في ذلك الوقت، انصب التفكير الإستراتيجي الفرنسي على أن قوة الغزو السوفيتي لن يتسنى إيقافها بالأسلحة التقليدية على الأرجح.

كتب الصحافي كاليب لارسون، المعني بمتابعة السياسة الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة، وروسيا، والثقافة، والسياسة الألمانية، تقريرًا نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية حول سعي فرنسا لصد هجوم روسي محتمل إبان الحرب الباردة باستخدام أسلحتها النووية التي كانت مُصوَّبة نحو ألمانيا في ذلك الوقت.

ثنائي إستراتيجي

وفي مستهل تقريره، يشير الكاتب إلى حدث ينصح بتذكره خلال الحرب الباردة: صوَّبت فرنسا صواريخها النووية التكتيكية ضد ألمانيا؛ تحسبًا لحدوث غزو سوفيتي.

وتمتلك فرنسا اليوم ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، بعد الولايات المتحدة وروسيا. وعلى عكس الثالوث النووي (مصطلح يشير إلى طرق إطلاق الأسلحة النووية: قاذفة قنابل إستراتيجية، صاروخ باليستي عابر للقارات، صواريخ بالستية تُطلَق من الغواصات) الأمريكي أو الروسي، الذي يتكون من أسلحة نووية تنطلق من الأرض، أو البحر، أو الجو، تحتفظ فرنسا بثنائي نووي من الصواريخ التي تنطلق من الجو والبحر. ولكن كان لدى فرنسا، حتى منتصف تسعينات القرن الماضي، مكوّن نووي ينطلق من الأرض أيضًا.

Embed from Getty Images

غواصة نووية فرنسية – غرب فرنسا 

خرجت فرنسا، المعروفة بميولها الاستقلالية على الدوام، من حلف الناتو عام 1966، واتَّبعت إستراتيجية نووية مستقلة. وحتى بعد أن انضمت مجددًا إلى حلف الناتو في عام 2009، رفضت فرنسا الالتزام باستخدام ترسانتها النووية في الدفاع الجماعي عن الحلف، على الرغم من اشتراكها معه في الأهداف الإستراتيجية العالمية، مثل مواجهة روسيا التي تحاول تأكيد وجودها مجددًا.

وبدأ الردع النووي الفرنسي الذي يرتكز على الأرض في عام 1971، عندما بُنيت صوامع الصواريخ النووية (منشآت الإطلاق) في إقليم فوكلوز في جنوب شرق فرنسا. كانت هذه الصوامع تهدف إلى تأمين فرنسا من غزو سوفيتي قد يأتي من ألمانيا الشرقية، عبر ألمانيا الغربية، وصولًا إلى الحدود الفرنسية. وفي ذلك الوقت كان التفكير الإستراتيجي الفرنسي يميل إلى الاعتقاد أن قوة الغزو السوفيتي لن يتسنى إيقافها بالأسلحة التقليدية على الأرجح. وكان لهذه الصواريخ الموجودة في الصوامع مدى كافٍ لضرب أهداف في روسيا، وربما لضرب العاصمة الروسية موسكو نفسها.

نظام بلوتون

ويوضح الكاتب أنه إلى جانب الصواريخ الفرنسية الموجودة في الصوامع، بُنيت أيضًا قاذفات صواريخ محمولة – قاذفة صواريخ بلوتون (Pluton) التكتيكية الفرنسية – يمكن تحريكها في حالة حدوث أزمة أو التعرض لهجمات كالتي تتعرض لها صوامع الصواريخ الثابتة.
كان نظام بلوتون في الأساس عبارة عن صاروخ يعمل بالوقود الصلب أحادي المرحلة مثبت على متن هيكل دبابة القتال الرئيسة الفرنسية من طراز إيه إم إكس 30. وسمات الدبابة جعلت نظام بلوتون قابلًا للحركة إلى حد كبير، حتى في ظروف القتال الميداني العنيف.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من قدرة نظام بلوتون على التنقل على نحو كبير، إلا أن مداه كان محدودًا، حيث لا يتجاوز 120 كيلومترًا، أو حوالي 75 ميلًا. وأدَّى هذا إلى أن قائمة أهداف بلوتون المحتملة اقتصرت على أهداف داخل فرنسا نفسها، أو داخل ألمانيا الغربية. ومن أجل زيادة مداه النووي، طوَّرت فرنسا نظام صواريخ «هاديس» في منتصف ثمانينات القرن الماضي.

هاديس

يلفت الكاتب إلى أنه على عكس نظام بلوتون، لم يُثبَّت هاديس (Hadès) على هيكل دبابة، بل ثُبِّت على مركبة بُنيت لهذا الغرض، وثُبِّتت عليها قاذفة الصواريخ، وكان لها مدى أكبر وأسرع عند الحركة. وكان أقصى مدى لنظام هاديس 480 كيلومترًا، أو حوالي 300 ميل. وإذا ما تمركزت في شرق فرنسا، يمكن لصواريخ هاديس أن تصيب أهدافًا في ألمانيا الشرقية، وهو أمر كانت فرنسا منفتحة جدًّا بشأنه. وهناك كانت القوة الغازية السوفيتية ستُواجَه بمقاومة نووية شديدة.

سياسة

منذ 4 سنوات
5 أضعاف تفجير هيروشيما.. ماذا تعرف عن تجربة فرنسا النووية في الجزائر؟

دخل نظام هاديس الخدمة الفرنسية في عام 1992، وفي ذلك الوقت كان من المستحيل تقريبًا الحفاظ عليه بسبب الوضع السياسي بعد انتهاء الحرب الباردة. ونظرًا لأن التهديد العسكري السوفيتي لم يعد يمثل مشكلة، فقد تجاوز كل من بلوتون وهاديس هدفهما، ولم يعد من الممكن تبرير توجيه الأسلحة النووية إلى ألمانيا الشرقية بعد ذلك.

واختتم الكاتب تقريره بملاحظة ألمح فيها إلى أن صواريخ هاديس محفوظة في المخازن منذ عام 1991. وفي عام 1996 أعلنت الحكومة الفرنسية أنها ستفكك كلًا من أنظمة صواريخ بلوتون وهاديس التكتيكية، وكذلك الصواريخ الموجودة في الصوامع في فوكلوز. وفي عام 1997 عاد الثالوث النووي الإستراتيجي لفرنسا ليصبح ثنائيًّا نوويًّا إستراتيجيًّا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد