التي ستبقى أو متى ستبدأ تلك القوات عمليات المغادرة.

Embed from Getty Images

وقال ماكرون إن عملية جديدة ستحل محل عملية برخان، وأن هناك دولًا أخرى تدعم أهداف تلك العملية الجديدة. وقال: إن القرار جاء بعد مشاورات مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.

وأشار التقرير إلى أن هذا الإعلان يأتي بعد أيام من تنصيب مالي، الدولة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 20 مليون نسمة، رئيسًا جديدًا بالإنابة: الكولونيل عاصمي غوتا، قائد الانقلاب العسكري الثاني في البلاد خلال تسعة أشهر. وكانت فرنسا قد علَّقت العمليات العسكرية المشتركة مع الجيش المالي الأسبوع الماضي بعد هذا الانقلاب العسكري الأخير.

تشابه الحال والمآل

وأضاف التقرير أن وتيرة الضغوط المحلية تصاعدت ضد ماكرون لسحب عملية برخان وإنهائِها قبل الانتخابات الرئاسية التي ستنعقد العام المقبل، وذلك في خضم هجمات ضد الجنود الفرنسيين وتزايد التساؤلات بشأن مدى تأثير هذه المهمة العسكرية في تحقيق الأمن في المنطقة.

يقول بيتر فام، المبعوث الأمريكي الخاص السابق إلى المنطقة، لقد: «انتهى بهم الأمر (بالفرنسيين) إلى حالنا (الأمريكيين) في أفغانستان. ولا يمكن لأحد أن ينكر أنهم حققوا بعض الأهداف الجيدة -مثل القضاء على قادة إرهابيين رئيسِيْن- لكنهم لم يحددوا انتصارًا أو غاية نهائية، ناهيك عن كيفية الوصول إلى هذه الغاية».

وتتمركز القوات الفرنسية في مالي منذ عام 2013، بعدما تدخلت لوقف استيلاء المتطرفين عليها. ويُنظر إلى استمرار وجود تلك القوات الفرنسية على أنه ركيزة أساسية للجهود الغربية لمكافحة الإرهاب في المنطقة.

لقد صوَّرت الدولة الفرنسية نفسها على أنها تحمل على كاهلها النصيب الأكبر من العبء الأمني ​​موازنةً بنظيرتيها الأمريكية والأوروبية. ووفقًا للقيادة الأمريكية في أفريقيا، يوجد حوالي 1100 جندي تابع للولايات المتحدة في غرب أفريقيا. وعلى عكس نظرائهم الفرنسيين، يضطلع الجنود الأمريكان بمهام جمع المعلومات الاستخبارية والدعم اللوجستي في الغالب.

دولي

منذ سنة واحدة
«فاينانشال تايمز»: كيف يحاول ماكرون إعادة «الاستعمار الفرنسي» لأفريقيا؟

كما أن هناك قوات متمركزة في المنطقة تابعة لدول أوروبية أخرى. وقال مسؤول فرنسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث علانيةً: إن كلمات ماكرون كانت رسالة إلى حلفاء فرنسا الأوروبيين والإقليميين لمضاعفة التزاماتهم العسكرية.

ويقول محللون: إن القوات الفرنسية تفرض حصارًا حاسمًا في مالي. وتصاعدت أعمال العنف في السنوات الأخيرة بعد الضغط الذي قام به مقاتلون مرتبطون بتنظيمي القاعدة و«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» من أجل السيطرة على مزيد من الأراضي، وتحويل المناطق التي كانت تنعم بالسلام إلى مناطق صراع.

هل يُفتَح صندوق باندورا في أوروبا؟

وأفاد التقرير أن قرابة 7 آلاف شخص لقوا مصرعهم في أعمال العنف في عام 2020، وهو العام الأكثر دموية لمالي وبوركينا فاسو والنيجر منذ غزو المتطرفين لها قبل ما يقرب من عقد من الزمان.

Embed from Getty Images

يقول بوبكر با، المحلل الأمني ​​في العاصمة المالية باماكو: «الوقت الحالي ليس الوقت المناسب الذي تتخلى فيه فرنسا عن مالي. إن التخلي عن مالي يعني التخلي عن الساحل الأفريقي، وهو أشبه ما يكون بفتح صندوق باندورا في أوروبا (في الميثولوجيا الإغريقية، صندوق باندورا هو صندوق حمله باندورا ويحتوي على كل أنواع الشرور البشرية، بمعنى أن تخلي فرنسا عن مالي سيفتح كل أبواب الشرور على أوروبا». 

وفقدت حكومة مالي إلى حد كبير السيطرة على شمال البلاد، وهي منطقة صحراوية قاحلة، ووسطها لصالح الجماعات المتطرفة، وقال الجيش المالي – الصغير وفقًا للمعايير الإقليمية – إنه يفتقر إلى الأموال اللازمة للقضاء على التهديد الأمني ​​بمفرده. وتساعد الحدود الهشَّة التي يسهل اختراقها المقاتلين على الانتشار في تلك المنطقة بسهولة.

أعمال عنف متفرقة

ولفت التقرير إلى أن بوركينا فاسو المجاورة لمالي تعرَّضت لأسوأ مذبحة منذ سنوات خلال عطلة نهاية الأسبوع. وفي الآونة الأخيرة اندلعت الهجمات بالقرب من الدول الساحلية في المنطقة. وخلال هذا الأسبوع، نصَبَ مقاتلون كمينًا لجنود على حدود ساحل العاج؛ مما أسفر عن مقتل جندي واحد على الأقل.

ويرى المتظاهرون في مالي والدول المجاورة لها أن الوجود العسكري الفرنسي يُسْهِم في تدهور الوضع الأمني. وتصاعدت حدة الانتقادات في مارس (آذار) بعد أن ذكرت الأمم المتحدة أن غارة جوية فرنسية في وسط مالي هذا العام أسفرت عن مقتل 19 مدنيًّا. وقال شهود لصحيفة «واشنطن بوست»: إن طائرات حربية أسقطت قنابل على حفل زفاف. ووصف وزير الدفاع الفرنسي الهدف بأنه مجموعة من المتطرفين.

Embed from Getty Images

كما أثار الوجود العسكري الفرنسي في بعض الأحيان احتجاجات عنيفة. وهاجم المتظاهرون الشركات الفرنسية في غرب أفريقيا ونهبوها. ومن جانبه أدان ماكرون الأعمال العدائية المتزايدة تجاه فرنسا. وصرح لصحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية مؤخرًا أن فرنسا لم يكن من المفترض أن تحافظ على وجود عسكري دائم في غرب أفريقيا. لكن إعلانه يوم الخميس سيؤثر على البلدان التي يُنظر إليها على أنها شركاء موثوق بهم.

واختتم المراسلان تقريرهما بقول وزير خارجية النيجر، حسومي مسعودو، للصحيفة يوم الخميس: إن «دول المنطقة يجب أن تنسِّق جهودها لمكافحة الإرهاب ودحره». وقال: إن «الاتحاد قوة ضد العدو المشترك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد